16 سبتمبر 2006

 

 

 

 

 

درس نجيب محفوظ.. الأدب مقاومة فكرية

د. نصر حامد أبو زيد

 

سيظل أدب نجيب محفوظ دائماً، مصدراً للإلهام الفكري في سكة المقاومة الثقافية، بوصفها سيرورة دائمة هي جوهر الفكر والثقافة الحقيقيين. من هنا يجب التمييز دائماً بين «المبدع» و«الشخص»، فقد يكون الشخص مهادناً مسالماً رقيق الحاشية، يتجنب الخلاف والصدام، بينما «المبدع» في حالة صدام دائم مع المستقر والسائد والمقبول.. أقول هذا تعليقاً علي حوارات ولقاءات وصل بعضها إلي حد محاكمة «الشخص» نجيب محفوظ، مرة لأنه كان من أنصار «السلام» ومؤيدي «كامب ديفيد»، ومرة لأنه اشترط موافقة «الأزهر» علي نشر رواية «أولاد حارتنا» في مصر. وحين نتوقف أمام «الشخص» نظلم «المبدع»، وليس معنى ما أقول أنني أتصور وجود «تناقض» ضروري بين الشخص والمبدع، فالذي يبدو لنا «تناقضاً» ليس إلا حالة «التوتر» الدائمة التي يعيشها الإنسان المبدع بين «الواقع» و«المثال»، وهذه الحالة من «التوتر» هي بؤرة الإبداع. أشباه المبدعين وحدهم - وهم كثيرون - لا يعانون من هذا التوتر، فتبدو قراراتهم الشخصية والحياتية دائماً منسجمة مع كتاباتهم، لأنهم في الحقيقة لا يبدعون واقعاً جديداً وإنما «يسجلون» الواقع كما هو، مع بعض «التحسين» أحياناً، أو بعض «التقبيح» أحياناً أخري.

 

نجيب محفوظ المبدع في حالة صدام دائم منشأه التوتر الحاد بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، مرة أخري أعود إلي «أولاد حارتنا»، وهنا أفتح قوساً توضيحياً لما ورد في مقالتي السابقة بشأن قيام «دار الشروق» بنشر الرواية في طبعة بيروتية بمقدمة للأستاذ عبد المنعم أبوالفتوح، فقد أرسلت لي «دار الشروق» رسالة إلكترونية رقيقة تصحح هذا الخطأ، الذي أوقعتني فيه معلومات الإنترنت، ولولا أنني لم أعتبر الأمر «غلطة» من جانب دار الشروق لكنت حرصت على الاتصال والتأكد من صحة الخبر.. أعود إلى «أولاد حارتنا» لأبرز علاقة التشابك، أو الاشتباك، بين «الفكر» الإبداعي وبين «الأدب» الإبداعي، ولأبين أن رائعة «العم نجيب» «أولاد حارتنا» كانت التعبير الأدبي عن تيار عميق الجذور في الفكر العربي المصري الحديث، وهو تيار يمتد إلي «محمد عبده» رائد الإصلاح الديني الحديث بلا نزاع.

 

رواية «عم نجيب» باختصار تعالج القصص الديني، معالجة فنية أدبية، تستقطر دلالاته الاجتماعية الإنسانية، حيث يصبح الأنبياء هم المدافعون عن حقوق «المستضعفين» و«المُسْتَغَلين» في «تكية» الوجود بالمعني الكوني، يستخدم المبدع مفهوم «الفتوة» تمثيلا للقوة، التي قد تقف إلي جانب الحق فيعتدل ميزان الوجود، وقد تقف إلي جانب «الظلم» فيهتز الميزان ويعم الخراب. إن «العم نجيب» في هذا التأويل الفني للقصص الديني يواصل ما بدأه «محمد عبده» الذي يصر على أن الهدف الأسمي والغاية القصوي للقرآن هما «الهداية»، والقصص الديني يطرح في هذا السياق لا بوصفه حقائق تاريخية بل بوصفه قصصاً يهدف إلي «العبرة والموعظة». إن القصص الديني بعبارة محمد عبده «تمثيلات» لحقائق كبري وراءها، والدليل علي أنها كذلك - يواصل محمد عبده - أن القصة الواحدة تتردد في القرآن بصيغ وعبارات مختلفة، وأن القرآن حريص علي «الإبهام» في إخفاء الأسماء والأماكن وبعض التفاصيل، ولو كان الغرض ذكر التاريخ لما كان هناك إبهام.

 

كانت هذه الإشارات الدالة في «تفسير المنار» من ضمن المكونات الفكرية المهمة للشيخ «أمين الخولي»، وهي المكونات التي بلورها في منهجه في «التفسير الأدبي».. يتفق «أمين الخولي» مع الإمام في أن «الهداية» هي الهدف الأسمي، ويضيف الخولي: إن الوصول إلي هذه الغاية لا يتأتي إلا بمنهج التفسير الأدبي الذي هو مقدمة لا سبيل للوصول إلي أي غاية دينية - فقهية تشريعية أو أخلاقية فلسفية - بدونها. وإذا كان القرآن - في رأي الخولي - قد مارس تأثيره في عقول العرب وقلوبهم بهذا الأسلوب الأدبي الفريد، فإن معني ذلك أن عهد «الإيمان» عند المسلم وثيق الصلة بهذه الطبيعة الأسلوبية الأدبية للقرآن.. هكذا يصبح «المدخل الأدبي» أمراً لازماً لا بديل عنه لفهم القرآن وفهم رسالته.

 

تواصل منهج الخولي - المنهج الأدبي في التفسير - وتعمق من خلال الدراسات التي قام بها تلاميذه.. كتب المرحوم «شكري محمد عياد» رسالته للحصول علي درجة الماجستير عن «يوم الدين والحساب في القرآن»، وكتب المرحوم «محمد أحمد خلف الله» رسالة الدكتوراة عن «الفن القصصي في القرآن الكريم» سنة ١٩٤٧، وقد كانت لهذه الرسالة أصداء سياسية انتهت برفضها من الجامعة.

 

وبمعاقبة المشرف «أمين الخولي» بحرمانه من تدريس «الدراسات القرآنية» أو الإشراف علي رسائل جامعية في هذا المجال.

 

وواصلت المرحومة الأستاذة عائشة عبد الرحمن - بنت الشاطئ - نفس المنهج في دراساتها القرآنية، خاصة في «التفسير البياني». ورغم رفض رسالة «خلف الله» فقد حصل علي الدكتوراة برسالة أخري، وقد نشر كتاب «الفن القصصي» في أكثر من طبعة بمقدمة للشيخ الخولي لم يكف فيها عن الدفاع عن المنهج لدرجة القول: «الفن القصصي حق ولو ألقوا بي في النار». جدير بالذكر أيضا أن الناقد الأدبي «سيد قطب» كان من أشد أنصار هذا المنهج كما يتضح في كتابيه «التصوير الفني في القرآن» و«مشاهد القيامة في القرآن»، وهذا العنوان الأخير يتماس دلالياً مع عنوان رسالة «شكري عياد» التي أشرنا إليها.

 

وجذور المنهج الأدبي التي أحياها «محمد عبده» في العصر الحديث تمتد تاريخياً إلي ما هو أعمق في الدراسات القرآنية الكلاسيكية، خصوصاً ما تعلق منها بمبحث «الإعجاز»، الذي استقر الرأي فيه علي أنه «إعجاز بلاغي»، وأشار «محمد عبده» في إيجاز إلي أهمية «علم الأساليب»، وهو تطوير لا شك فيه لمفهوم البلاغة التقليدي «علم البيان» من خلال ربطه بمفهوم «النظم»، الذي صاغه العّلامة «عبد القاهر الجرجاني». أما أمين الخولي فقد طور مفهوم البلاغة التقليدي إلي علم جديد أطلق عليه اسم «فن القول»، وهو علم يتجاوز دراسة الأساليب إلي آفاق دراسة النصوص.

 

إلي هذا الأفق الفكري التجديدي في علوم اللغة والبلاغة والتفسير تنتمي «أولاد حارتنا» للعم نجيب بوصفها قراءة إبداعية تأويلية للقصص الديني.

 

غني عن البيان أن «القصص الديني» يمثل المجال السردي الجامع للأديان، أي أنه يمثل مجال «الالتقاء» الثقافي والفكري والديني للبشرية جمعاء. وهذا يفسر احتفاء لجنة «نوبل» في تقريرها بهذا العمل، الذي يتجاوب بعمق مع الكلمة التي ألقاها نيابة عن العم نجيب الأستاذ محمد سلماوي في استوكهولم. قال العم نجيب إنه ابن حضارتين لهما إسهامات لا تنكر في وعاء الحضارة الإنسانية، الذي لا تعجبهم «أولاد حارتنا» لأنهم يظنون أنها ضد الأديان والعقائد وتمثل إهانة للأديان والعقائد - بيان الجماعة الإسلامية في نعي عم نجيب - عليهم أن يقرأوا «ملحمة الحرافيش» التي كتبها عم نجيب بعد نصف قرن تقريباً من نشر «أولاد حارتنا». المبدع الحقيقي لا يتوقف إبداعه أبداً، وإبداعك يا عم نجيب لن يتوقف أبداً رغم غيابك - غياب الشخص - لأنه الإبداع الذي اشتبك وسيظل يشتبك مع قضايا الوجود الإنساني. إبداعك أيها الراحل عن أرضنا - أرض البشر - سيلهم أجيالاً ستأتي كما ألهم أجيالاً سبقت.

جريدة المصري اليوم

 

 للتعليق على الموضوع