Middle East Transparent

10 نوفمبر 04

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

 

أبو عمار .. المسيح أم يهوذا

نبيل شرف الدين

 

هنا في القاهرة أربعة أماكن يحمل "أبو عمار" تجاهها ضعفاً إنسانياً لا يحاول حتى إخفاءه، المكان الأول هو حي "السكاكيني" الشعبي وسط القاهرة، الذي شهد سنوات طفولته المبكرة، وملاعب صباه، والمثير أن هذا الحي متاخم لحي "الظاهر"، الذي كان أحد الأماكن المفضلة لليهود المصريين قبل أن يجبروا على الرحيل ولا يفصل بين الحيين سوى باقة من الفيلات والقصور التي كانت عامرة ذات يوم، قبل أن ينتزعها العسكر من أصحابها الذين كانوا نجوم مصر الليبرالية، أما المكان الثاني الذي يحمل "الختيار" له حنيناً خاصاً فهو مبنى كلية الهندسة في جامعة "فؤاد الأول" التي أصبح اسمها جامعة القاهرة، حيث تخرج فيها شاباً يافعاً ربما كانت أحلامه تنحصر في العثور على فرصة عمل لدى إحدى شركات المقاولات، ثم يأتي أخيراً شارع الشريفين في قلب القاهرة، حيث كان ـ ومازال ـ يقع مقر الإذاعة المصرية القديم، وتحديداً تلك الغرفة التي كان يتم من خلالها بث "إذاعة العاصفة"، التي أصبح اسمها لاحقاً "صوت فلسطين"، وأخيراً يأتي شارع العروبة، الذي تغير اسمه عدة مرات، من طريق المطار، إلى شارع صلاح سالم، حتى استقر على اسمه الحالي "شارع العروبة"، وبه يقع "قصر الأندلس"، وهو منزل عرفات الذي طالما صرح أنه يأمل أن يقضي آخر أيامه به، يعتني بحديقته الصغيرة، ويشرب الشاي المعد على الحطب مع البسطاء، الذين كان عرفات منحازاً إليهم بصورة فطرية، ربما لأنه نشأ في كنف أسرة منهم .

 

ومن المكان إلى الزمان، وتحديداً نهاياته التي تحمل اسماً بغيضاً هو "الموت"، وقصة "أبو عمار" مع الموت تختزل حكاياته مع الحياة في آن واحد, فقد طارده شبح الموت طويلاً  دون أن يتمكن منه, سواء في أيلول الأسود عام 1970 بالأردن، مروراً بجنوب لبنان منذ 1969 وحتى اشتعال الحرب اللبنانية في العام 1975، ظلت حياته سلسلة من مصادفات النجاة من موت محقق, وفي الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 طاردته الطائرات الإسرائيلية من منزل إلى منزل، ومن بناية إلى أخرى، بينما كان لا ينفك ساخراً منها وهو يتجول في سيارة أجرة، أو ينام عند أحد المنعطفات, بينما دمرت طائرات شارون مئات المنازل، وقتلت مئات الأبرياء، ورغم كل ذلك كان يمكن للصحافيين الأجانب والعرب أن يلتقوه كل صباح مبتسماً بكامل أناقته، ومعتمرا كوفيته الشهيرة، متحدياً تلك القوة الغاشمة التي خذلت قائدها شارون، وأجهضت أمنيته بقتل خصمه اللدود، حتى غادر "أبو عمار" بيروت ملوحاً بشارة النصر مردداً عبارة "يا جبل ما يهزك ريح"، ومؤكداً أنه ترك المدينة نزولاً على رغبة أهلها وأهله، وليس خوفاً من دبابات شارون وقاذفاته .

 

وفي مستهل تشرين الأول من العام 1985 دمر الطيران الإسرائيلي مقره في تونس، ونجا عرفات عندما عاد أدراجه بينما كان في طريقه إلى المكتب لحظة بدء الغارات عليه، وفي 1991، وفي أوج أزمة الخليج، انقلبت السيارة التي كانت تقله عدة مرات على الطريق بين عمان وبغداد، ونجا "أبو عمار" أيضاً، وفي 1992، تحطمت الطائرة التي كانت تقله في الصحراء الليبية، وكان هو الناجي الوحيد من ذلك الحادث الذي لا ينجو منه أحد عادة .

 

أساطير وخرافات

اليوم. وهناك في "رام الله"، لم يعد عرفات إليها بابتسامته وقبلاته معتمراً ذات الكوفية، بل جثة أنهكتها مباضع الجراحين يلفها علم فلسطين، بعد أن منعه شارون من الانتقال منها إلى غزة أو خارج الأراضي الفلسطينية، كما حال شارون أيضاً دون تحقيق وصيته بدفن جثمانه في رحاب الأقصى، لكنه لم يتمكن من اغتيال حضور عرفات الطاغي حتى في موته، كما سبق أن فشل حين قصف مكتبه في غزة، لكنه لم يجبره على تبديل عاداته وتقاليده ومشيته وحتى عباراته المأثورة، وظل يردد في كل مرة تمكن فيها من إدارة وضع متأزم لصالحه "إنني مثل طائر الفينيق الذي ينبثق مجددا من الرماد" ، حتى أوشك أن يظن البعض أن عرفات كائن أزلي، باق إلى الأبد، ولا يموت غيب الموت تاريخا حافلاً بكل شيء يخطر للمرء على بال، أو حتى لا يخطر، ففي حياة "الختيار" حزمة أسرار يلتف بعضها على بعض كثعبان هندي, ومع انه واحد من اكثر شخصيات العالم حضوراً في وسائل الإعلام، ورغم أن أجهزة الاستخبارات الدولية طالما انكبت لسنوات طويلة على معرفة حتى أدق تفاصيل حياته، إلا أن الكثير من الغموض ما يزال يلف زوايا ظليلة في شخصيته المثيرة والقلقة, ويكاد يختلف الباحثون حتى على اسمه واسم عائلته وأصولها, ولهذه الأسباب مجتمعة نسجت حوله عشرات الأساطير ومئات الخرافات .

 

وهكذا على مدى أربعين عاما من مسيرته ظل "أبو عمار" قادرا على النهوض واثبات وجوده على الساحة متجاوزاً كل العقبات دفاعا عن حق شعبه في الاستقلال وتقرير المصير، لكن، ومع كل ذلك التاريخ الطويل، إلا أنه في لحظة الغياب الجليلة، لا يحتمل الأمر لغواً حول مشاكل (ذات البين) .. ففي هذه اللحظة تتجسد صورة عرفات كما رسمها عبد الرحمن الأبنودي قبل أكثر من ثلاثة عقود، وترنم بها "العندليب" في رائعته المغيبة عمداً "المسيح" :

تاج الشوك فوق جبينه .. وفوق كتفه الصليب

دلوقت يا قدس ابنك زي المسيح غريب .. غريب

 

طوق النجاة

ونبقى مع ياسر عرفات، واسمه الحقيقي محمد عبد الرحمن, والده: عبد الرؤوف, عائلته: القدوة, أما ياسر عرفات فهو اسمه الحركي الذي التصق به، وأبو عمار كنيته, ولد في اليوم الذي هاجم فيه أهالي الخليل الحي اليهودي في المدينة, وحينما كان عمره 17 عاماً انضم عرفات إلى المجموعات الفلسطينية المسلحة التي كانت تقاتل ضد قيام دولة إسرائيل، وشارك في معارك 1947 و1948 ومن ثم في أول حرب بين العرب وإسرائيل في 1948، وعقب نهاية الحرب مباشرة عاد عرفات إلى القاهرة ليتخرج من جامعتها مهندساً، ثم سافر للعمل في الكويت حيث أسس هناك منظمة التحرير الفلسطينية "فتح" في العام 1959، وفي فبراير من العام 1969 أصبح أبو عمار رئيسا لمنظمة التحرير الفلسطينية، وأضحى نجماً شهيراً على الساحة الدولية بكوفيته الشهيرة التي يعقدها على شكل خارطة فلسطين، وبزته العسكرية الخضراء التي لا يضع عليها رتبة محددة، لأنه ببساطة كان يرى نفسه أكبر من كل الرتب .

 

وانتقل "أبو عمار" من الخصومة الشديدة إلى التحالف الوثيق مع الكثيرين من القادة العرب الذين عاصرهم مثل الملك الحسين وحافظ أسد وجمال عبد الناصر وحتى صدام حسين الذي ظل عدوه اللدود، واحتضن أول تشكيل لجبهة الرفض الفلسطينية في بغداد منذ العام 1974 ودعم قبل ذلك أخطر انشقاق تعرضت له فتح بقيادة صبري البنا (ابو نضال) الذي قام بسلسلة عمليات اغتيال بدعم من صدام، طالت الكثير من القيادات الفلسطينية المحسوبة على عرفات والذي لم يقصر هو الآخر بل قام بالرد عبر اغتيال الكثير من سفراء العراق في دول العالم .

 

أما قصته مع مصر فهي طويلة، وتشبه كل حكايات العشق بما تحويه من مد وجزر، ومن أشواق وخصومات، فلم يكن يكترث للانتقادات الموجهة إليه باستخدام اللهجة المصرية، لأنه ببساطة رضعها، ومع ذلك قاد عرفات مع صدام حسين وغيره من أشاوس "الصمود والتصدي" تحركاً لعزل مصر بعد أن وقع السادات اتفاقيتي كامب ديفيد، وجرت في النهر مياه كثيرة ليصل "الختيار" إلى  محطة التنسيق الكامل مع القاهرة التي أعادته إلى مائدة المفاوضات في مؤتمر مدريد وما أعقبه من مؤتمرات وخطط سلام، رغم اتصالاته مع الإسرائيليين في اوسلو، من وراء ظهر مصر، لكنه عاود التنسيق مع مصر في كل ما يتصل بعملية السلام، بعد أن أدرك حقيقة بسيطة مؤداها أن مصر هي الوحيدة التي لا تحمل أجندة خاصة في الشأن الفلسطيني، بل غاية ما تطمح إليه هو تحقيق الأهداف الفلسطينية، من دون استخدامها كورقة في سياستها الإقليمية، لأن العقيدة المصرية كانت ولم تزل منذ الفراعنة حتى اليوم ترى استقرار غزة وكل فلسطين، مسألة أمن قومي مصري، ومهما كانت الخلافات أو التحفظات على هذه القراءة العابرة للأحداث الجسام التي كان "أبو عمار" طرفاً فيها دائما، لكن يبقى الأمر الثابت الآن أن خصوم عرفات وأصدقاءه يتفقون على أنه استمد مكانته من شخصيته القوية الجذابة، وإخلاصه لقضيته ، فضلاً عن حدسه الذي أتاح له التغلب على سلسلة طويلة من المؤامرات السياسية .

 

باب النهار

حطت الحرب الباردة أوزارها، وتبدلت ملامح كل المشاهد. الدولية منها والإقليمية والمحلية، وإثر معاهدات السلام التي أبرمتها مصر والأردن، وما ترتب على كل هذه المتغيرات من نتائج ، أعلن "أبو عمار" تخليه عن الخيار العسكري ، ومع انطلاقة الانتفاضة الأولى التي كان محركها وموجهها في 1987، اتجه عرفات إلى التفاوض مع إسرائيل، وفي 1988 أعلن إدانته للإرهاب بعد اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بحق إسرائيل في الوجود .

 

وفي 1993، وقع في البيت الأبيض اتفاقات اوسلو التي نصت على إقامة الحكم الذاتي الفلسطيني. وبفضل هذه المبادرة التي غيرت مسار الأحداث في الشرق الأوسط ، حصل عرفات مع رئيس وزراء إسرائيل الراحل اسحق رابين ووزير خارجيته حينذاك، شيمون بيريز على جائزة نوبل للسلام .

 

وعاد عرفات مظفرا إلى الأراضي الفلسطينية في تموز (يوليو) من العام 1994 بعد سنوات طويلة في المنافي العربية المختلفة ، وانتخب رئيسا للسلطة الفلسطينية، حتى جاء ظهور ابن لادن خلال ساعة واحدة من الهجمات الحمقاء على المدن الأميركية أفسدت على عرفات سنوات من النضال، قفز شارون على موجة الإرهاب، محاولاً تصوير "أبو عمار" على أنه "ابن لادن"، وسلطته باعتبارها "طالبان"، لكن أحداً لم يصدق شارون. لا في الشرق ولا في الغرب، ورغم ذلك أبى "البعض منا" إلا أن يضع عرفات في مأزق. ويبدو أننا نحن دائماً القادرون على خذلانه، وهكذا وجد نفسه معرّضاً لضغوط من كل حدب وصوب. من مقربين في دائرته الضيقة، ومن محيطه العربي، ومن الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، فضلا عن روسيا والصين .. ضغوط لا تحتمل ولم يكن أمام الرجل من خيارات سوى الموت. لكن شارون أصر إلا أن يخوض معركته الأخيرة للنهاية .. واشتدي أزمة تنفرجي، وهاهو النهار قادم "شاء من شاء وأبى من أبى" .. وستكون سيرة "أبو عمار" حاضرة على أبواب ذلك النهار المرتقب :

يا شعب يا واقف على ابواب النهار

قربت بصمودك طريق الانتصار

وزرعت من تاني الأمل في كل دار

واتجمعت كل الأيادي

من كل بيت طلعت تنادي

على الطريق .. وتقول بلادي

بلادي .. بلادي .. بلادي

 

رجل وأمة

وكما أسلفنا، قد نختلف مع شخص "أبو عمار" وسيرته، وربما يعدد بعضنا حسناته وسيئاته .. مكاسبه وتنازلاته، لكن في هذه اللحظة التي نلقي عليه النظرة الأخيرة، لا يمكن إلا ان نكون جميعاً مع "أبو عمار" الرمز والقضية .. ولا ينبغي إلا أن نلتف حول هذا الرجل .. نحمله في قلوبنا وعيوننا وضمائرنا .. وننسى أي خصومة معه. لسبب بسيط أنها خصومة أهل. خصومة مع أخ أو عم أو خال أو حتى جار. ولأنه لم يعد مهماً شخص عرفات. فالأهم هو ما يمثله ويجسده من آمال وهموم لهذه الأمة، التي أعارته ملامحها. صار رمزاً حتى لو كرهناه، ولم يعد عبئاً أو مكسباً فلسطينياً فحسب، بل أصبح تجسيداً إنسانياً لأمة بأسرها. محاصر مثلها. مريض مثلها. مراوغ مثلها. مسكين مثلها. مقهور مثلها. متناقض مثلها. منكسر القلب مثلها. عنيد مثلها .

 

وأخيراً، ومع التسليم بأنه لا حيلة في الرزق، ولا شفاعة في الموت، لكن رحيل "أبو عمار" أصبح صعوداً. ووعداً مقدساً بالعودة. وكلمة حق قيلت في وجوه كل الظالمين. وعبر كل الأزمنة. الحلوة منها والرديئة، ولن تموت روحه ولا كلمته بل ستبقى مادام الحق مغتصباً :

يا كلمتي لفي الدنيا طولها وعرضها

وفتح عيون البشر ع اللي حصل على أرضها

على أرضها طبع المسيح قدم

على أرضها نزف المسيح ألم

في القدس .. في طريق الآلام

 

نقلاً عن "إيلاف"

 

 

للتعليق على هذا الموضوع