24 سبتمبر 2005

 

بارونات الصحافة الجدد وانتخابات النقيب

نبيل شرف الدين

 

 

لم يجرؤ أي من بارونات الصحافة الجدد في مصر، الذين حملتهم مؤخراً "رافعة  السلطة" المسماة بلجنة السياسات في الحزب الوطني الحاكم، أن يتقدم للترشيح لمنصب نقيب الصحافيين، وهذا أمر يستحق بعض التأمل في أسباب إحجام كل رؤساء تحرير الصحف المصرية الحكومية عن التصدي للشأن المهني، من خلال المظلة الكبرى ممثلة في "نقابة الصحافيين"، ولعل أول ما قد يتبادر للذهن من أسباب يسوقها هؤلاء "البارونات الجدد"، أنهم مشغولون بمهام مناصبهم، ويريدون إثبات جدارتهم بها، وهنا يبرز سؤال آخر عن الجهة التي سيتوجه إليها هؤلاء القادة لطلب صك الجدارة، وشهادة الصلاحية .

هل هو القارئ، باعتبار أن الصحافة هي "صوت الناس"؟ أم أنها "رافعة السلطة" التي حملتهم على جناحها، وتجاوزت كثيرين ممن هم أجدر بتلك المواقع منهم؟

المنطق يرجح الخيار الثاني، وبالتالي فإن السياق الذي ستمضي فيه الأمور سيؤدي بالضرورة إلى أروقة السلطة بشتى مسمياتها، وبالتالي لا ينبغي أن نتوقع أن تخرج (الصحافة القومية) عن سمعتها التقليدية كبوق للسلطة، بل على العكس ستمعن ـ وفق اجتهادات متباينة ـ في لعب دور "صوت الحكام الجدد"، وهذا بلا شك أمر يمس طبيعة المهنة التي لا تتناطح عنزتان أنها "صوت الناس" أو هكذا نظن، لكن لأن هؤلاء الناس في بلادنا لا يملكون من أمرهم الكثير، وليس بوسعهم اختيار حتى "رئيس الحي"، فإنهم لن يفعلوا أكثر من هجر مضاجع تلك الصحافة (القومية)، والتوقف تلقائياً عن تعاطيها دون توجيه من أحد، لصالح الإقبال على صحافة أخرى نمت خارج رحم السلطة، هي الصحافة الخاصة التي تملكها شركات لا صلة لها بالحكومة، ومهما شابت تجربة هذه الصحف من مثالب أو مآخذ، فإنها تنمو وتصبح يوماً بعد الآخر أكثر جاذبية لقطاع عريض ومهم من القراء وهم الشباب، ففيها متنفس لإحباطاتهم، ولغة هذه الصحافة الجديدة في مصر أقرب إلى وجدان الشباب وذائقتهم، بينما تبدو "الصحافة القومية" مثل السلحفاة، قد تعمر دهوراً، لكنها لا تقطع مسافة بين قريتين، فضلاً عن أنها أصبحت منفرة، خاصة مع تنامي مساحة النفاق الفج المثير للغثيان الذي تصر على نشره في تحدٍ يثير الدهشة لرفض القارئ، أي قارئ من أي مستوى، لهذا الابتذال والترخص في نفاق السلطة ومظاهر هذا أكثر من أن تحصى وأوضح من أن يحتاج المرء إلى دليل لإثباتها، إذ تكفي نظرة عابرة على ما تنشره الصحف الثلاث الكبرى في مصر، ليكتشف المرء أنها تتوجه إلى قارئ واحد .. هو الحاكم.

وهو ما يعني ببساطة استمرار المدرسة التعبوية الدعائية، فمعظم الذين اختيروا لتولي مسؤولية المؤسسات الصحافية لديهم استعداد لتلقي تعليمات السلطة وتنفيذها فوراً دون أدنى تردد، ولعلنا لا نذيع سراً هنا حين نشير إلى تلقي البارونات الجدد رسالة واضحة ممن أتوا بهم، مفادها أنهم مازالوا في مرحلة "تحت الاختبار"، وسيتم تقييم أدائهم في ضوء مدى نجاحهم في خدمة حملة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، ولعل هذا يفسر سبب تقدم أداء التلفزيون الحكومي ـ رغم فجاجته

وتخلفه وبلشفيته ـ على أداء الصحافة في الانتخابات الرئاسية، وحقيقة ما حدث أن التلفزيون لم يتقدم، بل الصحافة هي التي تراجعت على نحو مخجل، تحولت معه إلى مجرد منشورات دعائية زاعقة لمرشح الحزب الحاكم.

ثلاثي المنافسةحين قرر الحكم النظام المصري تحسين صورته قبل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بدأ بتغيير القيادات الصحافية الذين استقر معظمهم في مواقعهم نحو ربع قرن، لكن ما حدث أن البارونات الذين أتى بهم بدلاً من الراحلين، لا يمكن للمرء أن يتوقع معهم أي أمل في تغيير جاد، بل لعلنا لا نبالغ حين نراهم مثقلين بكل الأمراض التي كانت تنخر أسلافهم، إضافة إلى أمراضهم الخاصة، التي يتصدرها الإحساس بالدونية والضآلة، سواء على الصعيد المهني أو السياسي، ولعل هذا الأمر كان مقصوداً من قبل من حملهم على جناحيه، وألقى بهم على مقاعد أوسع كثيراً من أوزانهم، ولهذا لم يجرؤ أي منهم على خوض معركة نقيب الصحافيين، ليس فقط لأنهم مشغولون كما أشرنا في البداية بتأمين مواقعهم، بل لأنهم يدركون تماماً أن معركة من هذا النوع من شأنها أن تكشف ضآلة حجمهم أو حقيقتها .

وبالتالي فإن الذين تقدموا هذا العام لخوض انتخابات نقيب الصحافيين" ليس بينهم أي من بارونات الصحافة، فباستثناء إبراهيم حجازي رئيس تحرير أسبوعية "الأهرام الرياضي"، ومصطفى بكري الذي يرأس صحيفة "الأسبوع" الخاصة، ود. أسامة الغزالي حرب الذي يرأس دورية "السياسة الدولية" التي تصدر كل ثلاثة شهور، فإن بقية المرشحين العشرة بمن فيهم النقيب الحالي جلال عارف فهم خارج مناطق النفوذ الصحافي والسياسي، وهو ما يشي بدلالة مهمة وربما مفيدة أيضاً، وهي انحسار دور السلطة في اللعبة المهنية، وبالتالي ستكون المعركة في ملعب الصحافيين، لا ينازعهم الأمر سوى ضمائرهم، ولكن الحاصل أن حالة من التخبط في معايير الاختيار لم تزل قبيل ساعات على إجراء الانتخابات تسود وسط قطاعات واسعة من الصحافيين، التقيتهم وسمعتهم وناقشتهم، وبدت مساحات الحيرة واضحة في إرساء العطاء لصالح أي من المرشحين، وإن كانت فرص الثلاثة الذين أشرنا إليهم تظل الأكبر، بل ربما انحصرت المنافسة بينهم، لأن ثلاثتهم لديه ما يقدم نفسه به، فبكري أصر منذ اللحظة الأولى لإعلان ترشيحه على تأكيد عدم خوض المعركة انطلاقاً من خطابه السياسي الحاد، بل على خلفية مهنية، تسعى إلى ملاحقة الفساد في الوسط الصحافي، ثم أطلق رصاصة معركة مثيرة في ساحة "الأهرام" كبرى المؤسسات الصحافية حين هاجم رئيسها السابق إبراهيم نافع، وكال له اتهامات انتقلت من صفحات الصحف إلى ساحات القضاء، وإن ظلت نهايتها مفتوحة على كافة الاحتمالات، لكن لا يتوقع كثيرون أن تمتد لأبد من ذلك، فالتكهنات بغلقها في الوقت المناسب هي الأقرب للواقع.

أما أسامة الغزالي حرب، فعلى الرغم من كونه عضواً بارزاً في "لجنة السياسات" التي يرأسها جمال مبارك، لكنه أفلح في تقديم نفسه كشخصية مستقلة على الأقل في ما يتصل بحرية الرأي، إذ أعلن صراحة ومراراً معارضته للتعديل الدستوري الأخير، الذي ترتبت عليه قوانين انتخابات الرئاسة وغيرها من التشريعات الحاكمة.

يبقى إبراهيم حجازي، وهو وكيل النقابة الحالي، ويحظى بقبول جيد بين الصحافيين على المستوى الشخصي، رغم أن هناك من يصنفه تحت راية السلطة، لكن أنصاره يتساءلون ساخرين: ومن هو الذي لا تظله راية السلطة من بين كل منافسيه ؟،

ويتطوعون بالرد المفحم: "إنهم جميعاً وبدرجات متفاوتة أبناء النظام، يرضعون حليبه كل صباح، وينامون في فراشه كل ليلة"، وهذه ـ من دون أسف ـ حقيقة لا ينكرها سوى مكابر أو مراوغ أو من كان في عينيه قذى .

وأخيراً، ورغم كل هذا الالتباس في المشهد، فإن انتخابات نقيب صحافيي مصر هذه المرة تبدو مختلفة عن سابقاتها، وتستحق أن نترقب نتائجها بكل شغف.

 

للتعليق على هذا الموضوع