27 سبتمبر 2006

 

 

 

 

 

محاضرة البابا وردود الأفعال (2)

الشيخ نهرو طنطاوي (مدرّس في الأزهر)

 

بداية يمكنني أن ألخص المضمون العام أو الفكرة الرئيسية لمحاضرة البابا بينيدكتوس السادس عشر كالتالي: (دعوة من البابا إلى إيجاد علاقة بين الدين المسيحي وبين العقل، ومحاولة تفسير الله عبر استخدام العقل في الديانة المسيحية وذلك لإيجاد مقابلة حقيقية بين الله الخالق وعقلنا المخلوق مع بعض المقارنات مع الديانة الإسلامية ، كي يخرج البابا في نهاية المطاف بأن الله المسيحي طيب وحبوب والله الإسلامي مجنون شرير قاسي القلب، ومن هنا يمكن لرجال الدين الكنسي إيجاد مسلك لتسويق الديانة المسيحية بعد كسادها بين الناس مرة أخرى).

وقبل البدء في مناقشة بعض محاور المحاضرة أحب أن أنوه بأن نقاشنا سوف يركز فقط على المقارنات التي ذكرها البابا وتتعلق بالدين الإسلامي ، ولكن قبل هذا ينبغي أولا أن نستعرض موجز لما جاء في المحاضرة حتى يتسنى لنا الوقوف على أهم محاور المحاضرة لتحديدها ومن ثم مناقشتها.

·        موجز ما جاء في الجزء الأول من المحاضرة كما جاء في شفاف الشرق الأوسط:

أشار البابا في بداية محاضرته إلى أن علماء اللاهوت المسيحي دائمي السعي إلى بلورة علاقة بين الإيمان الديني وبين العقل، ورأى أنه من الضروري والمعقول أن يطرح موضوع الله عبر استخدام العقل، وأن يتم ذلك في إطار الدين المسيحي.

 

وتذكر البابا هذا مؤخرا حين قرأ الكتاب الذي نشره (تيودر خوري) حول جدال دار بين الإمبراطور البيزنطي مانويل الثاني وشخص مسلم مثقف حول موضوع المسيحية والإسلام، وقد تطرق الحوار بين الرجلين إلى مختلف نواحي بنى الإيمان في الإنجيل والقرآن، إلا أن البابا اختار أن يتطرق في محاضرته إلى نقطة واحدة كانت هامشية في الحوار كما يقول البابا واعتبرها في إطار مسألة (الإيمان والعقل) ورآها البابا جديرة بالاهتمام وجعلها نقطة انطلاق لتأملاته حول القضية، فكانت هذه النقطة التي جعلها البابا جديرة بالاهتمام هي موضوع الجهاد في الإسلام وادعى البابا أن الإمبراطور كان لديه علم بآية البقرة التي تقول: {لا إكراه في الدين} وأنها وردت في الفترة التي لم يكن محمدا يملك أية سلطة وكان عرضة للتهديد، وزعم البابا أن الإمبراطور كان مطلعا على التعليمات " يقصد آيات الجهاد التي وردت في المرحلة المدنية " التي طورت لاحقا وتم تدوينها في القرآن والتي تتعلق بالجهاد, ثم ذكر البابا ما قاله الإمبراطور للفارسي المسلم وجاء في قوله: (قل لي ما هو الجديد الذي أتى به محمد إنك لن تجد سوى أشياء شريرة ولا إنسانية، مثل الأمر بنشر الإيمان الذي بشّر به بحدّ السيف".  ويستطرد الإمبراطور ليشرح بالتفصيل الأسباب التي تجعل نشر الإيمان بالعنف أمراً غير معقول. وفي نظره أن العنف لا يتوافق مع طبيعة الله ومع طبيعة الروح. "إن الله لا يُسَرُّ بالدماء، وإن السلوك غير العقلاني يناقض طبيعة الله. الإيمان يولد من الروح، وليس من الجسد. أن على من يرغب في جذب إنسانٍ إلى الإيمان أن يكون متحدّثاً جيّداً، وأن يملك القدرة على المحاججة المنطقية، بدون عنف وبدون تهديدات.. لإقناع روحٍ عاقلة، لا يحتاج المرء إلى ذراع قوي، أو إلى أسلحة من أي نوع، أو لأي شكلٍ من أشكال التهديد بالقتل).

ثم يذكر البابا الخلاصة الحاسمة في هذه المناظرة بين الإمبراطور والفارسي المسلم ضد الإكراه لتغيير الدين وهي ما يلي: إن الخلاصة الحاسمة في هذه المحاججة ضد الإكراه لتغيير الدين هي ما يلي: إن الفعل بصورة مجافية للعقل يناقض طبيعة الله.

 

ثم ينتقد البابا التعليم الإسلامي قائلا: "أما في التعليم الإسلامي فإن الله فوق البشر بصورة مطلقة، وإرادة الله ليست مقيدة بأي من مقولاتنا بما فيها مقولة العقل، ثم يدلل على قوله هذا بكلام لابن حزم جاء فيه : " إن الله ليس مقيدا حتى بكلماته ذاتها، وأن شيئا لا يلزمه بأن يكشف الحقيقة لنا، ولو شاء الله فسيكون علينا أن نعبد الأصنام "، ثم قال البابا: وهذا يعطي انطباعا بأن الله متقلب المزاج وغير مرتبط بالحقيقة والطيبة إلى حد تصورنا لما هو حق وخير لم يعد يشكل مرآة حقيقية لله. ثم ذكر البابا في مقابل هذا التصور الإسلامي تصور الكنيسة التي أصرت دائما على أن هناك بين الله وبيننا، أي بين روحه الخالقة الأزلية وعقلنا المخلوق مقابلة حقيقية، يظل فيها عدم التشابه أكبر إلى درجة غير محدودة، ولكن ليس إلى درجة إبطال المقابلة ولغيها، ثم ذكر البابا عقب هذا: أن الله تصرف دائما وما يزال يتصرف بحب تجاهنا ثم قال : حقا إن الحب يسمو على المعرفة، ثم قال : بناء عليه فالعبادة المسيحية هي عبادة روحانية تنسجم مع الكلمة الأزلية ومع العقل. ثم يجتهد البابا بعد ذلك في التأكيد على وجود تقارب بين الإيمان الإنجيلي والبحث الفلسفي اليوناني. وبناء عليه فإن المسيحية بلورت طابعها التاريخي الحاسم في أوربا وذلك عن طريق التقاء الفلسفة اليونانية مع العقيدة المسيحية وإضافة التراث الروماني، فكل ذلك ساعد في خلق أوربا.

 

وبعد هذا الملخص يمكننا أن نناقش هذه القضايا التي أثارها البابا في محاضرته. ولكن لا بد من تحديد هذه القضايا وهذه المحاور على النحو التالي:

أولا : أسباب طرح البابا لموضوع الله عبر استخدام العقل.

ثانيا : أسباب اختيار البابا موضوع الجهاد في الإسلام في إطار مسألة الإيمان والعقل.

ثالثا : صورة الله في الديانة الإسلامية وفي الديانة المسيحية.

رابعا : علاقة الدين المسيحي بالفلسفة اليونانية.

وسنناقش هذه المحاور على النحو التالي:

 

·        أولا : أسبابا طرح البابا لموضوع الله عبر استخدام العقل.

في رأيي يعود طرح هذا الموضوع من قبل البابا إلى عدة عوامل هي:

·        العامل الأول:  

ملحوظة: (من المهم والضروري ذكر بدايات نشأة العقائد المسيحية وماهيتها بصورة موجزة حتى يتسنى لنا الإلمام بمقصد البابا الحقيقي من وراء هذه المحاضرة ومحاولته المقارنة بين الله في الدين المسيحي والله في الدين الإسلامي).

يعود العامل الأول لدعوة البابا إلى إيجاد علاقة بين الدين المسيحي وبين العقل إلى العقيدة المسيحية ذاتها والتي اختلقها رجال الدين المسيحي متمثلين في الكنيسة الأم التي انقلبت على رسالة السيد المسيح فحولته من بشر مخلوق عبر معجزة إلهية إلى تأليهه ومن ثم اختلافهم فيما بينهم على هذا التأليه حتى الآن، ومن هنا تبدأ مشكلة البابا ومعضلته الحقيقية كما هي مشكلة رجال الدين المسيحي منذ البداية وعلى مر العصور في أنهم يحاولون بشتى الطرق إيجاد علاقة بين العقيدة المسيحية وبين العقل أو إيجاد علاقة بين الله في الإيمان المسيحي وبين العقل.

 

إن العقيدة المسيحية قد تم وضعها من قبل رجال الدين على عدة مراحل وقد وضعوا لها قوانين قرروا فيها قرارات لم تكن مقرر من قبل مثل التجسد وطبيعته ، والأقانيم الثلاثة ، وألوهية الروح القدس ، لذلك يتضح لمن يقرأ تاريخ المجامع التي كان يعقدها رجال الكنيسة أنهم قبل هذه المجامع كانوا يعتقدون بأن المسيح عليه السلام هو الله وكفى ، ولم يكن ثمة شيء يذكر في العقيدة المسيحية حول التجسد أو الثالوث أو الروح القدس ، ثم بدأ الناس يفكرون في كيفية أن يكون المسيح هو الله ، وعلى إثر هذا التفكير قام رجال الكنيسة عبر المجامع بوضع قوانين استحدثت مسألة التجسد وطبيعة هذا التجسد، ثم استحدثت مسألة الأقانيم الثلاثة ، وألوهية الروح القدس ، وسوف أترك للقارئ أن يكتشف ذلك بنفسه ويرى كيف أن العقيدة المسيحية صدرت بقوانين وقرارات جديدة بالفعل ولم تكن من قبل ، إذ لو كانت هذه العقائد الجديدة من تجسد وثالوث وألوهية الروح القدس ثابتة وراسخة وموجودة بالفعل في أدبيات ومراجع الديانة المسيحية في العصور السابقة على المجامع المسكونية لما كان هناك حاجة إلى عقد هذه المجامع لتقرر أمرا جديدا لم يكن موجودا من قبل ، كما ذكر ذلك الأستاذ ماجد فخري عند حديثه عن شروط انعقاد المجامع حيث قال أن من شروط انعقاد المجمع أن: (يقرر شيء لم يكن مقررا من قبل)، إذن فعدم وجود هذه العقائد هو الذي دعا إلى اجتماع المجامع للبت فيما يفكر فيه الناس حول ألوهية المسيح وألوهية الروح القدس ، وسوف نترك الأستاذ ماجد فخري والقمص ذكريا بطرس يحدثانا عن كيفية صنع العقيدة المسيحية على أيدي رجال الدين في المجامع المسكونية (مع الإشارة إلى الاختصار) لكلامهما على النحو التالي:

يقول الأستاذ ماجد فخري: (لعصر المجامع في تاريخ الكنيسة المسيحية, من المميزات الكثيرة مما يجعل له أهمية كبرى، (انتبه لهذه الجملة) فهو أول سلسلة مترابطة الحلقات وضعت للكنيسة قانون إيمانها.. ثم تحدث عن شروط انعقاد المجامع فقال: (ينبغي أن تتوفر فيه الشروط التالية: ينعقد بسبب بدعة، يقرر (المجمع) شيئاً لم يكن مقرراً من قبل.. وعن اختصاص المجامع قال: فحص الأمور العقائدية المتعلقة بالإيمان. وهناك مجامع باطلة لا تعترف بها الكنيسة ولا تعترف بقوانينها أو أي شئ نصت عليه هذه المجامع.

وعن نتيجة أول مجمع عقد يقول الأستاذ ماجد: أولاً: مجمع نيقية 325م هو المجمع المسكوني الأول انعقد عام 325م (لاحظ الجملة التالية) وانتهى المجمع إلى وضع قانون الإيمان من بدايته حتى "نؤمن بالروح القدس". وعن قرارات المجمع قال: قرارات المجمع: صياغة ووضع قانون الإيمان "نؤمن باله واحد الله الآب الذي ليس لملكه إنقضاء. نؤمن بالروح القدس". ثم قال الأستاذ ماجد: ولقد وقع على قانون الإيمان هذا أكثر من300 أسقف وامتنع اريوس واتباعه فحرمهم المجمع و أمر بنفي أريوس وحرق جميع كتبه. وبدعة اريوس : كانت بسبب أنه أنكر لاهوت المسيح وادعى انه مخلوق غير مساو للآب فى الجوهر وأنه ليس أزلياً كالآب  حيث كان وقت لم يكن فيه الابن موجوداً و هو دعي إلى الوجود بواسطة الآب.

 

 

مجمع القسطنطينية 381م أسباب انعقاد المجمع: بدعة ابوليناريوس:

كان أبوليناريوس أسقفاً بالشام و كان قد سقط فى بدعة خطيرة وهى إن الابن عند تجسده حل لاهوته مقام الروح الجسدية وتحمل الآلام و الصلب مع الجسد.كما كان يعتقد أيضا بوجود تفاوت فى الاقانيم الثلاثة منادياً بأن  الروح عظيم والإبن اعظم أما الآب فهو الأعظم.

 

بدعة اوسابيوس: جدد أوسابيوس تعاليم سابليوس فكان يعتقد بوجود اقنوم واحد ظهر فى العهد القديم كآب وصار إنساناً فى العهد الجديد بصفة الأبن وحل على الرسل فى علية صهيون بصفة الروح القدس.

بدعة مقدونيوس: وكان مقدونيوس يعلم التعاليم الأريوسية عندما كان اسقفاً ولكن بعد عزله بدأ يعلم ببدعة جديدة وهى أن  الروح القدس ليس أقنوماً متميزاً عن الآب والأبن بل هو عمل إلهى أى مخلوق يشبه الملائكة لكن ذو رتبة اسمى  (نفس إيمان شهود يهوه).

وكانت بدعة مقدونيوس مستندة على الآية "كل شئٍ به كان وبغيره لم يكن شئٍ مما كان" (يو 1 : 3) لذا كان يعتقد ان الروح القدس مخلوق.

 فأجابه الأساقفة قائلين إن روح الله ليس إلا حياته وان قلنا إن حياته مخلوقة فإنه يكونغير حى قبل خلق حياته وهذا كفر شنيع. (لاحظ الجملة التالية) ولذلك وضع المجمع باقى قانون الإيمان من  " نعم نؤمن بالروح القدس حياة  الدهر الآتى.

 

ثم يحدثنا الأستاذ ماجد عن كيفية تأليه الروح القدس فيقول: والأزلية والأبدية هى من صفات الله فقط. الروح القدس هو اقنوم الهى . هو الله. المنبثق من الآب: كما قال الكتاب فى (يو 15 : 26)  "روح الحق الذى من عند الآب ينبثق فهو يشهد لى" والإنبثاق معناه الخروج او الصدور. ورغم ذلك تم فى القرن الحادى عشر تزويد كلمة  "من الآب والابن" وقد وافقت على هذا الزيادة الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية. ثم يقول الأستاذ ماجد: هناك مبدأ واضح لدى كنيستنا القبطية وهو ان الأقنوم الأول الذى هو الآب يتميز بكونه والداً للأبن و باثقاً للروح القدس. و الأبن يتميز بكونه مولوداً من الآب، والروح القدس أيضاً يتميز بكونه منبثقاً من الآب.

ثم يشرح الأستاذ ماجد خواص الله فيقول:

 والخواص فى الله نوعان: الخواص الاقنومية : ومعنى ذلك ان الاقنوم الواحد لا يكون الثانى والثالث وبالعكس ولا يشاركه فى خاصية الاقنومية فيكون الآب وحده له الأبوة وله الإبثاق, ويكون الأبن له وحده البنوة و التجسد, ويكون الروح له وحده الإنبثاق او الصدور. فلا يشارك الآب الإبن بأن يكون مولوداً أو الروح بأن يكون منبثقاً و لو شاركهما بذلك لأجتمعت له صفتان متناقضتان. و بموجب هذه القاعدة لم يشارك الإبن الآب ليكون باثقاً للروح القدس ولكن الروح القدس يكون منبثقاً من الآب فقط كما ان الإبن مولوداً من الآب فقط.

 

الخواص الجوهرية : وهى الصفات المشتركة التى يتصف بها كل اقنوم مثل الأزلية و الخلق و العلم والإرادة ... والتي لو اتصف أو اختص بها اقنوم واحد فقط دون الآخر لأصبح الآخران دونه في الدرجة وأصبح من المخلوقين.

إذن الانبثاق لم يكن أبدا من الخواص الجوهرية وإنما من الخواص الأقنومية ومعلوم أن الابن والروح القدس لهما نفس جوهر الآب إلا أن الابن علاقته بالآب ولادة ولا يمكن أن تكون انبثاق والروح القدس منبثق من الآب ولا يمكن أن يكون مولود منه.

وقال الأستاذ ماجد: نقطة أخرى وهي أن هناك فرقاً لاهوتيا كبيراً بين الإرسال و الانبثاق.فالانبثاق يكون أزلي مثل ولادة الابن من الآب أما الإرسال فيكون فى حدود الزمن أي له بداية.

http://www.marmina.org/khdma/nekya.htm

 

ويحدثنا القمص زكريا بطرس عن أسباب انشقاق الكنائس فيقول:

(إنه لمن المؤلم للنفس أن نرى الكنيسة الواحدة الوحيدة المقدسة الجامعة الرسولية التي هكذا أسسها رب المجد بروحه القدوس قد وصلت إلى الحالة التي عليها الآن من تعدد وتباين وخلاف. وما يؤلم النفس حقاً أن الكنيسة كانت ضحية نزعات شخصية وتصرفات طائشة لأناس نصبوا من أنفسهم قوامين على الحق، فكانوا سبباً في انفلات الزمام وظهور مذاهب مختلفة تُعد بالمئات. لقد ظهرت في الكنيسة خلال عصورها الأولى عِدة هرطقات نتيجة للتفاسير والتأويلات غير الصحيحة لمفهوم آيات الكتاب المقدس. ولكن الكنيسة إزاء هذه الهرطقات كانت تدعو إلى اجتماعات تُعرف باسم المجامع لبحث هذه الهرطقات وإصدار الحكم بصددها.

ثم يذكر القمص ذكريا بطرس قانون الإيمان الذي تم وضعه على ثلاث مراحل متفرقة وفي ثلاث مجامع مختلفة على النحو التالي:

1 - وضع قانون الإيمان لدحض بدعة آريوس وهو القانون الذي نردده في كنائسنا إلى يومنا هذا والذي بدؤه: "بالحقيقة نؤمن بإله واحد... نؤمن برب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كل الدهور. نور من نور إله حق من إله حق. مولود غير مخلوق. مساوٍ للآب في الجوهر... (إلى) وليس لملكه انقضاء" 

2 - إضافة الجزء الأخير من قانون الإيمان الذي بدؤه: "نعم نؤمن بالروح القدس الرب المحيي المنبثق من الآب... الخ"

3 - وضع مقدمة قانون الإيمان الذي بدؤه: "نعظمك يا أم النور الحقيقي ونمجدك أيتها العذراء القديسة والدة الإله... الخ"

ثم يحدثنا القمص عن الأسباب الخفية لانشقاق الكنائس واختلافها في عقائدها فيقول:

ومن هذا يتضح – بكل أسف – أن السبب الخفي في الانشقاق كانت غايات شخصية وحب الذات والرئاسات!!

 

ثم يحدثنا عن نتائج الانشقاق فيقول:

 كانت نتيجة لقرارات مجمع خلقيدونية أن انقسمت الكنيسة إلى شطرين وهما:
1- الشطر الأول:

يضم كنيسة رومية وكنيسة القسطنطينية اللتين اعتنقتا المعتقد القائل بأن للمسيح طبيعتين ومشيئتين.

2- الشطر الثاني:

ويضم كنيسة الإسكندرية ومن اتبع خطواتها كالسريان والأرمن وغيرهم الذين ظلوا متمسكين بقرارات المجامع الأولى ومعتقدات أثناسيوس وكيرلس في طبيعة المسيح وهي الطبيعة الواحدة (أي اتحاد اللاهوت والناسوت بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير).

http://www.servant13.net/history/index.htm

 

·        # العامل الثاني :

انقلاب العالم الغربي بأكمله على العقيدة المسيحية خصوصا عندما ازداد هذا الغرب نفورا مما شاهدوه من فساد رجال الدين وطغيانهم وظلمهم والذي تبلور بصورة واضحة في العصور الوسطى إلى أن انقلب عليهم العالم الغربي بأكمله وزواهم هم وعقائدهم داخل جدران الكنائس إلى الأبد ، فكانت الديانة المسيحية هي الديانة الوحيدة في العالم التي ينقلب عليها أتباعها بهذه الطريقة والتي أصبحت معها هذه الديانة أشبه بالميت إكلينيكيا.

·        # العامل الثالث :

تحول السواد الأعظم من الشعوب الغربية إلى ما يسمى بالإلحاد ، والإلحاد هذا كان هو الثمرة الطبيعية لاختلاقات رجال الدين المسيحي وفسادهم وطغيانهم ضد شعوبهم ، بحيث يمكنني القول أن ما قام به رجال الكنيسة على مر العصور كان هو البذرة الأولى للإلحاد ، أو بعبارة أخرى إن التاريخ الحقيقي للإلحاد بدأ مع انهيار الديانة المسيحية في أوربا في بدايات ظهور عصر النهضة، أما قبل ذلك فلم يكن ثمة شعب أو شعوب أو حتى مذهب جماعة من الناس في أي مكان في العالم يمكن أن يوصف بالإلحاد.

·        # العامل الرابع :

فقر الديانة المسيحية إلى تشريعات حياتية تنظم حياة الفرد وشئونه، بل إن بعض التشريعات في الديانة المسيحية دائما ما تصطدم مع طبيعة البشر كحرمة الطلاق إلا في أضيق الحدود وإن تم فلا يتم إلا بموافقة رجال الدين، ومن التشريعات التي تصادم طبيعة البشر أيضا حرمة الدفاع عن النفس ضد العدوان والأمر بمحبة الأعداء ومباركة اللاعنين وعدم مقاومة الشر والتنازل للظالم عن ظلمه والإحسان إلى المبغض الكاره ، فهذه التشريعات وغيرها لم تجد لها طريقا إلى طبيعة النفس البشرية التي فطرت على مقاومة الشر والدفاع عن النفس بل إن هذه التشريعات لم تجد البشرية لها أي واقع أو صدى يذكر في التاريخ المسيحي الممتد إلى أكثر من 2000 عام، بل إن الصدى الوحيد لهذا التاريخ أنه تاريخ مخضب بالدماء وأشلاء القتلى والفساد والاستعمار والظلم والسلب والنهب منذ (ثيود سيوس) الذي كان يعمد الوثنيين قسرا مرورا بالخلافات العقائدية بين المذاهب المسيحية المختلفة،  كالتطاحن الدموي بين الرومان والأقباط مرورا بحروب الإصلاح الديني في أوربا، كحرب الثلاثين عاما والتي استمرت من 1618 إلى 1648، واضطهاد  هيجونوت فرنسا ، ومحاكم التفتيش، ومجلس الدم ، وفتاوى الجهاد المقدس، والحروب الصليبية التي استمرت قرنين من الزمان، بل إنه بعد انهيار الدين في أوروبا ما زالت الشخصية المسيحية شخصية دموية حتى في ظل العلمانية والإلحاد، ويكفي أن نتذكر جرائم الثورة الفرنسية والتاريخ الدموي للولايات المتحدة مع الهنود الحمر, والحرب العالمية الأولى ، والحرب العالمية الثانية ، والاستعمار الغربي للقارة الأفريقية وأجزاء من آسيا لعشرات السنين في ظل الإمبراطورية الفرنسية والإمبراطورية البريطانية، والاستعمار النازي الألماني والفاشية الإيطالية ، وختاما بالاستعمار الجديد للإمبراطورية الأمريكية باسم الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن تحت مسميات عريضة هي حقوق الإنسان والديمقراطية والحرية، والله وحده يعلم ماذا سيفعل الغرب غدا مع شعوب العالم، فقبل عصر النهضة وفي ظل هيمنة الكنيسة كان من المفترض أن يكون المسيحيون الغربيون قد رفعوا شعار "الله محبة" وفي عصر النهضة والتنوير رفعوا شعار "الديمقراطية – الحرية – حقوق الإنسان" فترى ماذا سيكون شعار الغربيون في المستقبل؟!!!

·        # العامل  الخامس :

اتساع رقعة المد الإسلامي في أوربا وكثرة عدد الأوربيون الذين يعتنقون الإسلام.

لذلك أرى أن هذه العوامل مجتمعة هي التي أحدثت نوعا من الخوف من قبل البابا على الديانة المسيحية وخوف مصاحب لغيرة من الإسلام مما دفع بالبابا أن يطرح موضوع الله في العقيدة المسيحية عبر استخدام العقل وذلك لإيجاد أو بلورة علاقة بين الله وبين العقل، كي يخرج في نهاية المطاف بأن الله المسيحي طيب وحبوب والله الإسلامي شرير وقاسي القلب ، ومن هنا يمكن لرجال الدين الكنسي إيجاد مسلك لتسويق الديانة المسيحية بعد كسادها بين الناس مرة أخرى.

·        ثانيا : أسباب اختيار البابا لموضوع الجهاد في الإسلام في إطار مسألة الإيمان والعقل.

إن اختيار البابا لموضوع الجهاد في الإسلام في إطار مسألة الإيمان والعقل يعود لعدة عوامل هي:

·        # العامل الأول:

احتواء الشريعة الإسلامية على تشريع الجهاد والذي تعتبره الشريعة الإسلامية فريضة لا تقل أهمية عن بقية الفرائض الدينية بينما تخلو الشريعة المسيحية من مثل ذلك التشريع تماما، وهذا ما يشعر البابا بإفلاسه من وجود المبرر الديني حتى للدفاع عن عقيدته وإيمانه.

·        # العامل الثاني:

اختطاف بعض حكام المسلمين وبعض الفقهاء قديما وحديثا لشريعة الجهاد وتحويلها من هدفها القرآني للدفاع عن المسلمين ومعتقداتهم وممتلكاتهم ضد أعدائهم, إلى تشريع غزو البلدان البعيدة والقريبة والسيطرة عليها وعلى ثرواتها تحت مسمى نشر الإسلام، وهناك الكثير من الأحاديث التي نسبت إلى الرسول فيما يسمى بكتب السنن تحض على نشر الإسلام بالسيف وقتال الناس حتى يقولوا "لا إله إلا الله".

·        # العامل الثاني :

اعتقاد البابا بأن الإسلام شرع نشر الدين بالقوة والعنف وأن آيات العفو والصفح وعدم الإكراه كانت في فترة ضعف الرسول في مكة وقد تم التحول بعد ذلك في المدينة عندما قويت شوكته، ويبدو أن البابا يتبنى نفس الفكرة عن الجهاد التي اختلقها بعض الحكام المسلمين وبعض رجال الدين المسلمين والتي تتناقض تماما مع ما جاء في القرآن.

 

وقد سبق وأن بينت حقيقة تشريع الجهاد كما جاء في القرآن بعيدا عن المصادر المختلقة التي نسبت إلى الإسلام نشر الدين بالعنف والسيف بعد وفاة الرسول الكريم مباشرة وعقب الانقلاب على الدين الإسلامي في سقيفة بني ساعدة حين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متوفى ولم يدفن بعد، وقد ناقشت في أربع مقالات حقيقة الجهاد في القرآن ومسألة الإسلام المكي والمدني والناسخ والمنسوخ في آيات الجهاد وما يسمى بآية السيف وموضوع الجزية وقتال أهل الكتاب. ومن أراد الإطلاع عليها فيراجع هذه الروابط :

http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=64986

http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=65517

http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=66234

http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=67150

وهنا أقول أن البابا محق في هذه الجزئية ففي كثير من العصور الإسلامية تم غزو كثير من البلدان بحجة نشر الإسلام وما زالت كتب التراث تحمل بين دفتيها هذا الاختلاق الباطل المنسوب إلى الإسلام والذي يجيز نشر الإسلام بالقوة والقتال، وأذكر من أعلام هذا الباطل بن تيمية وتلميذه بن القيم ومحمد بن عبد الوهاب وبن باز وتنظيم القاعدة.

أما ما لا أتفق فيه مع البابا أن ينسب ذلك إلى القرآن أو إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وما أتفق فيه تماما مع البابا هو أن نشر الإيمان بالعنف أمر غير معقول، فهذا الخطأ وهذا الجرم قد وقع فيه المسلمون ووقع فيه المسيحيون كذلك، إلا أن الفرق بين الاثنين أن المسلمين كانوا يحرفون النصوص لشرعنة غزو البلدان بحجة نشر الإسلام، أما المسيحيون فقد مارسوا هذا الجرم دون أدنى إشارة إلى استخدام العنف على أي وجه في العهد الجديد. فيتضح لنا من ذلك أن فرض السيطرة والقوة والاستعمار هو سلوك بشري محض ولا علاقة للأديان به ، وأكبر دليل على ذلك ما تفعله الولايات المتحدة ببعض دول العالم وغزوها لها وتدميرها بحجة نشر الديمقراطية، إذن فالقوة والسيطرة والإكراه والعنف هو سلوك إنساني كريه ومذموم يتشابه فيه جميع أتباع الديانات كما يتشابه فيه أصحاب المذاهب البشرية الوضعية كالشيوعية والرأسمالية والعلمانية والإلحادية، فالجميع حاول نشر معتقده بالقوة والقهر والتاريخ خير شاهد على ذلك حتى ما يسمى بالعالم المتحضر قد وقع في هذه السلوكيات الغير إنسانية فلماذا يحمل البابا الإسلام وحده وزر هذه الخطيئة ؟!!.

·        ثالثا : صورة الله في الديانة الإسلامية وفي الديانة المسيحية.

من خلال المقارنة التي أجراها البابا بين صورة الله في الديانة المسيحية وبين صورة الله في الديانة الإسلامية، يمكن القول إن القائمين على الديانة المسيحية أو الداعين لها من أكثر ما يؤرقهم هو ذات الله الأزلية المتعالية المطلقة واللامحدودة، هذا هو حقا ما يؤرق رجال الدين المسيحيين على مر العصور حتى يومنا هذا ويقلق ويؤرق جميع الداعين إلى الديانة المسيحية.

والسبب الحقيقي وراء هذا الأرق وذاك القلق هو العقيدة المسيحية ذاتها التي فرضت بقوانين بدءا من عقيدة التجسد وطبيعة هذا التجسد مرورا بعقيدة الثالوث وطبيعة الأقانيم الثلاثة مرورا بعقيدة الخطيئة والفداء بموت الرب على الصليب وتضحيته بدمه المقدس من أجل خلاص البشر من دنس الخطيئة وصولا إلى التبرير المزعوم لكل ذلك ألا وهو المحبة والغرام المتبادل بين الله وبين البشر.

بمعنى أنه من أجل حب الله للبشر وغرامه بهم وبعد أن غرر إبليس بآدم وحواء وأوقعها في الخطيئة قرر الله بعد مرور الدهور والعصور وفناء الأمم أن يترك مجده ويتجسد في شخص يسوع ثم يطارد ويضطهد ثم يتم القبض عليه من قبل اليهود فيضربوه ويعذبوه ويبصقوا عليه ثم يصلبوه فيقتلوه، وهنا يكون الله قد ضحى بدمه المقدس من أجل خلاص البشرية من أثر الخطيئة لأنه يحبهم، والحب هو المبرر الوحيد والدافع الوحيد لهذا العمل وهذه التضحية التي قرر الله فجأة القيام بها في زمن ولادة يسوع أو المسيح بن مريم!!.

فهذه العقيدة مع عقيدة أزلية الذات الإلهية وتعاليها ومطلقتيها اللامحدودة لا يتفقان إطلاقا ولا يمكن أن يجتمعان في عقل واحد، وهذا هو المأزق الخطير والشائك الذي تعاني منه العقيدة المسيحية أو بالأحرى رجال الدين المسيحيين، ودائما ما يبحثون عن مخرج أو مبدأ عقلي لهذا المأزق، أو بعبارة أخرى إن عقيدة التجسد والثالوث وطبيعة الأقانيم والخطيئة والفداء وموت الرب تصطدم اصطداما كاملا مع أزلية الذات الإلهية وتعاليها ولا محدوديتها ومطلقيتها وعدم التشابه اللامحدود بين الله وبين عباده، وهذا هو ما دعا البابا إلى طرح مسألة الله المسيحي عبر العقل لمحاولة بلورة أو إيجاد علاقة بينه وبين العقل، لذلك نجد البابا قد خلط خلطا كبيرا بين طبيعة الله " الذات " وبين أفعال البشر وبين بديهيات العقل، وهذا الخلط  هو الذي جعله ينتقد صورة الله المجردة في الديانة الإسلامية.

 

ويمكننا أن نسوق بعض المقتطفات من كلام البابا الذي يحاول فيه أن يخلط بين طبيعة الله وبديهيات العقل فيقول :

" العنف لا يتوافق مع طبيعة الله ".

" إن الله لا يسر بالدماء ".

" إن السلوك غير العقلاني يناقض طبيعة الله ".

" إن الفعل بصورة مجافية للعقل يناقض طبيعة الله ".

" القيام بفعل غير معقول هو أمر مناقض لطبيعة الله ".

" إن العمل بموجب العقل يتعارض مع طبيعة الله ".

إن مما يدعوا للملاحظة والتأمل في مقولات البابا هذه أن البابا كرر كلمة "طبيعة الله" في محاضرته خمس مرات ، وهذا التكرار لهذه الكلمة يرمي البابا من ورائه إلى تمرير مغالطتين كبيرتين.

الأولى : إيجاد تشابه أو تقابل بين ذات الله وبديهيات العقل.

الثانية : إضفاء صفة الطيبة على الله بمعنى أن الله طيب.

وهذه الصورة التي دائما ما يحاول رجال الدين المسيحي أن يلصقوها بالله أو يضعوا الله فيها حتى يتمكنوا من جذب مشاعر بعض الناس إلى عقائدهم، بمعنى أن الله طيب وهناك تقابل بين عقولنا وبين الذات الإلهية، فإذا كان ذلك كذلك فما المانع من أن يتجسد الله في إنسان مخلوق يضحي بنفسه ويموت من أجل خلاصنا، والهدف والدافع الرئيسي الذي من أجله تجسد الله ثم ضحى بدمه ومات هو أن الله يحبنا، هذه صورة الله في الديانة المسيحية والتي أراد البابا من وراء محاضرته أن يجد لتلك الصورة مدخلا إلى العقل.

ولو ناقشنا هذه الصورة "صورة الله في الديانة المسيحية" وقارناها بصورة الله في الديانة الإسلامية لوجدنا أن الصورتين في أصل الديانتين هي صورة واحدة إلا أن التغيير الذي حدث في هذه الصورة الواحدة قد تم على أيدي رجال الكنيسة أو رجال الدين المسيحي، وكما قلنا هم فعلوا ذلك ليمرروا إلى عقول الناس عبر العاطفة واستجاشة مشاعرهم تلك العقيدة التي اختلقوها قديما وظلت دائما عامل قلق وأرق لهم على الدوام.

ولا أجد أدل على وحدة الصورة الإلهية بين الديانتين في الأصل من قول البابا نفسه في المحاضرة بنفس المقولة الإسلامية باللامحدودية المطلقة لذات الله إلا أنه استثنى وجود بعض التقابل بين الله والعقل البشري، قال البابا بالنص كما جاء في الترجمة: (كانت الكنيسة قد أصرت دائما على أن هناك بين الله وبيننا – أي بين روحه الخالقة الأزلية وعقلنا المخلوق – مقابلة حقيقية، يظل فيها عدم التشابه أكبر إلى درجة غير محدودة من التشابه، ولكن ليس إلى درجة إبطال المقابلة ولغيها).

هذا ما قاله البابا نصا كما ورد في الترجمة، وبتفنيد هذه الفقرة يتضح لنا صدق كل ما قلناه آنفا "فقد أكد البابا على أن عدم التشابه بين الله وبين العقل البشري أكبر إلى درجة غير محددة من التشابه" وهذه العقيدة هي نفس العقيدة التي جاء بها القرآن وجاءت بها جميع الرسالات السماوية وقد سجلها القرآن الكريم في قوله تعالى: {ليس كمثله شيء}، وقوله تعالى: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء}، وقوله تعالى: {ولا يحيطون به علما}.

إذن القرآن قد نص على أن صورة الله وذات الله ليس كمثلها شيء، ولا نحيط بجميع علمه، ولا نحيط علما بشيء من الذات الإلهية، وهذا هو عين كلام وعقيدة البابا الأصلية حيث قال : (إن عدم التشابه أكبر إلى درجة غير محدودة من التشابه)، مما يعني أنه ليس كمثله شيء ولا نحيط به علما.

لكن هذه العقيدة الأصلية التي يتفق عليها جميع أهل الديانات السماوية وهي عدم التشابه اللامحدود بين الله وبين خلقه قد أصرت الكنيسة دائما على أن هناك بين الله وبين عباده نوعا من التشابه أو ما يسميه البابا تقابل، إذا لا فرق هنا بين التشابه والتقابل سوى اللعب بالألفاظ كلعبهم من قبل بلفظي الولادة والانبثاق حين قالوا علاقة الابن بالأب علاقة ولادة وعلاقة الروح القدس بالأب علاقة انبثاق وقالوا أن هناك فروق جوهرية بين الولادة والانبثاق!!.

وليس أدل على هذا من قول البابا: (كانت الكنيسة دائما ما تصر على أن هناك بين الله وبيننا أي بين روحه الخالقة وعقلنا المخلوق مقابلة حقيقية).

 

ويكفينا هذا الاعتراف من البابا والذي يؤكد فيه أن الكنيسة هي التي أصرت دائما على خلق واختلاق تشابه بين اللامحدود والمحدود، وأن الكنيسة هي التي بشرنة صورة الله إن صح التعبير بإضفاء الصفات البشرية المخلوقة على الله الأزلي اللامحدود والذي ليس كمثله شيء، فقد أصرت الكنيسة على أن الله طيب ومحب ويشبهنا ونشبهه حتى يتمكن رجال الدين المسيحي من تسويق عقيدة التجسد والثالوث والخطيئة والفداء والموت على الصليب بين الناس. فإن لم يكن عبر العقل فعبر العاطفة، فالعاطفة في بعض الأحيان تتغلب على العقل وتلغيه تماما وهذا أيضا ما قاله البابا حين قال: (فالله السماوي حقا هو الله الذي ظهر لنا عبر الكلمة وبصفته كلمة فقد تصرف دائما وما يزال يتصرف بحب تجاهنا، حقا إن الحب يسمو على المعرفة)، بل إن ما يقصده البابا أن الحب والعواطف تسمو على العقل وتتغلب عليه أحيانا وتلغيه أحيانا أخرى.

·        صورة الله في الديانة الإسلامية :

إن صورة الله في الديانة الإسلامية هي نفسها صورة الله في كل الديانات السماوية قبل أن تمتد إليها أفكار البشر وأهوائهم لتغييرها وتبديلها كما ذكر البابا وقال إن الكنيسة هي التي أصرت على تغيير الصورة الحقيقية بمحاولة إيجاد تقابل بين الله الأزلي واللامحدود والمطلق وبين خلقه المحدودين.

فصورة الله الحقيقية ليس كمثلها شيء ولا نحيط بها علما، فالله خلقنا وخلق لنا العقل وخلق في داخل العقل بديهيات يتوافق ويتفق عليها الناس جميعا ومثالا على ما هو بديهي تتفق عليه عقول الناس جميعا ما قاله البابا في أن نشر الإيمان بالعنف أمرا غير معقول، وأن على من يرغب في جذب إنسان إلى الإيمان يجب أن يكون متحدثا جيدا وأن يملك القدرة على المحاججة المنطقية، بدون عنف وبدون تهديدات لإقناع روح عاقلة، ولا يحتاج المرء إلى ذراع قوي أو إلى أسلحة من أي نوع أو لأي شيء شكل من أشكال التهديد بالقتل.

فجميع العقول السليمة النيرة تتفق على هذا تماما لأنه من بديهيات العقل، وما يتفق مع بديهيات العقل أيضا هو دفاع الإنسان عن نفسه وعن وطنه وعن دينه وعن عرضه وممتلكاته، إذا إن الذل والخنوع والخضوع وعدم مقاومة الشر والظلم يتناقض تماما مع بديهيات العقل ومع طبيعة النفس البشرية التي تمتلك غريزة الدفع والتدافع من أجل البقاء، ومن هنا كان على البابا أيضا أن يستعرض بعض التشريعات الدينية المسيحية والتي تفرض على المسيحي عدم مقاومة الشر وحب الأعداء والاستسلام والخضوع المذل للمعتدي فكان الأجدر به أن يعرض مثل هذه التشريعات ويطرحها على العقل، هذه التشريعات التي لم يكن لها أدنى صدى يذكر في تاريخ المسيحيين على الإطلاق.

إذن فقول البابا: (القيام بفعل غير معقول هو أمر مناقض لطبيعة الله), إنه لخلط متعمد من البابا بين الخالق والمخلوق، بين المحدود واللامحدود، بين الحادث والأزلي، فكان الأجدر به عدم إقحام طبيعة الله ووضعها في مقابلة مع بديهيات العقل، بل كان من المفترض أن يقول: (القيام بفعل غير معقول هو شذوذ وخروج على بديهيات العقل الطبيعي الذي خلقه الله وأرسى فيه هذه البديهيات وبالتالي هو تناقض مع طبيعة العقل وليس طبيعة الله).

أما إقحام البابا لطبيعة الله ووضعها في مقابلة أو مشابهة للعقل المخلوق وبديهياته المخلوقة لهي محاولة يائسة من البابا لتمرير عقائده الدينية إلى الناس وتسويقها بينهم عبر العاطفة.

 إن الله حين خلقنا خلق لنا كل شيء فينا وحولنا، خلق عقولنا وخلق فيها ما نسميه بديهيات وثوابت العقل، وخلق لنا كلماته التي تتوافق مع بديهيات العقل وثوابته ثم خاطبنا بكلماته المخلوقة حتى نعي ما يريده الله منا ونفهم عنه ما هو مطلوب منا، فحينما يقول الله أنه يحب ويغضب ويريد ويفعل ويقول ويرضى ويسمع ويبصر ويعلم ويحكم ويقضي ويعدل، فكل هذه أسماء لمسميات وأفعال مخلوقة نعلمها نحن كما نعلمها ونفهمها كما نفهمها، والله ليس كذلك فهو سبحانه ليس كمثله شيء، فحين نقرأ في كلامه سبحانه أنه له إرادة وله علم وأنه يحب ويرضى ويغضب فإنما هي أسماء لأفعال مخلوقة محدودة لنفهمها نحن البشر بعقولنا المخلوقة عبر ثوابت وبديهيات العقل المخلوقة هي أيضا، فالإرادة والمحبة والرضى والغضب والسمع والبصر والفعل والعلم هي أسماء مخلوقة لأفعال مخلوقة ذات مفاهيم ومعاني مخلوقة أيضا... هذا هو قمة التجريد لله من كل ما هو مخلوق سواء كان هذا المخلوق اسما أو فعلا أو ذاتا أو معنى. فمثلا الحب هو اسم مخلوق لشعور مخلوق له معنى ومفهوم مخلوق والإرادة كذلك والرضى كذلك والغضب والكره والخير والشر والسمع والبصر والعدل والحكمة كذلك، كلها أسماء مخلوقة لذوات مخلوقة ذات معنى ومفاهيم مخلوقة، فالله ليس طيبا ولا شريرا ولا محبا ولا غاضبا ولا كارها ولا سميعا ولا بصيرا ولا عادلا ولا ظالما ولا حكيما ولا غبيا بالمفاهيم البشرية المخلوقة، إنما هو سبحانه ليس كمثله شيء وجميع البشر متفقون على أن كل الأسماء وكل الذوات والأفعال والمعاني والمفاهيم إنما هي مخلوقة وهي شيء من الأشياء والله ليس كمثله شيء.

ونختتم قراءتنا لهذه المحاضرة بالتعليق على انتقادات البابا لموقف ابن حزم والفيلسوف "دانز سكوتس" لموقفهما مما سماه البابا نزعة إرادوية، فانتقد بن حزم على قوله: (إن الله ليس مقيدا حتى بكلماته ذاتها، وأن شيئا لا يلزمه بأن يكشف الحقيقة لنا، ولو شاء الله فسيكون علينا حتى أن نعبد الأصنام).

وانتقد الفيلسوف "دانز سكوتس" الذي رأى أننا لا يمكن أن نعرف سوى "إرادة الله العادية" وما يتجاوز ذلك يدخل في نطاق الحرية التي يمكن له بموجبها أن يفعل نقيض كل ما فعله حتى الآن.

فعلق البابا على موقف ابن حزم وموقف "دانز سكوتس" قائلا: (ونجم عن ذلك مواقف يمكن أن تعطي انطباعا بأن الله متقلب المزاج، وغير مرتبط بالحقيقة والطيبة. وتم تعظيم تسامي الله وفرادته إلى حد أن تصورنا لما هو حق وخير لم يعد يشكل مرآة حقيقية لله الذي تظل إمكانية الأكثر عمقا بعيدة عن اكتناهنا إلى الأبد ومخبأة خلف قراراته الحقيقية).

وهنا يمكننا مناقشة انتقادات البابا على النحو التالي:

إن البابا ما يزال مصرا على إضفاء بعض الصفات والمفاهيم البشرية المخلوقة على الله كمفهوم الحقيقة والطيبة والخير، وكأن الله قد كشف عن ذاته الحقيقية للبابا فبالتالي تعرف عليه وأدرك كنهه الأزلي اللامحدود ووقف على بعض التقابل أو التشابه بين الله وبيننا !!!!.

وكما سبق وأن قلنا إن استخدام البابا لمصطلحات وكلمات  كطبيعة الله وصورة الله وتقابله معنا ومشابهته لنا وتكراره لمثل هذه المصطلحات وتلك الكلمات هي محاولات من البابا لبشرنة الله أو لإضفاء الطابع البشري والمفاهيم البشرية المخلوقة على الله الأزلي اللامحدود وخدمة لعقيدته المسيحية ومحاولة منه لتسويق هذه العقيدة بين الناس أو بعبارة أخرى محاولة عقلنة هذه العقيدة بقوله أن بيننا وبين الله تقابل.

أما عن موقف بن حزم وموقف الفيلسوف "دانز سكوتس" حول الإرادة المحضة لله فهما مخطئان إن كانا يعتقدا أن لله إرادة بالمفهوم البشري للإرادة لأنه وكما سبق وأن قلنا إن الإرادة وغيرها من الصفات ما هي إلا أشياء مخلوقة ومفهومها مخلوق أيضا ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن نسحبها على الله لأن الله ليس كمثله شيء وإن كان الله قد أشار في الكتب السماوية إلى هذه الصفات ووصف ذاته بها فإنما فعل ذلك وقال ذلك للتقريب لنا حتى نفهم مراد الله منا ونفهم ما أنزل إلينا من شرائع، إن هذه الصفات وهذه الأسماء وهذه المسميات ما هي إلا بديهيات وثوابت وقوانين وضعها الله داخل عقول الناس وداخل نفوسهم وقلوبهم ثم شرع لهم شرائع تتقابل وتتشابه وتتفق مع هذه الثوابت والبديهيات العقلية والنفسية والقلبية للبشر، ولا يعني ذلك أن نقول أنها تتقابل مع طبيعة الله أو صورة الله أو أن الله ذاته مرتبط بها وهي مرتبطة به نتقابل مع حقيقته إن التزمنا بها ونتناقض مع حقيقته إن خالفناها ، إن ما يمكن قوله أو اعتقاده أن الشرائع والممارسة العملية للدين يجب أن تتقابل مع طبيعة العقل ولا تتناقض معه، وليس العقل وحده بل تتقابل وطبيعة النفس والقلب البشريين مجتمعين.

فأعتقد أن ما قصده ابن حزم والفيلسوف "دانز سكوتس"  هو لو أن الله خلق في العقل والنفس والقلب بديهيات وثوابت غير التي هي عليها الآن لكانت هناك بديهيات وثوابت وطبيعة عقلية غير التي نعهدها الآن ونعلمها، ولنضرب مثالا توضيحيا على ذلك فنقول : إن مما هو بديهي في طبيعة العقل أن شخصا فقيرا لا يملك مالا ويعجز عن الحصول على المال وهناك شخص آخر غنيا ولديه مالا كثيرا... فإن ما يتوافق مع طبيعة العقل أن يطلب الفقير من الغني أن يساعده ويعطيه مما معه من مال ومما يتوافق مع طبيعة العقل أيضا أن يساعد الغني الفقير، فهذه الأفعال لا تتناقض وطبيعة العقل، أما لو أخذ الفقير المال من الغني دون علمه ودون استئذانه فهذا ما لا يتوافق وطبيعة العقل، ولو عكسنا هذه الحقيقة وقلنا لو خلق الله بديهيات وطبيعة عقولنا على أن الفقير يأخذ ما يحتاجه من مال الغني دون إذنه ودون علمه وكان ذلك بديهية في عقولنا لأصبح استئذان الفقير من الغني مخالف لطبيعة العقل ومناقض له.

إذن فالحقيقة هي شريعة دينية مخلوقة بكلمات مخلوقة متفقة مع بديهيات عقلية مخلوقة وثوابت مخلوقة داخل عقول الناس فمن كانت أفعاله متقابلة مع هذه البديهيات فهو متفق ومتقابل مع طبيعة العقل ومن كانت أفعاله مخالفة لهذه البديهيات فهو متناقض مع طبيعة العقل، وهنا نؤكد ونكرر مقولة "طبيعة العقل" وليس مقولة البابا "طبيعة الله" الذي أكد هو بنفسه في نص المحاضرة على أن عدم التشابه بين الله الخالق وعقلنا المخلوق أكبر إلى درجة غير محدودة من التشابه، فهذا ما نص عليه القرآن الكريم في قوله: (ليس كمثله شيء).       

·        رابعا وأخيرا: علاقة الدين المسيحي بالفلسفة اليونانية.

هذا موضوع يفوح منه رائحة العنصرية الكئيبة للبابا الذي يحاول من خلاله أن يقول للناس إن الله المسيحي هو في الأصل أوروبي أي أن الله من الجنس الغربي الأوروبي الأبيض حتى وإن بدأ رسالاته في الشرق إلا أن الله غربي الفكر والطعم والرائحة. 

nehro_basem@hotmail.com

 

* مدرّس في الأزهر

محاضرة البابا وردود الأفعال 1

  

 للتعليق على الموضوع

 

"Anmk" <anmk@globalnet.com.eg> 

Date: Sat, 30 Sep 2006 13:41:53 +0200

 

    عزيزى د/ نهرو طنطاوى

بعد التحية

عقلنة الديانة المسيحية كما يدعيها البابا تختلف عن مفهمومنا كمسلمين لطبيعة الديانة المسيحية كما نفهما وكما أنزلت على سيدنا عيسى علية السلام  فقد  جاءت المسيحية  بعد ماديات العقيدة اليهودية الصرفة والمتمثلة  فى قول قوم سيدنا موسى (أرنا اللة جهرا..) و مفمهومنا للمسيحية التى جاءت بعد اليهودية هو لتخفيف الفظاظة المادية وأضافة الروحنيات الى لم تكن من جوهر العقيدة اليهودية والتى أنزلها اللة على قوم موسي (اليهود فيما بعد)  لمعرفتة سبحانة وتعالى بطبيعتهم البشرية التى خلوقوا لها أما مسيحييوا اليوم لتجسيد المادية بجانب الروحانية الصرفة  فدمجوا( الكتاب المقدس)  الذى يجمع بين التوراة والأنجيل لاكتمال الصورة الأيمانية وأتزانها بين المادية والروحانية .ثم جاء الأسلام ليس فقط لدمج المفاهيم المادية مع المفاهيم الروحية التى يحتاجها الأنسان  بل لآضافة أستخدام  العقل والتدبر فى النصوص القرآنية المنزلة (وان كان أغلب المسلمون الأن لا يستخدموا العقل ) فهوالميزان المستمر الأزلى المخلوق فى الأنسان لأدراك حقيقة اللة الواحد القهار الذى ليس كمثلة شىء وتدبر ومعرفة الكون الذى نعيش فية . فمثلا  عندما يقول اللة تعالى  ( يد اللة فوق ايديهم ) يفهم المسلمون ان هذة (كناية) فاللةسبحانة وتعالى ليس لة يد لكن سياق الآية يخدم النص فى التشبية العقلانى الغير متساو والغير  متشابة بين اللة الخالق والأنسان المخلوق وهناك نص آخر ( جعلنك خليفة فى الأرض ...) وهي تعنى ان الأنسان جعل لكى يخلف اللة فى الأرض لآستعمارها  فقط  وليس لكون الأنسان المخلوق مشابة للة الوحد القهار الخالق أو ينوب عن اللة فى الأفعال أو الأمكانيات الغير متمشية مع طبيعة الأنسان المخلوق ومحدوية قدرتة فى استعمار الأرض  والمتمثلة فى ( لن تبلغ الجبال طولا) ..... وعلية فالعقل الذى ميزنا الخالق عن باقى مخلوقاتة تم التأكيد على أستخ       ...