9 أكتوبر 2006

 

 

  

 

 

 

حوار الأديان أطرافه فاقدة الأهلية

نهرو طنطاوي

 

 

منذ بدأت أسمع وأقرأ عن الحوار بين الأديان وأنا أستغرب كثيرا هذا العنوان "الحوار بين الأديان" ودائما ما كنت أتساءل بيني وبين نفسي ماذا يعني الحوار بين الأديان؟ وكيف تتحاور الأديان؟ وعلى أي شيء يكون الحوار؟ وهل سيتمخض الحوار بين الأديان عن اتفاق بين أتباع الأديان؟

ففكرت كثيرا كي أجد أجوبة على هذه التساؤلات، فوجدت عدة أمور  يمكن تلخيصها على النحو التالي:

 

الأول: مدى أهلية أطراف الحوار:

قادة وكهنة هذه الديانات فاقدو الأهلية بمعنى أن الطرف الأول وهو الكنيسة لا تتحاور من منطلق قوة إرادة، بمعنى أن ما سيتم الاتفاق عليه وما يتم تبنيه من قرارات لا يعبر بالفعل عن المسلمات الدينية للكنيسة ولا عن قناعتها الداخلية، فالجميع يعلم أن النظم العلمانية الغربية قد سحبت البساط من تحت أقدام الكنيسة منذ زمن بعيد ومنعتها من أي تعاطي سياسي أو غير سياسي أو أي عمل يمكن من خلاله تهديد مبادئ النظم العلمانية لهذه الدول، إذن يصبح ما تتفق عليه الكنيسة الغربية وما تقره في ثنايا ما يسمى بحوار الأديان لا يعبر بالضرورة عن إرادة حقيقية أو مسلمات دينية عقائدية أو قناعة شخصية لدى الكنيسة إنما ما يحدث هو من باب: (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان)، بمعنى مكره أخاك لا بطل، والمكره كما تقول القاعدة الفقهية فاقد للأهلية فيما يتفق عليه أو يتعاقد عليه، لذلك يثور سؤال مهم هل لو كانت الكنيسة في أوج مجدها وعنفوانها وسيطرتها وبيدها مقاليد الأمور في أوروبا، هل كانت ستعقد حوارا بين الأديان؟ وهل كان البابا سيعانق شيخ الأزهر ويتبادل معه القبلات؟

أما عن الطرف الثاني وهو الطرف الإسلامي فحدث ولا حرج فهذا الطرف قد اختطف الإسلام الدين وقام بإفراغه من مضمونه الحقيقي ثم قام باستبدال المضمون الديني الحقيقي للإسلام بالعادات والموروثات والعنتريات العربية القبلية، ولقد وجد الإسلام القبلي الأعرابي الأموي القرشي في بلاط السلطان  مأوى وملاذا وظل ملتصقا به حتى اليوم يبرر له ويفسر له ويشرع له ويحلل له ويحرم له، وذلك حين جعل هذا الإسلام القبلي من نفسه إسلاما رسميا حكوميا روتينيا، وشيئا فشيئا أصبح الإسلام القبلي الأعرابي اليوم مهنة يمتهنها البعض لأغراض سياسية ومادية بحتة ولا علاقة لها بالدين، وكثيرا ما يواجه هذا الإسلام الأعرابي القبلي مآزق فكرية وعقائدية وسياسية منذ أن أصبح مطية للسلطة الحاكمة منذ اليوم الأول لاعتلاء الأموي الأعرابي معاوية بن أبي سفيان لعرش الخلافة الإسلامية ، فهذا الإسلام هو إسلام السلطة الحاكمة يأتمر بأمرها ولا يخرج قيد أنملة في فتواه أو اجتهاده أو سياساته أو علاقاته أو مؤتمراته عن السياسة العامة التي يرضي عنها حاكم الدولة التي لا ينعم بعطاياها وحوافزها وموائدها الدسمة إلا الإسلام القبلي الأعرابي.

 وهنا يمكن التساؤل هل لو كان الإسلام القبلي الأعرابي هو الذي يمسك بمقاليد الحكم بدلا من الحكام المسخ الذين لا لون لهم ولا طعم ولا رائحة، هل كان سيلتقي بابا الفاتيكان ويتبادل معه العناق والقبلات الحارة ويجلس معه على مائدة واحدة يتبادلون أطراف الحديث وابتسامات التماسيح؟؟. 

إذن فهؤلاء الكهنة من الجانبين هم بالفعل فاقدو الأهلية لوقوعهم تحت ضغط الأنظمة الحاكمة والتي تمنعهم بالإذلال والإخضاع من إبراز نواياهم الحقيقية وقناعتهم الشخصية الحقيقية حول مسألة ما يسمى بحوار الأديان.

 

الأمر الثاني: هل هو حوار بين الأديان؟ أم اتفاق بين أتباع الديانات؟.

ليس هناك ثمة حوار بين الأديان , لأن الحوار بمعنى الجدال لإثبات حقيقة ما في دين ما لمحاولة طرف ما أن يقنع بها الطرف الآخر ليس له أي معنى في حوار من المفترض أنه يبحث عن اتفاق، من خلاله يمكن التعايش بين أتباع الديانات المختلفة، أما محاولة كل طرف أن يطالب الطرف الآخر بالاعتراف بدينه، أو يقنعه بمشروعية دينه وصواب ما هو عليه, أو محاولة كل من الطرفين الوقوف على نقاط الالتقاء بين الدينين المختلفين لإيجاد سبل للتعايش بين الفرقاء لهو النقش على الماء ومطاردة السراب.

فالحوار بين الأديان على هذا النحو لا فائدة منه ولا طائل من ورائه سوى عقد اللقاءات وتبادل العناق والقبلات والنفاق الإعلامي والدبلوماسي بين كهنة الأديان.

فمن المحال أن يعترف دين من الأديان بمشروعية وصواب الدين الآخر, ومن المحال أيضا أن تكون نقاط الالتقاء والتشابه والتوافق بين الأديان حلا سليما ودائما في إيجاد سبل للتعايش بين أتباع الديانات ووقف الصراعات فيما بينهم.

فأري أنه من الأجدر استبدال عنوان "الحوار بين الأديان" بعنوان آخر هو: "الاتفاق بين أتباع الأديان" , والاتفاق بين أتباع الأديان لا يتم إلا بوضع بعض المبادئ والمطالب الإنسانية التي يتفق عليها الجميع للتعايش بين أتباع الديانات. أما الادعاء بوجود حوار بين عقائد وشرائع الأديان ذاتها فهو خطأ جوهري وقع فيه أطراف الحوار منذ اللحظة الأولى.

إن الزج بالأديان ذاتها وما تشتمل عليه من عقائد وتشريعات مختلفة اختلافا جذريا في محاور الحوار لم يثمر عن أية فائدة ترجى في الماضي، ولن يثمر شيئا في الحاضر ولا في المستقبل. بل إن الحوار قد أغلق وانهار عند أول مشكلة واجهته , حيث أعلن الطرف الإسلامي متمثلا في الأزهر وشيخه  بوقف الحوار مع الفاتيكان بسبب ما جاء من انتقادات للإسلام في محاضرة البابا والغضب العارم الذي اجتاح العالم الإسلامي إثر الإعلان عن هذه الانتقادات البابوية.

وهنا أود القول بأن أي حوار بين الأديان سيبوء بالفشل والانهيار عند هبوب أية ريح تحمل شيئا من النقد أو الخلاف. لأن أسس الاتفاق ومواضيعه خاطئة, إذ كيف يتم التوافق بين أتباع الديانات وكل أتباع لدين ما، يرون في دينهم أنه الحق المطلق والصواب المطلق؟ ويرون الدين الآخر مجرد خرافات وأكاذيب؟!.

بل إن من العجيب أن أتباع كل دين يطالبون أتباع الدين الآخر بالاعتراف بمشروعية دينهم, فعلى سبيل المثال كهنة الدين الإسلامي يطالبون كهنة الدين المسيحي بالاعتراف بأن الإسلام دين سماوي, وكهنة الدين المسيحي يردون عليهم بقولهم: كيف نعترف بدين يقول ببشرية المسيح وعدم ألوهيته؟.

 

الأمر الثالث: السبب الرئيسي في الصراع بين الأديان:

إن الشرارة الأولى في الصراع بين الأديان المختلفة بل والمذاهب الدينية المختلفة تكمن في هذا الخطأ الذي يقع فيه كل أتباع الديانات بلا استثناء وهو إضفاء الطباع البشرية والتقديرات والموازين والحسابات البشرية والتصورات البشرية على الله . لأن هذا الخطأ الجسيم بلا أدنى شك يولد لدى عامة أتباع الديانات وخاصتهم الخوف على الله والغيرة عليه والانتصار له والحزن عليه والكره له والحب له .

بل إن المشكلة الحقيقية بين أتباع الديانات هي أن أتباع كل الديانات يفرضون الوصاية على الله ويحتكرونه ويخافون عليه ويغضبون من أجله, ودائما ما تصور أفعالهم وأقوالهم الله على أنه بحاجة إلى الأتباع والمناصرين والأعوان والجماهير, ودائما ما يصرون على أنه قد طالبهم بنتائج لدعوتهم وتبشيرهم بدينه, ودائما ما يصورون الله على أنه سيلحق به ضرر ما حين يترك دينه أحد أتباعه, ويصورونه على أنه يفرح ويتهلل حين يدخل دينه شخص جديد وكأن لله يهتم بالكم لا بالكيف, ودائما ما يصورون الله وكأنه ضعيف وهزيل يجب أن يخاف عليه أتباعه ويحرصون عليه ويدافعون عنه، فالله لديهم عنصري لا يحب إلا نفسه وأتباعه , الله لديهم تغيظه كلمة وتزلزل عرشه, الله لديهم يستفزه نقد, ويثور وتقوم قيامته في السماء إذا تطاول عليه أحد, ويرتجف وترتعش فرائصه إذا ما فارق دينه أحد أتباعه إذا تنصر مسلم أو أسلم نصراني.

 وإذا ما ظل أتباع الديانات ينظرون إلى الله هذه النظرة البشرية المخلوقة الناقصة الضعيفة, فلن يكون هناك حوار ولا اتفاق ولا سلام بين أتباع الأديان المختلفة.

مع العلم أنه ليس هناك أدنى شك في أن كل الديانات وخصوصا السماوية منها يتمتع الله فيها بالقوة المطلقة والأزلية المطلقة والعزة المطلقة والغنى المطلق, فأين هذه المطلقية إذن؟؟؟.

فإذا كان الله لديهم بهذه المطلقية فلماذا يخلعون عليه تصوراتهم البشرية وتقديراتهم البشرية وطباعهم البشرية فيخافون عليه ويحزنون من أجله ويغضبون له؟؟!.

 

الأسس والمبادئ المنطقية لاتفاق أتباع الأديان:

لابد من وضع أسس ومبادئ بين أتباع الديانات تتناول أو ما تتناول حاجات الإنسان نفسه قبل حاجات الدين وهذه الأسس يمكن تفصيلها على النحو التالي:

1- الاتفاق بين الجميع على قواسم مشتركة تجاه الله، والقاسم المشترك الأكبر الذي يتفق عليه الجميع هو تجريد الله من الانفعالات البشرية وإخراجه من دائرة التأثير والتأثر البشري، ولا يتم ذلك إلا بالاعتراف والإقرار والعمل بالتالي:

     الله غني عن العالمين .

     الله لم يطالب الداعين إليه بنتائج.

     الله لا يهتم بالكثرة والتجميع.

     الله لن يضره كفر من كفر ولا ينفعه إيمان من آمن.

     الله يهتم بالكيف لا بالكم.

     إخراج الله عن أي حزب سياسي أو توجه سياسي أو فكر سياسي أو معارك سياسية.

فإذا تم الاتفاق فعلا بين أتباع الديانات على هذا القاسم المشترك فسوف يكون لزاما عليهم الالتزام بالتالي: 

- الاعتراف المتبادل بوجود الآخر كإنسان له كينونة وكرامة وله الحق في أن يحيي حياة كريمة مهما كانت عقيدته.

- عدم مطالبة أي طرف الطرف الآخر بالاعتراف بدينه أو بمشروعية ذلك الدين.

- عدم الاعتذار عن التاريخ وما جرى فيه ولكل الحق في التفسير أو التبرير.

- حرية التبشير بجميع الأديان والدعوة إليها في أي مكان في العالم.

- حرية العقيدة وحرية تغيير الدين والاتفاق على أنهما حقا خالصا لكل فرد في هذا الكون.

- حرية النقد الديني ويشمل هذا المبدأ جميع العقائد الدينية وجميع الكتب السماوية بأي وسيلة كان هذا النقد سوى استخدام العنف، وحرية الرد على النقد الديني كذلك. 

- حرية بناء دور العبادة لكل أتباع الديانات في أي مكان في العالم.

- منع الإغراء المادي أو الإكراه في عمليات التبشير أو الدعوة إلى الأديان ويكون الفكر والقناعة الداخلية هي الأساس الوحيد في التبشير والدعوة إلى الأديان.

- عدم تقديس التراث والسلف الديني والسماح بنقده وغربلته من أتباع كل دين لدينهم أو من غيرهم.

- فتح أبواب الجامعات اللاهوتية المسيحية وفتح أبواب الأزهر والجامعات الإسلامية في العالم الإسلامي أمام الطلاب من جميع أبناء الديانات الأخرى. 

 

وأشك أن رجال الدين الإسلامي سيوافقون على هذه الشروط، وإن لم يوافقوا فسيكونوا هم الخاسرون.

 

 nehro_basem@hotmail.com

 

 

 للتعليق على الموضوع



E.Mitri" <mitriz@rogers.com> 

Date: Mon, 9 Oct 2006 13:55:58 -0400

 

    هذا رأى لمسلم متنور عاقل وواقعى.اتمنى ان يكون لدعوته صدى واسع فى مصرنا الحبيبة.كنت اتمنى منه ايضا ان يضيف الى كلامه ان الدين لله والوطن للجميع وانه لا يجب ان ينص دستور الدولة على ان دينها هذا او ذاك او ان مصدر دستورها هو هذه الشريعة او تلك.ان فى الاعلان العالمى لحقوق الانسان تصريح واضح وشامل بهذا الخصوص وفيه ما يغنى عن الارتكاز على نصوص دينية احادية.تثير النعرات الطائفية وتسبب التهابا مزمنا فى مفاصل الوحدة الوطنية.