5 سبتمبر 2005

العلمانيون المؤمنون والعلمانية بمعناها الواسع

ناهد بدوية

 

 

طغى مناخ ومنطق وصراع عقد الثمانيات على الحوار الدائر حالياً بين المثقفين حول العلمانية والديمقراطية و الاسلاموية والأخوان المسلمين في سورية. حيث تم تجاهل حجم المتغيرات الهائلة التي حصلت، وسمات العصر الحديث وما عكسته هذه السمات على أفكار وأحلام وطموحات الأجيال الجديدة في بلادنا، التي لا ننتمي جميعنا إليها.

 

يبدو أن إصرار النظام السياسي على العودة إلى أجواء الثمانينات المقيتة والخانقة لن يساعدنا أبداً على تجاوز القديم والبدء بإدراك الجديد. إذ أن أي طرح للفكرة العلمانية بشكل واضح وصريح سوف يخشى البعض منه شق القوى الديمقراطية وأن يصب ذلك في تأبيد نظام الحزب الواحد. وهذا تخوف مشروع جداً. وسوف يخشى البعض الآخر من انتقاد حزب الإخوان المسلمين خوفا من أن يؤدي هذا النقد إلى دعم استمرار القانون العار في تاريخ سورية-القانون 49- وهذا تخوف مشروع أيضاً.

 

لكني سأحاول الخوض في الجديد رغماً عن كل محاولات النظام السياسي وبعض الحوارات الساعية إلى إبقائنا في مستنقعات الحرب الباردة البائدة.

 

إن حجم المختلف بيننا وبين الأجيال الشابة الحالية يحيلنا إلى حجم المشترك بيننا نحن التيارات الفكرية المختلفة من يسارية وقومية وإسلامية. نعم نحن أولاد ظروف مشتركة ومناخ عالمي مشترك، وحتى مفردات مشتركة( لا ينفي الاشتراك بالمفردات والمصطلحات كون المرء يدافع عن مصطلح ما أم يناهضه). لكن المشترك الأساسي والأهم هو الميل الشديد للتسيس والاهتمام بالسياسة. وكذلك الميل إلى عكس آرائنا السياسية في حياتنا اليومية وعلاقاتنا الاجتماعية وطموحنا المستقبلي. لذلك لم يكن هناك فرق بين اليسار السياسي والاسلام السياسي من حيث المصير. وهنا أسجل استغرابي من الميل الحالي لدى الكثير من المثقفين الذين يعتبرون أن الحركة السياسية السابقة قد أصبحت جزءاً من الماضي وستذهب معه، لكنهم عندما يناقشون حركة الاخوان المسلمين يتوقعون أن تكسر صناديق الانتخاب بحال صارت انتخابات حرة ونزيهة! في المستقبل. أليس هذا تناقضاً صارخاً مع المنطق والتحليل العلمي للظواهر السياسية؟! كيف تنجو ظاهرة سياسية من النتائج التي خضعت لها كل الظواهر السياسية المشابهة والمتزامنة معها؟؟.

 

أظن أن المتغيرات العاصفة التي حدثت في نهاية عقد الثمانينات، والتي كانت نتيجتها انهيار منظومة دول كاملة كانت تدعى بالاشتراكية وانتهاء الحرب الباردة هي التي دفعت إلى الوقوع في مثل هذا الفخ اللا منطقي . فكما استنتج فوكوياما بعد الانهيارات نهاية التاريخ بـتأبيد الرأسمالية، استنتج اليسار عندنا بسبب هزيمته نهاية التاريخ عندنا، بانتصار الإسلام السياسي في سوريا.

 

الفخ اللامنطقي يكمن في تناقض الاستنتاج مع دلالات الانهيار نفسه. إذ أن الانهيارات السابقة هي انهيار أيضاً لفكرة الدولة الأيديولوجية بعد فشلها اقتصادياً. تلك الدولة التي كانت هدف نضالات جيلنا بكافة ألوان طيفه السياسي والفكري. فكيف تكون لصالح حاملي أفكار الدولة الدينية؟ الدولة الأيديولوجية بامتياز؟!. إن الانهيارات السابقة هي انتصار لفكرة حيادية الدولة اتجاه الأيدلوجيات، الأمر الذي لايتنافى مع إمكانية تحيز الحكومات المتعاقبة، فالحكومة يمكن أن تكون يسارية ومرة يمينية ومرة أخرى إسلامية كذلك...الخ حسب نتائج الانتخابات وميول الأشخاص الفائزين بها. إذ أن الحكومة هي موضوع التداول وليست الدولة التي هي ملك لجميع المواطنين بنفس الدرجة. وهذا هو تماماً جوهر العلمانية ومغزى فصل الدين عن الدولة.

 

العلمانية والايمان

 

يميز الكاتب غي هارشير في مقدمة كتابه "العلمانية" بين مفهومين للعلمانية "واسع جداً وضيق جداً، واسع لأنه يعني في تحليل أولي الأنظمة التي تحترم حرية الضمير، بمعنى أن تلك الأنظمة تفترض أن الدولة ليست "ملكا" لفئة من السكان، وإنما هي للجميع، للشعب من دون أدنى تمييز بين الأفراد تبعا لتوجهاتهم في الحياة. وهو ضيق، إذا كان التعبير نفسه يحيل إلى المعركة ضد الكهنوتية الدينية..."1.

 

إن العلمانية تعني الكفر والالحاد في مصطلحات الإسلام السياسي فقط في بلادنا. حيث كانت تهمة الإلحاد هي الطريق السهل لمحاولة عزل أو محاربة أي طرف في الصراع السياسي في مجتمع متدين. أما في عرف كل التيارات الأخرى فهي تعني العلمانية بالمفهوم الواسع، أي الدفاع عن ضرورة فصل الدين عن الدولة، في نفس الوقت التي تعني فيه الدفاع عن حرية المعتقد وحرية ممارسة الشعائر الدينية. الدين لله والوطن للجميع. وهي ليست أيديولوجيا وإنما مفهوم سياسي يعنى بضرورة حيادية الدولة اتجاه الأديان المختلفة. لذلك لم يكن غريبا أن يحتوي المجتمع السوري منذ عهد النهضة وحتى الآن على علماني مؤمن وعلماني ملحد وعلماني يساري وعلماني يميني وعلماني قومي. ولم تتمظهر العلمانية كأيديولوجية دولة في العالم إلا في فرنسا. وهذا هو جذر الأزمة التي عانت منها فرنسا خلال أزمة الحجاب بسبب تناقض وجود أيديولوجيا للدولة مع سمات العصر الحديث.

 

إن تسلط الكنيسة في أوربا لزمن طويل جعل تطور الدولة الحديثة فيها مرتبطاً بالموقف الرافض للدين. وأدت إلى جعل العلمانية لا تقتصر على معناها الواسع أي على مبدأ حيادية الدولة عن الأديان والدفاع عن حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية. وإنما إلى تبنيها كأيديولوجيا في معناها الضيق، من قبل بعض التيارات الفكرية في أوروبا. بينما نرى أن الدين في الولايات المتحدة منتعش ومزدهر وذلك لأن " الكنائس لم تٌشرَك يوماً في السلطة ولم يكن من الممكن أن ينوبها نصيب من فقدان الثقة المحتمل الذي تعرضت له السلطة الزمنية. بخلاف وضع الكنيسة الكاثوليكية إبان الثورة الفرنسية"1. كما أن تحقيق حيادية الدولة الجذرية اتجاه الأديان وتحقيق الحرية الدينية أدى إلى كون الشعب الأمريكي شعبا لا يتناقض إيمانه بضرورة فصل الدين عن الدولة مع كونه شعبا متدينا بشكل ملحوظ. وهذا مايجعل فكرة ماكس فيبرعن انحسار الأديان فكرة أوروبية وقديمة، كما يجعل فكرة "مفاعيل الحداثة التي تؤدي إلى "نزع السحر عن العالم""2 غير صالحة في الولايات المتحدة، و في بلادنا أيضا، وربما بالعالم كله، حيث نشهد التزايد المستمر لنزعة التدين والروحانيات . ويمكن هنا أن نلحظ أن المتطرفين الإسلاميين لم يخرجوا من المسلمين الأمركيين، رغم أعدادهم الكبيرة هناك. إن الشعب الأمريكي بكافة أديانه وطوائفه مطمأن بأن دستور بلاده الحيادي اتجاه المعتقدات الدينية سيحميه من تأبيد سلطة بوش المتدين والرجعي ومعارضته سوف تكون معارضة لسياسته الدنيوية وليس بصفته مبعوث من الذات الإلهية كما يعتقد هو كذلك!!!.

إن التعدد الديني والعقائدي في سورية يعطيها خصوصية تميزها عن بعض الدول العربية الأخرى، هذه الخصوصية بالذات هي التي تجعل من الضرورة بمكان طرح العلمانية بوضوح والدفاع عنها، وبذل الجهد المعرفي في تأصيلها كمفهوم سياسي في واقعنا الملموس. وقطع الطريق على المخاوف الفئوية التي يمكن أن تعقد النضال من أجل الديمقراطية. وذلك بالتأكيد على اعتماد الديمقراطية على مبدأ المواطنة المشترك والجامع لكل الطوائف والاثنيات.

 

وبدلا من مديح "عملية العلمنة الموضوعية"2 التي لا فضل فيها للمفكر والمناضل الديمقراطي والتي تسير في غفلة عن الإسلام السياسي بحيث لا يتحسس منها أحد! والتي "تتقدم دون رايات علمانية"2. وبدلا ، من جهة أخرى، من إظهار موقف ضمني من المتدينين عموماً، والتشكيك بمصداقية تبني الديمقراطية من قبل الإسلام السياسي "لأن من ينخرط في صفوفه هم من الملتزمين بالقرآن و السنّة"3 وبالتالي الاستنتاج السهل بأنهم متناقضون مع الديمقراطية، فإني أرى أنه من الضروري أن يقوم المثقفون الديمقراطيون المؤمنون بالعلمانية، بدورهم الطبيعي في الدفاع عنها وتوضيحها بالمعنى الواسع، والذي لا يتناقض مع التغيرات الجوهرية في عقلية الشباب المؤمن الحالي كما سنوضح في الفقرة التالية.

 

العلمانيون المؤمنون:

 

تتميز ذهنية الشباب الراهن في سورية على كافة مشاربهم الاجتماعية والفكرية بخصائص مشتركة. ولا بد هنا أن نذكر بأننا عندما نتكلم عن الشباب فإننا نتكلم عن الشباب المتعلم، إذ أنهم هم من سيرفد سواء الأحزاب والحركة السياسية أم النخب الحاكمة المستقبلية. كذلك أخص الفئة العمرية من الشباب التي عايشت الفضائيات والكمبيوتر والانترنت، وذلك لأن سورية أنتجت جيلين من الشباب مختلفين عن جيلنا وكذلك عن الجيل الحالي. جيلان لا يملكان خصائص مميزة كما هي فترة الركود التي عاشتها سورية على كافة المستويات في العقدين الذين أنتجتهما . والفئة العمرية التي أقصدها بالبحث الآن هم بالحقيقة هم أولاد آخر جيل مسيس في سورية وهو جيل السبعينات، جيلنا.

 

تتميز عقلية الشباب الحالي بالنقدية العالية للجيل المسيس السابق. فالجيل السابق بنظرهم فاشل حياتيا، فهو قدم تضحيات من أجل فكرة، وهذا شيء نبيل، لكنه كان غير واقعي وفاقد لمفهوم الجدوى والانتاجية وإدارة شؤون الحياة اليومية. وهو جيل غير ديمقراطي سواء في المنزل أم في الحزب المعارض أم في حزب السلطة ولا فرق كبير عند هؤلاء الشباب بين الأب في البيت والزعيم والديكتاتور والأمين العام، فجميعهم يتبعون كافة الوسائل التي تضمن لهم الاستمرار في موقعهم السلطوي على حساب آراء ورغبات وتطلعات الجيل الجديد. وبالنسبة إليهم لايوجد فارق كبير ونوعي بين المعارضة والسلطة فالطرفان لا يعرف عنهما الشئ الكثير ولا يوجد لديه مشاعر حادة ضد أو مع أي طرف منهما. فلغة التسييس الشديد هي لغة الطرفان ولذلك هما الاثنتان من الماضي.

 

الشباب الآن لهم آراهم السياسية العامة من خارج جميع الأيدلوجيات. ولهم جميعاً موقف يتعلق بفلسطين والعراق. وهم تواقون للعمل في الشأن العام ولكن على طريقتهم. يستهويهم العمل الاجتماعي والإنساني. يتحمسون للعمل في قضايا محددة، مثل حقوق انسان، البيئة، الأعمال الخيرية، أعمال تهدف إلى الحفاظ على نظافة البلد أو هويته أو....الخ. يتحمسون للأعمال التطوعية في المجال الإنساني. وهو جيل عملي واقعي يهتم بتطوير نفسه وقدراته وشروط حياته المادية والبزنس. وهو يهتم في بيل غيتس ويقرأ عن حياته أكثر من قراءته عن بوش بكثير.

 

انطلاقا من هذه الخصائص المشتركة بين جميع الشباب. الآن سنناقش الناخبين المحتملين لحزب الإخوان المسلمين من فئة الشباب وهي فئة حاسمة باعتبار أن المجتمع السوري هو مجتمع شاب. سنبحث، طبعا، عن الناخبين المفترضين بين الشباب المتدين الذي ينتمي لطائفة محددة (وهذه أن هذه أول نقطة ضعف انتخابية فالنسبة المحتملة تتراوح من صفر إلى سبعين بالمئة وليس من صفر إلى مئة بالمئة كما يفترض مبدأ الانتماء إلى الوطن والمواطنة وليس المبدأ الفئوي الذي يعتمد عليه هذا الحزب).

 

هؤلاء الشباب المتدين، هم نسبة أيضاً من الشباب التي تعود أصولهم إلى نفس الطائفة، ولا يمثلونهم جميعا، حتى ولو كانوا هم النسبة الأكبر. هؤلاء الشباب ينقسمون بدورهم إلى عدة فئات:

 

1- الاسلام السياسي المتطرف، وهم أقلية، كما هي نسبة المتطرفين دائماً في أي فكر وفي أي مجتمع. وهؤلاء لا ينتخبون الإخوان المسلمين لأنهم لا يؤمنون بالانتخاب أصلا كوسيلة لتحقيق أهدافهم أولاً ولأنهم لا يوافقون على أفكارهم ويعتبرونهم وسطيين هاربين من فكرة الجهاد ثانياً.

 

2- أقلية أخرى من الشباب المتدينين المنصرفين لشؤون الدين والمتبحرين في علومه والملتزمين بالفقه والشعائر الدينية، مع ابتعاد واضح عن السياسة وعن أي مشاركة في الحياة السياسية. وتتسم هذه الفئة بالتسامح والميل إلى الدعوة الدينية المسالمة.

 

3- أغلبية هؤلاء الشباب المتدينون والمعتزون بهويتهم الإسلامية، يتعاملون مع حياتهم اليومية وأحلامهم وطموحهم على نحو عملي. وهؤلاء لا يشكل الإخوان المسلمين ممثلا مناسبا لهم. وإنما المرشح المناسب لهم ربما يكون رجل من التكنو قراط معروف بإيمانه ولكن برنامجه يتعلق بالحداثة والتطور والعلم والانترنت والبزنس وتوفير فرص العمل. إن هؤلاء الشباب هم أولاد هذا العصر بالذات وهم لا يتعاملون مع الأيديولوجيات وإنما مع الحياة. وهؤلاء هم من أعني بهم بالعلمانيين المؤمنين. وهم من يحتاج إلى الجهد المعرفي من المثقفين فيما يتعلق بتوضيح وإعادة إنتاج مفهوم العلمانية بمعناها الواسع. وقد يكونوا هم الحاملين الحقيقيين لها إلى جانب زملاءهم الآخرين من الشباب من كافة الانتماءات، أكثر منا نحن الذين مانزال نٌبرز أحيانا، بشكل أو بآخر، مفهوم العلمانية بمعناها الضيق على حساب معناها الواسع.

بنية آيلة للسقوط

 

يمكن أن نقول أن الحركة السياسية السورية التي شكلت اللوحة السياسية في الثمانينات تمثل بنية واحدة. عندما تتفكك هذه البنية تحت ضربات التطور الموضوعي والمتغيرات العالمية فإن كافة مكوناتها تصبح من الماضي. بعبارة أخرى إن حزب البعث والجبهة الوطنية التقدمية والتجمع الوطني الديمقراطي والأحزاب المعارضة الأخرى بما فيها حزب الأخوان المسلمين قد أصبحت من الماضي. يبرهن على ذلك كل محاولات التجديد التي تشهدها مكونات مختلفة لهذه البنية ( مؤتمر حزب الشعب الديمقراطي، لجنة تجديد حزب البعث، المشروع الحضاري للإخوان المسلين) وهي محاولات في الحقيقة لنفخ الهواء في القرب المقطوعة. وما استنقاع السياسة الحالي في سورية إلا دليل على موت القديم وعدم السماح لولادة الجديد الذي يتناسب مع العصر.

 

إن وضع سورية في ثلاجة الثمانينات، بما فيها تضخيم خطر الإخوان المسلمين وقوتهم الانتخابية واعتبار أن الشارع لهم، لا يخدم إلا السلطة القائمة، التي لا تريد تقديم شيء لشعبها. كما أنها لا تريد الاعتراف بأن البلاد هي في النهاية ملك لشعبها، وأن من يختاره هذا الشعب هو الذي يمتلك الشرعية، وهي شرعية مؤقتة في النظم الديمقراطية لا تعرف لغة المؤبد. ولا تعرف مثل هذه الأنظمة وسيلة تدفع الناس للالتفاف حولها سوى مخاطبة مشاعر تنتمي إلى ساحة شعورية ماقبل عقلانية. وذلك عبر التلويح بخطر سيطرة فئوية أخرى، تدفع باقي الفئات والطوائف إلى الذعر من أي تغيير قادم.

 

1- كتاب العلمانية- غي هارشير المدى.

2- مقالة للأستاذ ياسين الحاج صالح.

3- مقالة للأستاذ سلامة كيلة.

 

nahid51@hotmail.com

 

للتعليق على هذا الموضوع