28 يونيو 2005

 

 

 

مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في قم لـ"الحياة": المعارضة موجودة داخل ايران وخاتمي أسس لاستمرارية الحركة الاصلاحية

(تنشر "الحياة" في عددها الصادر غداً هذه المقابلة مع الشيخ الميرزائي الذي نُشرت بعض مقالاته في موقع يشرف عليه الشيخ حسين فضل الله. وتعبّر إجاباته عن قدر من المرونة يتميّز عن التحليلات المتشائمة التي نجمت عن نجاح المرشّح المتشدّد في إنتخابات الرئاسة الإيرانية. والمفاجئ في كلامه هو أن نجاح المرشّح المتشدّد يمكن أن يمهّد لتطوّر إيجابي في العلاقة مع الولايات المتحدة):

 

قال الشيخ نجف علي الميرزائي مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في قم ان هناك حالاً من المعارضة في ايران ينبغي الاعتراف بوجودها وعدم محاولة شطبها, معتبراً ان ذلك يرسل اشارات ايجابية الى المجتمع الدولي ويساعد في التهدئة الداخلية. وقال الميرزائي ان الرئيس المنتهية ولايته محمد خاتمي أسس لاستمرارية الحركة الاصلاحية, ومن شعر بالفشل هو الذي حاول القفز فوق تراكمات تاريخية في هذا المجتمع. ولفت الى ان المرحلة المقبلة ستظهر مستوى جديداً من المرونة في العلاقة مع الولايات المتحدة.

وفي ما يأتي نص الحديث:

كيف رأيت نسبة إقبال الشباب الايراني على الاقتراع في الانتخابات الرئاسية أخيراً, وهل يئس الجيل الجديد من كون الانتخابات السبيل الناجع للتقدم والتغيير؟ وهل تعتبر فشل الإصلاحيين وصولاً للثورة الإسلامية في إيران الى طريق مسدود؟

- أثيرت هذه التساؤلات في أجواء عالمية معروفة المقاصد قبل عملية الاقتراع, أما اليوم وبعدما تبيّن ان المشاركة الشعبية فاقت التوقعات وتجاوزت الـ60 في المئة من الناخبين، فلا أظن أنها مبرّرة. ومن الطبيعي أن تكون النسبة الغالبة من المقترعين هم شريحة الشباب. انّ دراسة الجولات والمراحل الانتخابية المنصرمة منذ بدايات الثورة، تسفر عن وجود مستوى من الانحسار في الحماسة الشعبية والإقبال على الصناديق، إن بسبب تَعقلنِ التجربة السياسية وبالتالي تراجع الحالات الحماسية والعاطفية، واستقرار الموالاة على حدود طبيعية معقولة؛ أو بسبب نجاح المشاريع الأميركية الموجّهة إلى داخل البلاد عبر 25 قناة إعلامية متنوعة تبث برامجها بالفارسية وتعمل على خفض التفاعل الشعبي مع النظام. وبمنأى عما أسلفت فإنّ الإحباط لدى شريحة واسعة من المعترضين اقتصادياً وسياسياً من عدم تحقق وعود تحسين الحالتين يعد سبباً لا ينكر في انحسار الاقبال الكثيف. كما ان ظهور شخصية مغمورة كالدكتور محمود أحمدي نجاد إلى جانب الشيخ هاشمي رفسنجاني متقدّماً على الوجوه الشهيرة كافة يمثّل مؤشراً صادقاً على صبغة شعبية في تجلّي الشعارات الانتخابية على الأرض.

كان الكثير من القيادات الإيرانية في البدايات يرغبون في إنكار وجود قوة معارضة للنظام في الداخل خصوصاً في ظلّ حماسة شعبية واسعة ومشاركات قياسية في المشاهد السياسية؛ ولكن اليوم بات من الواقعي أن هناك حالة معارضة داخل إيران ينبغي الاعتراف بوجودها وعدم محاولة شطبها. وأدركت السلطات أيضاً أن الاعتراف بوجود التيارات المعارضة وإفساحَ المجال أمامها لِتُسمع الآخرين صوتَها ينفعها أولاً كما أنّها ترسل إشارات إيجابية عبرها إلى المجتمع الدولي ومن جهة أخرى يساعدها على التهدئة الداخلية والحيلولة دون تحوّلها من المعارضة إلى المصادمة إلى جانب ان وجودها دليل على نسبة جيدة من الديموقراطية.

 

إن الإصلاحيين لم يفشلوا إلا إذا كانت المقاييس في تقويم التيار الإصلاحي مختلفة. وأعتقد بأن الرئيس محمد خاتمي حقّق أهدافاً مهمّة ووضع مداخل واسعة لاستمرار الحركة الإصلاحية. والذي شعر بالفشل هو الذي حاول القفز فوق تراكمات تاريخية في هذا المجتمع، وسعى الى تجاوز عراقيل قانونية لا يتم عبورها بتلك الطريقة. الرئيس خاتمي تجاوز بعض الخطوط الحمراء التي رسمها رجال من النظام وليس الدستور، كما أنّه ترك خطوطاً أخرى من التحول بحثاً عن اللحظة المؤاتية. أمّا الخط الإصلاحي الثوري أو الانقلابي الذي اختفى تحت عباءة السيد فأهمل حقيقة أنّ الثورة تَحدثُ في فترة وجيزة إلاّ أنّ إصلاح الثورات عملية دقيقة ومعقدة دونها عقبات. وأعتقد أنّ موانع الإصلاح في النظام هي من جنس عقول رجال يتعاطون مع تفسير النصوص القانونية بطريقة استنسابية أحياناً وليست من القوانين نفسها؛ لأنها تتّسم بكثير من المرونة وإمكانية الانعطاف. أمّا العقل المتصلّب فلا يرضى في تطبيقهاوتفسيرها إلاّ بالنمط المتصلّب. من هنا، فإنّ تحوّلات صادقة وواسعة على مستوى عقلية الإدارة البشرية ستفتح اكثر من أفق أمام الإصلاحات المستقبلية.

 

> إيران والولايات المتحدة تبدوان عدوين لكنهما في الوقت نفسه تهتمان ببعضهما بعضا بشكل يفوق أي اهتمام ثنائي دولي، ما مصير هذه العلاقة اللدودة في رأيك؟

- بصرف النظر عن رقعة عداءٍ انتشرت بين شرائح الشعبين الأميركي والإيراني، إلاّ أن المشكلة العدائية هي أساساً بين إيران والإدارات المتلاحقة في الولايات المتحدة. ينظر الإيرانيون إلى السياسة الأميركية بعنوان خطة معادية لا تدّخر جهداً في سبيل إضعاف الحكم الإسلامي، بل إسقاطه بالوسائل المتاحة كافة، وعندما فشلت في بعض المحاولات الرامية إلى إشعال الصِّدام المادّي، لجأت إلى تبني الأنماط الناعمة من المواجهة، كسياسات الحظر والحصار والضغوط الإعلامية عبر التضليلات الفضائية التي تمارسها نحو 25 قناة فارسية تبث من الولايات المتحدة وإرسال الدعم المادي إلى المعارضين في الداخل.

الإيرانيون يعيشون جوّاً شديد الاحتقان والكراهية تجاه السياسات الأميركية التي تعبث بوجودهم على الصعيد الدولي وتفرض على الدول الأخرى اتّباع نهج تعسّفي مع النشاطات الإيرانية السلمية والتجارية، وتعمل على إبقاء الاستفزاز والسّخط بين هذه الأطراف، ولا اعتقد أنّه مع هذه السياسات العدوانية يعقل تصوّر أفق جيد من العلاقات، لأنّ الأميركيين على ثقة بأنّ هذه السياسات الأحادية الاتجاه وإن أضرّت بالنظام الإيراني حيناً غير أنها نفعته أحياناً أخرى لأنّه بالإضافة إلى أنها لم تستطع يوماً ما أن تعزل الوجود الإيراني على الصعيد العالمي ولم تتمكّن من تخفيف الأدوار الاستراتيجية والجيوسياسية الإيرانية بل أتاحت لها فرصاً ذهبية لتعمل على بناء نظام اقتصادي يتّكل على مقوّمات وعناصر ذاتية لا تتهدم بسهولة جرّاء التقلّبات السياسية أو الاقتصادية العالمية، تماماً كما أن الحرب المفروضة على الجمهورية الإسلامية غداة الثورة والتي وإن كان البطل فيها والمخزون عربياً، إلاّ أن السيناريوهات فيها كتبت بأيد أجنبية يعرفها الجميع، مكنت ايران من امتلاك قدرات عسكرية في إيران وسط حصار دولي من رصاص البندقية إلى صواريخ يمكنها أن تستهدف الأعداء على بعد آلاف الكيلومترات.

وفي حال وجد الأميركيون مجالاً وإذناً إسرائيلياً في التهدئة مع الإيرانيين وغيّروا من النهج المتغطرس ورضوا بعلاقة طبيعية تحفظ للطرفين مبادئ الاحترام وعناصر المصلحة لا مجال فيها للفرض والهيمنة والسعي المبطّن للإفساد والعبث، فمن اليقين أن الطرف الإيراني سيرحّب بذلك لأنّ القطيعة الموجودة من أسباب تعرّض الطرف الآخر لخسائر فادحة أيضاً وتطبيع العلاقة بينهما سيصب في مصلحتهما بل ومصلحة الأمن والاستقرار الإقليميين والدوليين.

والسبب الرئيس في أهمية العلاقة الإيرانية الأميركية راجع إلى أمور عدة:

1- إن النظام الإسلامي في إيران هو التجربة الناجحة نسبياً لنظرية الإسلام الاسلامي. والدليل في ذلك المرونة الهائلة التي أبداها مؤسّسو الثورة تجاه التجارب الوضعية من صيغ الحكم وتَجنّبِ الإصرار على الأنماط التاريخية من الحكم الديني، الأمر الذي حقّق استقراراً منقطع النظير في التجربة، وأظهر عوائق التجارب الإسلامية الأخرى وانبثق منها فكر ديني حديث ومبادئ اجتهادية حداثوية حالت دون بروز تصادم بين الديني والعقلي أو الوضعي.

2- إن الأميركيين ومن في فلكهم متخوفون من انتشار هذه التجربة ويعرفون جيداً ضمن دراساتهم الاستراتيجية كم لهذه التجربة والاستلهام منها آثار على واقع ومستقبل العلاقة الإسلامية الغربية، ومن أجل ذلك لا يزالون ناشطين بما يملكون في وصف النظام الإسلامي في إيران والتجارب الديموقراطية الجديدة الإسلامية فيه بالأوصاف السيئة.

3- تحولت القدرة الإسلامية في إيران وفي مرحلة ما بعد القوة السوفياتية إلى أكبر عائق أمام بسط النفوذ الأميركي في أكثر مناطق العالم انطواءً على المصالح العالمية والأميركية.

وفي تقديري، فأن الطرفين سيظهران مستوى جديداً من المرونة والتسامح مدركين الظروف الجديدة على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية وإنّ الإرادة السياسية الجديدة في إيران من أجل تنفيذ الوعود الاقتصادية التي كانت العنوان العريض للحملة الانتخابية الرئاسية، ستعمل على تليين الخطاب السياسي لتخفيف القصف الأميركي الناعم للساحة الداخلية.

 

> هناك تطور عملي للكثير من مسائل الفقه الإسلامي بعد التجربة المديدة للجمهورية الإسلامية، كيف ترصد التطور في مجالات محدّدة خصوصاً في ما يتعلق بالمرأة؟

- المرأة الايرانية لا تواجه أغلب ما تعاني منه المرأة في عدد من الدول العربية وبات معروفاً للمراقبين أنّ المشاركة السياسية والاجتماعية للمرأة في إيران تشكّل الجزء الأهمّ من النشاط الجماهيري والنخبوي. ووفقاً لآخر إحصاءات الحضور النسائي في الجامعات فأنّهن سبقن الرجال في الحضور الأكاديمي وفي مزاولة عدد كبير من المهن الوظائف السياسية والتعليمية وغيرها، بيد أنّ المزيد من التحوّل في هذا الجانب يتطلّب إعادة النظر في بعض التفاسير للفكر الديني حول المرأة والتي أعاقت سير عجلة الإصلاح أحياناً، والسلطات السياسية وأجنحتها الشرعية تتجنّب التسرّع في هذا الأمر الخطير متوخّية حصول تطوّرات واسعة في طريقة التفكير الحوزوي والمنهج الاجتهادي الذي يحصر تلك الموانع.

أمّا قناعة شريحة اجتماعية خاصة بضرورة إبقاء المرأة في البيت، فلا علاقة لها بعقلية السياسات الدستورية العامّة للنظام في ضرورة إفساح المجال أمامها للنشاطات الاجتماعية والثقافية والسياسية من دون استثناء وعلى أعلى المستويات. وجذور بعض الممانعات تمتد إلى التراكمات التاريخية التي سنتجاوزها بعون الله. وهناك تطورات اجتهادية فقهية في قضايا الميراث والدية والحجاب والطلاق وما إلى ذلك من مسائل ترتبط بحماية المرأة طرأت على فتاوى مراجع دينية أرفدت المجلس النيابي ومجلس صيانة الدستور ومجلس تشخيص مصلحة النظام ليجرؤ أعضاؤها على تصديق قوانين جديدة تحفظ حقوق المرأة والأسرة أكثر من السابق. والمسيرة لن تتوقف إن شاء الله لأنّ المجتمع أي مجتمع لن يرى الخير في غياب المرأة الواعية العالمة القويّة.

أما وجود حالات واسعة من نقض أوّليات حقوق المرأة داخل البيت فيعود إلى الأعراف الخاطئة والتقاليد الاجتماعية المتصلّبة في بعض المساحات الاجتماعية. والسبب الرئيس فيها عائد إلى الثقافات السيئة، وخرافيةِ بعض التصورات، إلاّ أنّ المشكلة هي أن تتلبّس مساحة من هذه الاعتقادات لبوس القداسة الدينية. ومن النقاط الإيجابية الكبرى في قوانين النظام سهولة تطليق المرأة في حال ثبوت الحالات الظالمة ضدها من قبل الزوج أو الأولياء الآخرين لأنّ القانون هنا يتدخّل في قضايا إشكالية تتعلق بها دفاعاً عنها في حال كونها ضحية الرجل.

 

> ماذا عن حرية الاطلاع على الفكر خارج حدود إيران؟

- بات من المستحيل وضع قيود واسعة على المواطن في عصر العولمة. وكما ذكرت هناك 25 قناة معارضة على مدار الساعة تبث برامج واسعة للشعب الإيراني بلغته، الى جانب الآلاف من مواقع الإنترنت تعود إلى توجهات فكرية وثقافية تتباين مع الفكر الرسمي للنظام يفتحها الشباب ويطلعون عليها دوماً. خط التواصل بين الداخل والخارج وصل إلى حدود واسعة جداً، يستحيل معها إبقاء الشباب بعيدين عن الأجواء العالمية. فعلى سبيل المثال؛ الاستفادة من أدوات استقبال الفضائيات محظورة قانونياً إلاّ أنّني سمعت من أحد المعنيين ان نسبة أصحاب هذه الأجهزة في بعض مناطق العاصمة تتجاوز 50 في المئة على رغم علم الدوائر الحكومية بذلك، ما يعني أنّ حالات الائتلاف والاختلاف أو الموالاة والمعارضة ليست عن جهل أو تجهيل وإنّما عن وعي تام بما يجري في العالم، وإن التكتّلات السياسية الموجودة هي صورة واقعية عن التركيبة السياسية في البلد.

الأوساط الفكرية في إيران بفضل الحال الانفتاحية السائدة تتابع أحدث النظريات الفكرية والعلمية من دون عرقلة ملحوظة من قبل النظام، والمؤشّر القوي في ذلك هو التطوّر المتصاعد على صعيد نقل المعرفة الغربية في فروع علمية متنوعة إلى الفارسية واضطلعت عشرات دور النشر في العاصمة بمهمة نقل المعرفة الإنسانية والتطبيقية إلى الفارسية. واللافت في الأمر نشر وترجمة كتب مذكّرات عائلة الشاه والسلطات السياسية والأمنية في عهده وكذلك حركة نشر وإصدار مواقف المعارضة داخلياً وخارجياً. الأمر الذي يجعلنا نقول بثقة كاملة أن المعلومات المحظورة سابقاً تتحرّك اليوم بشكل لافت ومثير في الأوساط العلمية.

زد على ذلك كلّه ثقافة ارتياد مقاهي الإنترنت المنتشرة في البلاد والراسخة في شريحة الشباب ممّا يؤمّن لهم إمكانية الوصول إلى ابعد حدود أخبار الخارج. كما إنّ تردد ملايين المهاجرين الإيرانيين بين الدول الغربية والداخل الإيراني لا يسمح بتقييد المعرفة ورقابة المعلومات وبخاصة مع سهولة تناقل ملايين وحدات المعلومة عبر قرص مغناطيسي صغير.

بيروت     الحياة     - 29/06/05//

للتعليق على هذا الموضوع