17 ديسمبر 2006

 

 

 

 

 

العقل العربي والعقل الغربي

نهرو طنطاوي

 

لن نخوض في ماهية العقل، فالبحث في ماهية العقل ليس وراءه كثير جدوى, فقد بذل الفلاسفة والعلماء والمفكرون والحكماء جهودا مضنية على طول التاريخ البشري وعرضه لمعرفة ماهية وذات العقل فلم يصلوا أو يتفقوا على حقيقة واحدة لماهية العقل وكنهه, وإن ما خلص إليه الجميع رغم اختلافاتهم حول ماهية العقل أدى إلى حقيقة واحدة ألا وهي: (العقل غيب محض)، فقد عجز البشر عن إدراك كنهه, ومما يؤكد ذلك، التباين الواضح بين الفلاسفة والمفكرين في مفاهيمهم وتعاريفهم للعقل, وليس ذلك قاصرا على طائفة من المفكرين دون أخرى أو حضارة دون أخرى أو فكر دون آخر, بل عجزت البشرية في ماضيها وحاضرها على اختلاف أفكارها وفلسفاتها وأديانها وتواجدها عن التوصل لذات العقل وكنهه وماهيته, وبالتالي فإن تتبع ماهية العقل وكنهه هو تبديد للطاقات الفكرية فيما لا طائل من ورائه.

 

# وظائف العقل :

 

إن كانت البشرية قد عجزت حتى اللحظة عن إدراك ماهية العقل واكتناه ذاته, لكنها قد اتفقت وبصورة شبه كاملة على وظائف العقل ومهامه, ومن هذه المهام الإدراك والتمييز والربط والكشف والتشكيل, وقد قام العقل بهذه الوظائف من خلال ثوابت وبديهيات أودعها الله سبحانه وتعالى داخل هذا العقل ومن هذه الثوابت والبديهيات التي اتفق عليها فلاسفة الفكر قديما وحديثا ما يلي:

1 - الهوية أو الذاتية: ويعني هذا المبدأ أن الشيء لا يمثل غير ذاته ولا يمثله غيره فكل شيء في هذا الكون له ذات وهوية خاصة به لا يمكن عقلا لشيء آخر أن ينوب عن هذه الذات أو يمثلها أو يكون بديلا عنها، وهذا مبدأ عقلي ثابت.

 

2 - عدم التناقض: ويعني هذا المبدأ عدم اجتماع صفتان متضادتان في شيء واحد، فالضوء لا يمكن أن يكون ضوء وظلمة معا في آن واحد.

 

3 - الوسط الممتنع: وهذا المبدأ يرفض وجود حالة وسط بين الصدق والكذب، فمثلا أشيع أن زيدا مات فإما أن يكون الخبر صادقا وإما أن يكون كذبا ومحال أن توجد حالة ثالثة وسطى بين الصدق والكذب.

 

4 – السببية: ويعني هذا المبدأ أن لكل فعل فاعل ولكل موجود له واجد وسبب كاف وعلة في وجوده.

 

# الفرق بين مفهوم العقل عند العرب، ومفهومه عند الغرب:

 

يرى البعض أن مفهوم العقل عند الغرب يختلف عن مفهوم العقل عند العرب فالعقل في المفهوم الغربي يعني: (الحرية في السعي لإدراك واكتشاف العلاقات بين الأشياء والظواهر وبالتالي تشكيل علاقات جديدة بينها وهو ما يسمى بالخلق والإبداع).

ومن هنا  يحاول البعض تحت ضغط الحضارة الغربية وما تحمل من تطور مادي وحضاري أن يقلل من شأن ووظائف العقل العربي، وذلك من خلال المعنى العربي للعقل الوارد في المعاجم العربية، ومن هنا يحاول البعض أيضا خلق هوة بين مفهوم العقل عند العرب وبين مفهوم العقل عند الغرب استنادا في ذلك إلى معنى كلمة (عقل) الواردة في المعاجم العربية، ثم الذهاب بهذا المعنى مذهبا بعيدا عن المقصد الحقيقي للمعنى, وذلك لتحقير العقل العربي والتقليل من شأنه، فمثلا البعض يأخذ المعنى (ربط) للفعل عقل ومقولة العرب (عقلت الدابة) أي ربطتها وقيدتها إلى وتد في الأرض, ويزعم أن المستحدث في مفهوم الكلمة له علاقة وثيقة بأصلها ربط أو قيد، فحملت على تحكم الإنسان في نزواته وانفعالاته وربطه وتقييده لها, وبهذا التفسير يحاول البعض أن يصور وظائف العقل العربي ويحصرها في وظيفة الربط والقيد فقط، بمعنى الالتزام بقواعد وثوابت قد تعارف الناس عليها في العالم العربي عبر مرجعياتهم الثابتة كثبات الوتد في الأرض، بل ذهب هؤلاء إلى اتهام العقل العربي عموما وعلى مدار تاريخه بتقيده بالحدود التي تعارف عليها واعتبرها هي العقل، وزعموا أن التعرف على حقيقة هذه القواعد والمرجعيات أو الخروج عليها هو عمل مضاد للعقل أو هو عمل لا عقلاني.

 

وهنا نقول إن هذا الكلام به بعض الحقيقة وكثير من المغالطات، ومن المغالطات الكبيرة اختزال مفهوم العقل عند العرب في المعنى (ربط) وكفى, أولا: أصل كلمة الفعل (عقل) كما جاء في اللسان العربي كما ذكره ابن فارس في معجم مقاييس اللغة هو (حُبْسَة في الشيء أو ما يقارب الحُبْسَة) إذن العقل هو حبسه في الشيء أو قيد فيه, ولكن هذا المعنى المجتزأ الناقص هل هو بالفعل المعنى الحقيقي للعقل عند العرب؟؟، كلا، فليس الحبس في الشيء أو تقييده هو لمجرد الحبس أو التقييد كما يحلو للبعض تصويره سواء عن سوء نية أو حسن نية, فقول العرب (عقلت الدابة) ليس لمجرد حبسها وتقييدها كما يظن البعض، إنما عقل وحبس وتقييد الشيء هو نتيجة إدراك حدوث ما لا يحمد عقباه لولا هذا الحبس أو هذا التقييد.

 

 بمعنى أن ترك ربط وتقييد الدابة وإهمال حبسها سيؤدي حتما إلى فقدانها أو تسببها في إلحاق الضرر للغير مما يعود حتما بالضرر عليها وعلى صاحبها, إذن فالعقل في المفهوم العربي هو ليس مجرد الحبس للحبس أو الربط للربط, أو التقييد للتقييد، وإنما العقل هو الحبس والربط نتيجة الإدراك لنتائج العلاقة بين عدم عقل الدابة وإلحاق الضرر بالآخرين ومن ثم عودة الضرر على الدابة وعلى صاحبها, إذن فالعقل في المفهوم العربي هو الحبس أو الربط نتيجة إدراك واكتشاف علاقة بين الأشياء ينشأ على أثرها تشكيل علاقة جديدة يكون هدفها جلب النفع ودفع الضرر عن النفس وعن الآخرين.

 

وبإيضاح أكثر يمكن القول أن معنى العقل في اللسان العربي هو نتيجة لإدراك العلاقة بين الأشياء، وليس سابقا على الإدراك، كما يريد أن يصور البعض ذلك من خلال مفهومه الضيق والقاصر لمعنى العقل في اللسان العربي، بمعنى أن الإدراك له السبق على العقل الذي بمعنى القيد أو الحبس، والعقل الذي بمعنى الحبس أو القيد يأتي في المرتبة الثانية بعد الإدراك ويأتي في صورة النتيجة الجديدة التي تشكلت من خلال إدراك العلاقات بين الأشياء بعد إدراك مدى ضررها ومدى نفعها، ويظهر هذا جليا من قول العرب (عقلت الدابة) فهو لم يعقل الدابة ليدرك مدى الضرر أو مدى النفع بعد حبسها وتقييدها، كلا،  إنما عقلها وحبسها نتيجة لإدراك مدى ضررها ومدى نفعها، وبناء على هذا الإدراك الذي كشف عن علاقة جديدة لعدم ربط الدابة وهي حدوث الضرر المحقق الذي قد يلحق بها وبصاحبها وبالآخرين، فنتيجة لهذا الإدراك المسبق قام بعقلها وتقييدها وحبسها، بمعنى أن العقل هو نهاية مطاف ونتيجة إدراك العلاقات بين الأشياء، وليس سابقا على الإدراك.

 

وبعبارة أخرى نقول إن المعنى والمفهوم اللساني العربي للعقل يحتوي ليس على إدراك العلاقة بين الأشياء فقط بل يرتبط أيضا ارتباطا وثيقا بإدراك مدى الضرر والنفع الناتج عن علاقات الأشياء ببعضها بعد إدراك حقيقتها، وهذا المعنى بهذا المفهوم هو معنى يحوي جانبا قيميا وانضباطيا كبيرا ألا وهو أخذ مصلحة النفس ومصلحة الآخرين ومصلحة الأشياء بعين الاعتبار، وذلك بإدراك مدى الضرر ومدى النفع الناتج عن هذه العملية، وليس مجرد السعي والإدراك المتحرر من القيم والأناني الغير منضبط والذي لا يقيم وزنا للآخرين أو للأشياء، ودون أدنى اعتبار للأضرار أو المنافع التي قد تلحق بالنفس وبالأشياء وبالآخرين.

 

فتلك الرؤية الضيقة والمحدودة لمفهوم العقل العربي على أنه الربط والحبس لمجرد الربط والحبس أو لمجرد تحكم الإنسان في رغباته وانفعالاته وكفى لهو عين المغالطة التي يراد من ورائها تجهيل العقل العربي ووسمه بالتخلف والقصور في ذاته كعقل, فمن هذه الرؤية القاصرة يراد تصوير مفهوم ومعنى العقل في اللسان العربي على أنه مفهوم ضيق ومحدود ولا يعني سوى تحكم الإنسان في نزواته وانفعالاته وكفى, ويراد أيضا تصوير مفهوم العقل في اللسان العربي على أنه مفهوم بعيد كل البعد عن مفهوم العقل عند الغرب والذي يعني: السعي الحر لإدراك واكتشاف الظواهر والعلاقات بين الأشياء وتشكيل علاقات جديدة بينها.

 

فثمة أمرين يظهران بشكل واضح مدى قصور هذه الرؤية لمفهوم ومعنى العقل في اللسان العربي وهما:

 

الأمر الأول: عدم وجود اختلاف جوهري بين وظائف العقل وثوابته بين بني البشر جميعا في أي مكان في الدنيا, بمعنى أنه إذا كان من وظائف العقل أن يسعى لإدراك واكتشاف العلاقات بين الأشياء والظواهر وتشكيل علاقات جديدة بينها أو ما يسمى بالابتكار والإبداع فإن هذه الوظائف العقلية ليست حكرا على عقول دون عقول مهما اختلف البشر ومهما اختلفت أماكنهم وألوانهم وأديانهم وأفكارهم, فواقع كل حضارات العالم القديمة والحديثة يؤكد ذلك، فليست وظائف العقل حكرا على أناس دون آخرين مهما اختلفت لغاتهم ومصطلحاتهم ومسمياتهم لوظائف العقل, وإذا جاز القول بمثل ذلك إذن يمكننا القول أن وظائف المعدة لسكان سويسرا, تختلف عن وظائف المعدة لسكان جنوب أفريقيا، وهذا مالا يقول به أحد.

 

الأمر الثاني: وجود الكثير من نصوص القرآن التي خاطبت العقل العربي وخاطبت فيه الإدراك والكشف عن علاقات الأشياء والظواهر وتشكيل علاقات جديدة بين هذه الأشياء، ونسوق البعض القليل من الكثير من النصوص القرآنية التي تخاطب وتستحث وظيفة الإدراك والكشف عن علاقات الأشياء والظواهر لحث العقل العربي على الإيمان بالله وترك الأوثان:

(قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ)

 

(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)

 

(وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ)

 

(ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)

 

(وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ)

 

(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)

 

(إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ)

 

(قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)

 

فكيف يقال إن مفهوم العقل العربي يقوم على الربط والقيد وليس السعي لإدراك العلاقات بن الأشياء؟؟.

 

#هل يتنافر عقل العقيدة الدينية مع عقل الحضارة المادية والعلوم الطبيعية؟

 

إن البعض يريد خلق تنافر بين عقل وفهم العقيدة الدينية في الإله وبين عقل وفهم الظواهر الكونية والعلوم الطبيعية في الكون، وذلك لدحض العقيدة الدينية بمعول العلوم الطبيعية كما حدث في الغرب, بمعنى أن العقل حتى يكون عقلا حقيقيا لا بد وأن يركن إلى العلوم الطبيعية والتجريبية وحسب، وعليه أن ينبذ العقيدة الدينية الإلهية حتى لا يصبح عقلا متخلفا وقاصرا وجاهلا.

 

والبعض الآخر أيضا يريد خلق تنافر بين عقل وفهم العلوم الطبيعية والمادية وبين عقل وفهم العقيدة الدينية في الإله وذلك لدحض العلوم الطبيعية والكونية، بمعنى أن العقيدة الإلهية تتنافر مع العلوم الطبيعية والكونية، أما العقل الذي يركن إلى العقيدة الإلهية وحسب فهو عقل كامل الأهلية وهو العقل الحقيقي وغيره هو عقل متخلف قاصر جاهل .

 

إن كل من العقل الحضاري المادي والعقل الإلهي الديني كلاهما عقلان ناقصان عنصريان متطرفان وسوف نبين ذلك على النحو التالي: 

 

#العقل الغربي المتحضر:

 

أما العقل العلمي التجريبي الغربي الذي يتخذ من الفلسفة الإغريقية واليونانية مرجعا له، يعلم أن الفلسفة الإغريقية واليونانية لم تكن في مجملها فلسفة إنسانية علمية فقط، بل كان لها جانبين جانب عقائدي إلهي، وجانب إنساني، لم ينفصلا عن بعضهما إلا في بدايات عصر النهضة، فالغرب يعلم تماما أن الفلسفة الإغريقية واليونانية بشقيها الإلهي والإنساني لم يتكاملا يوما ما في منهج واحد متناسق منسجم, فالشق الإلهي من الفلسفة اليونانية هو الذي أوصل الكنيسة الغربية إلى حالة الظلام الدامس الذي عاشته قرون عديدة أذاقت فيها الشعوب الأوربية ألوانا شتى من القهر والإذلال ما يقرب من ألف عام ولم يخلصها من ذلك إلا الانقلاب على الكنيسة ورجالها ومعتقداتها.

 

أما الجانب الإنساني والعلمي في الفلسفة اليونانية لم يكن له أي واقع على الأرض في الحضارتين الإغريقية واليونانية , بل رغم وجود الفلاسفة العظام وفلسفاتهم العقلية والإنسانية العظيمة إلا إن واقع المجتمعات الإغريقية واليونانية كان واقعا يعج بالظلم والقهر والاستعباد والرذيلة وسوء الأخلاق, أو بعبارة أخرى إن الجانب العقلي والأخلاقي في الفلسفة اليونانية كان مجرد نظريات محضة تبدأ في العقل وتنتهي في العقل ولم يكن لها أي أثر في الواقع الروماني أو الإغريقي على الإطلاق أو بعبارة أخرى ظلت حبرا على ورق.

 

أما عن الجانب العقائدي الإلهي في الفكر اليوناني فالمسيرة التاريخية للفكر اليوناني عبر التاريخ كان له سلبياته الكثيرة على الغرب وعلى الشرق سواء, ففي الغرب كان للفكر اليوناني الإلهي الوثني الأثر السيئ متمثلا في تشويه عقيدة السيد المسيح التوحيدية حين صهر وصب هذه العقيدة في قالب الفكر الإلهي اليوناني الوثني, ثم بدأ هذا الفكر ينتشر في الغرب بعد تبني السلطة الحاكمة للديانة المسيحية، وقولبة هذه الديانة في قالب العقيدة اليونانية الوثنية، وبمرور الزمن أصبحت الكنيسة هي التي تعين السلطة الحاكمة وترعاها ومنذ تلك اللحظة بدأ الظلام يخيم على أوربا والغرب حتى ثورة الشعوب الأوربية على الكنيسة في بداية عصر النهضة, وعلى إثر ذلك تم نبذ وإقصاء الدين تماما من واقع الحياة وحصره فقط داخل جدران الكنيسة, وقام الغرب باستبدال العقيدة الدينية بالعقيدة العلمانية الإلحادية التي عليها الغرب الآن.

 

أما في الجانب الإنساني والعقلي فلم يأخذ الغرب عن الفكر اليوناني مباشرة لإقامة النهضة، بل تم أخذ هذا الفكر عن المسلمين بعد أن ترجموه وطوروه وزادوا فيه وأضافوا إليه الكثير من العلوم, وهذا بشهادة عشرات وعشرات من العلماء الغربيين المنصفين والتي لا تخفي على فاقد العينين ونذكر منها على سبيل المثال بعض الشهادات على النحو التالي:

 

قال البنديت جواهر لال نهرو- في كتابه لمحات من تاريخ العالم: (كانوا بحق -يقصد العرب والمسلمين- آباء العلم الحديث وأن بغداد تفوقت على كل العواصم الأوربية -عدا قرطبة عاصمة إسبانيا العربية وانه كان لا بد من وجود: ابن الهيثم وابن سينا والخوارزمي والبيروني ،لكي يظهر جاليليو وكبلر وكوبر ينق ونيوتن)انتهى.

 

ويقول د.لوجي رينالدي: (بينما كان نجم المدنية الرومانية التي قامت على أطلال المدنيات القديمة قد اخذ في الأفول وكانت أوروبا قد عادت وسقطت في ظلمات الجهل كان العرب يشرفون برؤوسهم من سواحل البحر الأبيض ولم يلبثوا أن قامت منهم تلك البعثة الخطيرة التي أيقظت الأمم الأوروبية .وان ظهور العرب لحادث جلل يستحق ان يذكر منا بالشكر والامتنان لان مدنية هذا الشعب العظيم كان لها تأثير وأي تأثير في حياة الشعوب اللاتينية بل الأوروبية ،وكان العالم اليوناني وأخوه الروماني قد سقطا في كل مكان عندما اخرج محمد العظيم خلفاءه من أبناء الصحراء ونشرهم في أنحاء العالم لفتحه وغزوه فانتشروا في كل مكان وجروا فوق صهوات جيادهم شرقا وغربا حتى شيدوا ذلك الملك الكبير الزاهر الذي كان يمتد من بلاد الهند إلى بلاد الأندلس ومن بحر الخزر حتى المحيط الأطلسي. ثم نقل المسلمون مدنيتهم وحضارتهم وعلومهم وصنائعهم إلى صقلية في منتصف القرن السابع الميلادي. وكان يعيش الرعايا في راحة وسرور تحت حكم أمراء المسلمين وكانت حالتهم احسن بكثير من حالة إخوانهم الإيطاليين الذين يرزحون تحت نير اللنجورمانيين والفرنجة وان وجود مئات الكلمات العربية في اللغة الإيطالية (وغيرها ) ليشهد بما كان للمدنية الإسلامية من نفوذ عظيم في العالم المسيحي ومما كان من العلاقات التجارية بين بلادنا).

 

ويقول: (اجتاح العالم المسيحي حوالي سنة 1000 م غزو إسلامي جديد كان كالسيل الجارف ولم يكن أي حاجز يقوى على شده ولكنه كان هذه المرة مخالفا لسابقه إذ لم يكن ضغطه على الأجساد بل على العقول: ذلك الغزو كان التهذيب العربي والمدنية العربية فان شعب الصحراء العظيم ظهر على وجه الارض بعد سقوط المدينتين الرومانية واليونانية واندثار معالمهما وعقب ذلك النصر الكبير الذي أحرزه بسلاحه ذلك النصر الجميل الذي كان نتيجة الدرس والتعلم الذي أوجده أمراء العرب وسهلوا سبله لأبنائهم وبعد ذلك قام العرب في ظلمات بربرية القرون الوسطى بإعادة نور الحضارة والمدنية الذي كان قد انطفأ في جميع بلاد الغرب والشرق حتى القسطنطينية في أيام سقوطنا ولجأ العلم إلى ظل الأديرة الهادئ حيث كان الرهبان المساكين قد انزووا في مقصوراتهم واخذوا يمسحوا رخامتهم القديمة ليكتبوا عليها أصول ديانتهم وكانت مدنية العرب في القرنين التاسع والعاشر في الأندلس وصقلية قد بلغت أوج الكمال فلما شعرنا بالحاجة إلى دفع ذلك الجهل الذي كان يثقل كاهلنا تقدمنا إلى العرب ومددنا إليهم أيدينا لأنهم كانوا الأساتذة الوحيدين في العالم وتسرب العلم من إسبانيا وصقلية إلى بلاد أوروبا. وقد تلقى "جلبرت "الذي كان بابا عام 999 م تحت اسم سلفستر الثاني دروسه كلها في مدارس العرب بالأندلس ولما رجع إلى أوروبا و أراد نشر ما أخذه من العلوم بين مواطنيه ظهر لهم ما نشره بينهم غريبا جدا حتى اتهموه بأنه باع روحه للجن وبدأت في 1130م بمدينة طليطلة ترجمة الفكر الإسلامي)انتهى.

 

ويقول ريفولت في كتابه (بناة الإنسانية): (لم يكن بيكون إلا رسولا من رسل العلم والمنهج الإسلاميين إلى أوروبا المسيحية وهو لم يمل قط من التصريح بأنه تعلم من معاصريه اللغة العربية وعلم العرب وهو الطريق الوحيد للمعرفة الحقة وكان النهج العلمي التجريبي في عصر بيكون قد انتشر انتشارا واسعا وانكب الناس في لهفة على تحصيله في ربوع أوروبا لقد كان العلم أهم ما جاءت به الحضارة العربية على العالم الحديث ولكن ثماره كانت بطيئة النضج وان العبقرية التي ولدتها ثقافة العرب في إسبانيا لم تنهض في عنفوانها إلا بعد مضي وقت طويل على اختفاء تلك الحضارة وراء سحب الظلام ولم يكن العلم وحده هو الذي أعاد إلى أوروبا الحياة بل إن مؤثرات أخرى كثيرة من مؤثرات الحضارة الاسمية بعثت باكورة أشعتها إلى الحياة الأوروبية فانه على الرغم من انه ليس ثمة ناحية واحدة من نواحي الازدهار الأولى إلا ويمكن إرجاع اصلها إلى مؤثرات الثقافة الإسلامية بصورة قاطعة فان هذه المؤثرات توجد أوضح ما تكون واهم ما تكون في نشأة تلك الطاقة التي تكون ما للعالم الحديث من قوة وفي المصدر القوي لازدهاره أي العلوم الطبيعية وروح البحث العلمي. إن ما يدين به علمنا لعلم العرب ليس فيما قدموه لنا من كشوف مدهشة لنظريات مبتكرة فحسب بل يدين هذا العلم إلى الثقافة العربية بأكثر من هذا انه يدين لها بوجوده نفسه)انتهى.

(نقلا عن: الإسلام والحضارة ،أنور الجندي، دور العرب في تكوين الفكر الأوروبي، عبد الرحمن بدوي، اثر العلماء المسلمين في الحضارة الأوربية ،احمد علي الملا)

 

وما نريد قوله: إن الغرب بعد أن اكتوى من نيران الفكر الإلهي الوثني اليوناني انقلب عليه وعلى عقائده بصورة لم تعهدها أي ديانة من أتباعها على الإطلاق في تاريخ البشرية, واقتصر الغرب فقط على الفكر الإنساني اليوناني في نسخته المعدلة والمطورة على أيدي المسلمين.

 

إذن بدأ عصر النهضة والتنوير في الغرب بالازدهار، والغرب يومها بلا دين, فقد ظن الغرب يومها أن الدنيا ستكون عبارة عن (سيمفونية حالمة) بإقصاء الدين من واقع الحياة ومن ساحة العقول والقلوب لكن ماذا حدث؟؟ هل الغرب اللاديني جلب الأمن والمحبة والسلام للعالم بحضارته اللادينية؟؟؟.

 

لقد برع الغرب بالفعل وبما لا يقبل مجالا للشك وبما لا يسبق له مثيل في تاريخ البشرية في التقدم العلمي والتقني والإنساني، وهل هذا التقدم التقني والمادي والتكنولوجي استطاع أن يصلح من الشخصية الغربية وأن يكف شرورها عن بقية العالم؟؟ وهل نشر الغرب السلام والأمن في العالم بين شعوبه وشعوب العالم الأخرى؟؟ كلا، لقد بدأ الغرب عصر نهضته وحضارته بالاحتلال والاستعمار لغالبية شعوب الأرض وبالإبادة الجماعية لسكان أمريكا الأصليين (الهنود الحمر) حين بدأت الإمبراطوريات الغربية في الظهور واحدة تلو الأخرى الفرنسية والبريطانية والسوفيتية والفاشية والنازية, وأخيرا وليس آخرا الإمبراطورية الأمريكية.

 

فعلى الصعيد الخارجي قامت هذه الإمبراطوريات الغربية باستعمار الشعوب الفقيرة والمنهكة لنهب ثرواتها وامتصاص دماء شعوبها وتسخيرهم وإذلالهم وسفك دماء الملايين ظلما وعدوانا من أبناء هذه الشعوب, وقد مكث هذا الاستعمار وامتد لعشرات السنين, وقد حدث كل هذا تحت مظلة العلم والحضارة والحرية والديمقراطية واللادينية. هذا على الصعيد الخارجي، أما على الصعيد الداخلي فقد توج الغرب حضارته وعلمه وتقدمه بحربين عالميتين بدءا من عام 1914 حتى عام 1945 واللتين راح ضحيتهما عشرات الملايين من العسكريين والمدنيين وأضعافهم من الجرحى والمعاقين, وأيضا في خلال عصر النهضة والتنوير الغربيين قام الغرب بتطوير أبشع وأفظع أنواع الأسلحة الكيماوية والجرثومية والنووية والذرية بحيث يكفي جزء قليل جدا من هذه الأسلحة أن يبيد الأرض ومن فيها وما فيها، ويحولها إلى كومة من الرماد, وما زال هذا الفناء المحقق يملأ مخازن وزارة دفاع العالم الحر المتحضر وما زال يعمل على تطويره حتى هذه اللحظة.

 

لقد قامت كل الإمبراطوريات الغربية مجتمعة باحتلال الكرة الأرضية حتى لم يبق شعب من شعوب العالم ولا دولة من دول العالم إلا وقد تم احتلاله من قبل الغرب المتحضر, ورغم هذه النهضة في الغرب ورغم هذا التنوير وهذه الحضارة وهذا التقدم وهذا العلم, رغم كل هذا لم يستطع الغرب أن يبقى ويذوب في الشعوب المستعمرة أو يذوب الشعوب المستعمرة فيه, فقد قامت كل شعوب الأرض شرقية أو غربية شمالية أو جنوبية مسلمة أو غير مسلمة بلفظ وبصق هذه الحضارة الغربية رغم ما كانت تحمل هذه الجيوش المستعمرة من مباهج الحياة وبريق الحضارة إلى الشعوب المغلوبة, إلا أن هذه الشعوب لم تقبل هذا الغرب الممتلئ حضارة وتقدم والخاوي من القيم الروحية والأخلاقية والدينية.

 

فقد احتلت الإمبراطورية البريطانية الهند ما يقرب من مائة عام أو يزيد ومع ذلك لم تستطع الإمبراطورية البريطانية أن تدمج الشعب الهندي في هذه الحضارة ولم يستطع الشعب الهندي أن يتقبل هذا الجسم الغريب رغم عشرات السنين التي مكثها الاستعمار البريطاني في الهند إلا أن الشعب الهندي وقائده العظيم (المهاتما غاندي) قام ببصق ولفظ هذا الاحتلال الغربي المتحضر.

 

وهنا ينبغي للمرء أن يقف وقفة تأمل حول هذه الظاهرة وينبغي أن يطرح عليها الكثير من الأسئلة وأهم هذه الأسئلة وأكبرها لماذا كل شعوب العالم التي استعمرها الغرب المتحضر لم تقبل التعايش والاندماج مع الغازي الغربي رغم كل ما يحمله من ترف مادي وبريق حضاري؟؟ في اعتقادي أن السبب يرجع إلى أن هذه الحضارة الغربية رغم ما معها وما فيها من قوة ومن مباهج وبريق حضاري ومادي وتكنولوجي إلا أنها حضارة مفلسة في الجانب القيمي والروحي والديني وبالتالي لم تتمكن الشعوب المستعمرة من التعايش أو الاندماج معهم.

 

وهنا تكمن المفارقة والتمايز بين الاستعمار الغربي وبين الاستعمار العربي الإسلامي، حيث إن الاستعمار الغربي لم يكن لدية أي رصيد في مجال الروح والدين والقيم الدينية حتى يستطيع من خلاله الاندماج والذوبان مع الشعوب المستعمرة، وذلك على عكس الاستعمار الإسلامي الذي كان لا يملك ذلك الرصيد الضخم والمذهل من القوة والعلوم والتقنية والحضارة الذي كان يمتلكه الغرب وقت استعماره لشعوب العالم، فرغم فساد الأنظمة السياسية في التاريخ الإسلامي إلا أن الاستعمار الإسلامي كان لديه رصيدا روحيا ودينيا ضخما استطاع من خلاله أن يندمج مع الشعوب المستعمرة ويذوب فيها وتذوب فيه.

 

وما أريد أن أصل إليه هو أن العالم الغربي يختبئ وراء قوته المادية وحضارته البراقة وليس لديه ما يقدمه للناس في عالم الروح والقيم الدينية، القيم الدينية التي تشترك فيها جميع الأديان على السواء، القيم الدينية التي تردع عن ظلم الشعوب، وبدون هذه القيم لن يستطيع الغرب أن يندمج بحضارته مع أي من شعوب الأرض، فقد أخطأ الغرب حين ظن أن الإنسان يمكنه العيش فقط بالمادة وبريقها الحضاري، ولا أدل على ذلك مما حدث في فيتنام وما يحدث الآن في أفغانستان والعراق وفلسطين.

 

# العقل العربي الإلهي:

 

في القرون الأولى للإسلام حين بدأ الاختلاط بين المسلمين وغير المسلمين وحين بدأت الفلسفة الإلهية اليونانية تحل بركتها على المسلمين، كما حلت بركتها من قبل على الديانة المسيحية, بدأ المسلمون حينها في الانشقاق فيما بينهم بسبب حركة الترجمة والانفتاح على الفكر اليوناني الإلهي منه والإنساني, فالجانب الإلهي من الفكر اليوناني فعل بالمسلمين ما فعل بالمسيحيين، فقد شتتهم إلى فرق وشيع وأحزاب يكفر بعضهم بعضا ويضلل بعضهم بعضا، حيث قد تبنت كل فرقة منهم رأيا أو عقيدة فلسفية يونانية مختلفة عن عقائد الآخرين, كما سبق وأن بينا ذلك في مقالين: (العقيدة الأرثوذكسية للمذهب الشيعي والمعتزلي، والعقيدة الكاثوليكية لمذهب أهل السنة والجماعة)،  مما بدد طاقات المسلمين في جدالات وخلافات فكرية انتهت بالمسلمين إلى عداوات وأحقاد لم تختلف كثيرا عمن انتهت إليه طوائف وفرق النصارى, وهكذا هي طبيعة الفلسفة اليونانية في جانبها الإلهي ما دخلت بلدا إلا وزرعت الوثنية في عقائده ومن ثم الشقاق والفراق بين أهله وما حلت بدين من الأديان إلا وشوهته وقسمته إلى عدة أديان متنافرة فيما بينها.

 

أما في الجانب الإنساني والعقلي من الفلسفة اليونانية فلا يستطيع أحد إنكار ما في هذا الجانب الفكري من منافع كثيرة ومتعددة للجنس البشري, فقد استفاد المسلمون كثيرا من هذا الجانب الإنساني والحضاري في الفكر اليوناني, فقد ترجم المسلمون هذا الجانب وقاموا بتقويمه وتطويره والزيادة عليه وتنفيذه على أرض الواقع، وقام المسلمون أيضا بحركة بناء وحضارة عظيمة اعترف بعظمتها الأعداء قبل الأصدقاء، فقد كان لهم السبق الأول في هذا البناء الحضاري العظيم والذي قام الغرب فيما بعد باقتباسه من المسلمين والبناء عليه حتى وصل الغرب إلى ما هو عليه الآن من حضارة وسبق وتقدم في الجانب الحضاري والمادي.

 

ورغم كل هذا البناء الحضاري الذي شيده المسلمون في الجانب المادي بسبب الانفتاح على الجانب الإنساني من الفكر اليوناني من ناحية, إلا أن الجانب الإلهي من الفلسفة اليونانية كان يعمل في الخفاء والعلن على هدم عقائد وعقول ودين المسلمين من ناحية أخرى، مما وصل بالمسلمين في نهاية المطاف إلى التوقف تماما عن استكمال هذا البناء الحضاري والمادي وتقهقر المسلمون إلى الوراء وإلى نقطة الصفر من جديد, وبالتالي لم يحدث هناك تراكم, فقد حالت المعتقدات الدينية الوثنية اليونانية للفرق المختلفة من المسلمين بينهم وبين وجود هذا التراكم الذي كان من الممكن أن يصنع المعجزة, واستبدلوا بهذا البناء الحضاري وبصروح العلم التي شيدوها استبدلوا بها ذلك الموروث الوثني للفكر اليوناني متمثلا في عقائد السنة والشيعة والصوفية مما أدى بالمسلمين إلى حالة من التخلف المزري في كافة الجوانب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية.

 

إذن فليس الحال كما يدعي البعض أن الصراع إبان ازدهار الحضارة الإسلامية كان بين عقلين: عقل عربي أصيل يرتبط ويتقيد بالنقل والنص, وعقل آخر متأثر بالعقل الغربي عن طريق الاتصال بالفكر اليوناني عبر حركة الترجمة, بل إن الحال كان صراع بين جانبي عقل واحد قد تأثر جانب منه بأفكار فلسفية يونانية إلهية وثنية, وجانب آخر قد تأثر بالفكر الإنساني من الفلسفة اليونانية. فقام الجانب الإلهي من هذه الفلسفة بهدم ما تم بناؤه بالجانب الحضاري, فليس النص الديني بذاته هو الذي أشعل شرارة الصراع بين العقول العربية المختلفة، إنما الذي أشعل الصراع في الحقيقة هي الآليات الفكرية العقائدية اليونانية الوثنية التي استخدمها المسلمون في قراءتهم للنص الديني ومحاولة تأويله من  خلال هذه الآليات الغريبة والغير منبثقة من النص الديني ذاته, كمن حاول أن يفتح قفلا بمفتاح ليس مفتاحه.

 

أما محاولة البعض أن يحمل النص الديني في الإسلام متمثلا في القرآن الكريم مسئولية تخلف المسلمين وتأخرهم لهو ضرب من التجني وضعف الاستيعاب لطبيعة النص الديني والقراءة المجتزأة المغرضة له, وسوف تكون لنا وقفة حول النص القرآني وكيفية قراءته بطريقة قرآنية خالصة من خلال عرضنا لأجزاء هذه الدراسة مع استعراض كل المحاولات التي وضعت لفهم وتفسير النص القرآني والتي فشلت جميعها في كل محاولاتها، وتم رفضها من القاعدة العريضة من المسلمين, وفشل هذه المحاولات يكمن في استماتتها لإقصاء النص جانبا كما فعل الغرب مع المسيحية، وحجتهم في ذلك أن القرآن نص تاريخي أو ثقافي قد مر عليه الزمن, ويكمن ذلك الفشل أيضا في أن النص القرآني يتميز عن كل النصوص الدينية في أنه يقوم بعملية بعث مستمرة ومتجددة لا تتوقف، ولكن معظمها يفتقد للتوجيه والاتفاق بين المسلمين بفعل الموروث الوثني المتمثل في التراث العقدي والفقهي والأصولي، فعملية البعث الغير منظمة أكبر دليل على فشل جميع المحاولات النظرية الغريبة التي حاولت إقصاء النص واستبعاده عن ساحة المسلمين، ولن تفلح كل هذه المحاولات في المستقبل أيضا، وكما سبق وأن قلت إن كل تلك النظريات هي كالجسم الغريب أو كالمفتاح الغريب الذي يريد أن يفتح قفلا ليس بقفله.

 

إن المشكلة الحقيقية للنص القرآني تكمن في الآليات الغربية التي تحاول اقتحامه عنوة, وتكمن أيضا في الإضافات التي صنعها المسلمون ووضعوها في مصاف القرآن كعلم الكلام والسنة والإجماع والفقه والاجتهاد والتراث وغيرها من المصادر المصطنعة التي حالت دون تعرف المسلمين على الآليات القرآنية لقراءة   القرآن.

 

والمشكلة الأكبر تكمن في أن المسلمين قد اكتفوا بالجانب العقلي الإلهي المتمثل في الدين، وتركوا الجانب الحضاري الدنيوي، ظانين أن الجانب الإلهي يكفيهم عن الجانب الحضاري، وعلى الجانب الآخر كان الغرب بعد عصر النهضة قد وقع في نفس المأزق حين اكتفى بالجانب المادي الحضاري ونبذ الجانب الروحي الإلهي المتمثل في الدين، وإن كان للغرب مبرراته إلا أن المسلمين ليس لديهم أي مبرر في نبذهم للجانب المادي والحضاري والإنساني.

 

إذن فالصراع بين العقل الغربي والعقل العربي ليس صراع تضاد وتناقض بين عقلين مختلفين، إنما هو صراع بين عقل واحد تم فصله إلى نصفين, نصف يحتوي على الجانب الروحي الديني ونصف يحتوي على الجانب الحضاري المادي, فالأمر ليس كما يحلو للبعض تصويره على أنه صراع بين عقلين متضادين ومتناقضين, كلا، إنما هو صراع بين نصف عقل ونصف عقل، حيث اكتفى المسلمون بالجانب الديني الروحي ونبذوا الجانب المادي الحضاري، واكتفى الغرب بالجانب المادي والحضاري ونبذوا الجانب الروحي المتمثل في الدين, فالفريق الأول حين قبل أن يعيش بنصف عقل أفرز التخلف والتطرف والإرهاب, والفريق الثاني حين قبل أن يعيش بنصف عقل أفرز الاستعمار واستضعاف الشعوب وقهرها وإذلالها، وأفرز القوة التي تهدد بفناء البشرية، فكلاهما وجهان لعملة واحدة, فما بين نصف العقل الإلهي ونصف العقل المادي يكمن فناء البشرية.

(وللحديث بقية حول العقل والدين ووجود الله).

 

nehro_basem@hotmail.com

 

 

 للتعليق على الموضوع