Middle East Transparent

17 اكتوبر 04

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

 

مجرد نبوءة

نبيل شـرف الدين

 

 

آهٍ يا الأصدقاء .. كم هو عذبُ وحنونُ حين يدنو من تخوم الروح .. نعم، أتحدث عنه .. عن الموت، ولا أدري لماذا استيقظت هذا الصباح يملؤني شعور ما بأنني سأموت وحيداً .. مطمئناً .. راضياً .. تبدو هذه النبوءة كواحدة من الحقائق القليلة التي أدركتها في حياتي المبتسرة، وصدقتها منذ زمن بعيد لم أعد أذكره, واليوم فقط بينما أتأهب لدخول غرفة العمليات تداعت إلى مخيلتي ترتيبات لحظة المواجهة، سأكون وحيداً حينئذ، ليس لأن أحداً لا يكترث بي فحسب, بل لأنها ستكون لحظة مباغتة، لكنها أيضاً لن تختلف كثيراً عن غيرها من اللحظات العابرة .. كما أنها لسبب أو آخر لا تتطلب أية مبررات لتحدث أو حتى لا تحدث

 

سيقول أهل العلم والأدعياء إن الموت دائماً مباغت، ولا يحتاج أبداً إلى مبررات, وبالطبع لن أدخل معهم في جدل فارغ، بل سأؤيدهم، وربما أنافقهم أيضاً، لكن فقط سألفت نظرهم بأريحية إلى أن الموت لا يأتي من الخلف أبداً, فالموت نبيلُ على نحو أو آخر، إذ يمنحنا إشارات ما, وربما يتيح لنا الفرصة لنقوم ببعض الأمور أبسطها أن نتدبر بعض تفاصيل تلك اللحظة الحاسمة، أو نستعيد ما تيسر من الذكريات والوجوه والتفاصيل, فللموت رائحة حين يدنو, ولخطواته القادمة صوبنا إيقاع ناعم، وحضور مستبد لا يحتمل أدنى خلاف أو تردد .

.....

لكن ما رأيكم لو حاولنا أن نرسم معا سيناريو تلك اللحظة، أو نرتب بعض تفاصيلها، ونرى كيف ستمضي الأمور في هذا اليوم:

خلافاً لعادتي سأنهض باكراً، وأقفز بهمة مدهشة، وأهتف بصوت عالٍ : يا الهي كم هو نهار جميل, وستخطر على بالي أغنيات عديدة سأرددها بينما أكون مستمتعاً بحمام ساخن، ولن يعكر صفو العالم أي شيء في هذا اليوم, فكل المدن والنساء منشغلة بنفسها, فلا حروب ولا مؤامرات, بل ستبرم اليوم آلاف من اتفاقيات المحبة والتآخي، وسيكون جميع حكام العالم بخير، وكل المديرين ونوابهم وكبار الموظفين وصغارهم أيضا, إقفال البورصة سيكون مناسبا للجميع, وسترتفع أسعار اسهم كل الشركات, وسيصل سعر برميل النفط إلى افضل سعر له في تاريخ اكتشاف هذا السائل الأسود الملعون, وستنخفض أسعار السلع، وسيشتري الناس كل ما يحتاجونه بأرخص الأسعار, ولن تحمل أية رسالة ورقية أو إليكترونية تكتب في ذلك اليوم شكوى أو استياء من أي شئ.

 

كل العشاق ـ خاصة العجائز المتصابين منهم ـ سيكونون مخلصين, والنساء سيكن طيبات إلى أبعد حد, والأولاد في مدارسهم, والحيوانات تعيش غرائزها بسلام, وسترتفع معدلات تكاثر كل الحيوانات المهددة بالانقراض, وتنعدم نسبة التلوث, ويغلق ثقب الأوزون تلقائياً، وسيكتشفون أول لقاح شاف لمرض الايدز, والشعراء سيعودون إلى الكتابة، والروائيون سيقتحمون عوالم ساحرة، وسيجد كل الممثلين أدوارا ترضي غرورهم, والمطربون سيغنون حتى تلتهب حبالهم الصوتية, لا مخدرات ولا جرائم ولا رشوة ولا قمع ولا سجون، ولا حتى مخالفات مرور، والأهم من هذا كله أن تصريحات الساسة ستكون اليوم صادقة, خاصة ساستنا العرب الذين سيعترفون ـ ربما لأول وآخر مرة ـ أنهم أنانيون وقساة ومنافقون, وأيضاً عاجزون عن فعل أي شيء, وأنهم متورطون في ضياعنا حتى النخاع .

.....

للموت سبعون فائدة، أبسطها أن ننسى وجوه من خذلونا في محبتهم وفي بغضهم، ملامح البيوت والطرقات التي ضاقت بنا، وكل هذا الخراب العلني والخفي، إذن فلنكن عمليين ونواصل ترتيبات تلك اللحظة الخاصة، وهندسة تفاصيلها بشئ من الخيال الممزوج بشئ من العبث، فبعد أن استحم بماء دافئ يعقبه آخر بارد، سأبالغ في التعطر, وأرتدي أبهى ما لديّ من ملابس, ثم أقوم بجولة حرة في أزقة المدينة وميادينها, فكل شيء مطمئن، الوجوه مبتسمة والنساء ساحرات (سأحزن لفجيعتهن بفقدي) .. أدرك أنها عبارة لا تليق بيوم تاريخي كيوم موتي، لكنها مجرد عبارة خطرت ببالي فكتبتها، متكئاً على ما تبقى لي من عشم في الرفاق والقراء، وفي المقهى سأحتسي ألذ فنجان قهوة، وأدخن سيجارة استثنائية, وحين أعود إلى غرفتي, سأستمع لقصيدة "عندما يأتي المساء"، وستدمع عيني في المقطع الأخير منها، وستطيح بالذاكرة تفاصيل خرافية لأمور كانت عادية ذات يوم، سأرى كل النساء اللاتي أحببتهن سراً وعلانية يتعايشن معاً في سلام، بينما أستلقي على مقعدي المفضل، وأغمض عيني، وبكل بساطة .. أموت .

.....

بعد ساعات سيقتحم خلوتي بعض الأصدقاء, سيرونني على هذه الحالة وقد علقت على وجهي ابتسامة عريضة، سيبتسمون وهم يقولون : "إنه نائم بعمق" وسيرحلون بسلام, ولأنني أشعر بلسعة برد سأنهض من موتي لأحضر غطاء، وسيعود الأصدقاء مجدداً ليروا ذات الابتسامة والغطاء يلفني, سيقول الطيبون منهم : "لابد أنه شعر بالبرد وهو نائم، لنتركه يتابع نومه", وسأصرخ بهم "يا أصدقائي .. أنا ميت .. ميت"، لكنهم لن يسمعوا, وسيزعجني أن أرى أحد الأشرار منهم ينتهز فرصة نومي ليسرق كتاباً نادراً طالما رفضت إعارته إياه، وسأنهض من موتي مرة أخرى أصنع فنجان قهوة .. أشرب بعضاً منه بهدوء, والتهم كسرة خبز وقطعة جبن، وأعود للموت ثانية, وسيعود الأصدقاء ليروا بقايا الخبز والجبن, وتلك الابتسامة العالقة على وجهي .. وربما يتساءلون هذه المرة : "ماذا به هذا الرجل, لابد انه مجهد للغاية, إنه يأكل وينام، لندعه وشأنه, فمنذ قرون لم ينم هكذا", بينما ذات الصديق الشرير يعبث بمكتبتي، ويسرق المزيد من الكتب، سأنهض من موتي مستاء جداً, ليس بسبب الصديق اللص، بل لأنني عاجز حتى اللحظة عن وسيلة لإقناعهم بأنني ميت ليدفنونني ولينتهي الأمر, فقد أبقى على هذا الحال دهراً, وفجأة لمعت في رأسي فكرة .. أن القي بجسدي المثقل بأكوام الشحم والأوجاع من شرفة في الطابق العشرين، وبالطبع سأراعي ألا يكون هناك أيُ من المارة في الطريق.

 

حينئذ فقط، سيعرفون أنني متّ. سيقولون بحزن لا يخلو من بعض الادعاء، وربما يكتب بعضهم: "انتحر لأسباب مجهولة، وفي ظروف غامضة"، لكن سيبقى هناك ثمة من يعرف جيداً أنني لم أفعلها، بل كانت مجرد طريقة مبتكرة ـ وربما مزعجة ـ لإذاعة النبأ .

دعواتكم .. صديقكم الآن يرقد بسلام في غرفة بيضاء .

 

Nabil@elaph.com

 

للتعليق على هذا الموضوع