25 أغسطس 2005

 

 

 

 

الحرية أفقٌ للجميع

نديم جرجوره

 

أن تنشر صحفٌ لبنانية وعربية مقالات نقدية لمُثقفين سوريين مُعارضين، يعني أن هاجس الحرية والبحث في المفاهيم العصرية للديمقراطية السوية طاغ على نمط الكتابة وأسلوب العمل الصحفي الآنيّ. أن يعثر هؤلاء المثقفون على منبر لبناني يناقشون فيه شؤون الساعة، بروح منفتحة ومعاينة سجالية وإدراك حقيقي لقوة الكلمة في مشاركتها الحيّة في صوغ مناخ التحرّر والانعتاق من بؤس السياسة وشقاء الأجهزة البوليسية، يعكس واقعاً حيّاً مفاده أن <<وحدة المسارين>> ليس إلغاء للطرف الأضعف، وأن <<معركة الاستقلال>> حكرٌ على الثائرين من أجلها، وأن مقولة <<الأخوّة>> نابضة بالوعي المعرفي والحسّ النقدي والسعي إلى الإطاحة بالثوابت المُهترئة والمُفرّغة من أي مضمون.

 

لا يُمكن فصل المعركة من أجل الديمقراطية والحريات العامة والفردية بسبب الجغرافيا، وبحجّة <<عدم التدخّل في شؤون الآخرين>>. إنها معركة واحدة، سواء اندلعت في بيروت أم دمشق، في بغداد أم القاهرة أم فلسطين. إنها طريق واحدة نحو استعادة المجتمع العربي من براثن الفكر الرجعي، الذي نهش طويلاً أجساد أبناء هذه الأمّة، وكاد يقضي على أرواحهم. إنها الدرب المنشود لتفعيل <<وحدة عربية>> سليمة وعصرية، تخرج من سطوة الأنظمة العربية الفاسدة التي جرّدتها من مفاعيلها الثقافية والفكرية والأخلاقية والإنسانية لحساب القمع والفوضى والتمزّق. إنها الصورة الأجمل للأخوّة العربية الأصدق: أن يلتقي المثقفون والمبدعون مواطنيهم في أي بقعة عربية، عند لحظة الصدام الحقيقي مع السلطة، في هذه المعركة المطلوبة من أجل حرية الفرد والجماعة، في الحياة اليومية والعيش الكريم والمواطنة الحقّة.

 

يستحيل فهم بعض الانفتاح اللبناني على الثقافة السورية النقدية والسجالية، إذا تمّ التغاضي عن التاريخ المشترك في المساءلة والتنقيب والمواجهة، في داخل هذا المجتمع العربي، وفي مواجهة سطوة الأنظمة وأجهزتها البوليسية. يستحيل فهم الجوهر الحقيقي لهذا المشترك العربي في التاريخ والجغرافيا والمجتمع والثقافة، إذا استمرّ البعض في رفض معاينة الآنيّ على ضوء الماضي والذاكرة، بهدف مواكبة خروج الحاضر من بؤرة الألم والانكسار إلى رحاب مستقبل مصنوع بالتعب والدم والعرق والجهاد، وهو ليس جهاد القتل والتفجير والانتحار العبثي، بل النشيد الأسلم للحياة والحرية. لهذا كلّه، تبدو العلاقة الأخوية بين لبنان وسوريا في أجمل صُوَرها، حين يتفاعل النصّ النقدي من هنا وهناك مع حركة المجتمع العربي، وحين تُكتب الكلمات من داخل الموت لإعادة النبض الحيّ إلى الجسد والروح معاً.

 

تحتاج الصحافة اللبنانية إلى هذا المُتنفّس الثقافي النقدي، الذي يصنعه مثقفون لبنانيون وسوريون وعرب. تحتاج إلى نافذة مفتوحة على الحرية، لأن جزءاً كبيراً منها استسلم للأمر الواقع، وتحوّل إلى بوق لسلطة التبعية والوصاية. تحتاج إلى مزيد من المُسَاجلة والأسئلة، كي تستعيد رونق حريتها وألق مقاومتها، بدل أن تظلّ صدى لتقرير أمني من هنا، ولأخبار الزعيم الأوحد من هناك، وللفراغ المدمِّر في المقالة والتحليل من هنالك.

 

للتعليق على هذا الموضوع