4 يوليو 2005

 

الدلالات السياسية والرمزية لتعيين حسن أوريد على رأس ولاية جهة مكناس تافيلالت

مصطفى عنترة

 

ما هي دلالات تعيين حسن أوريد على رأس ولاية جهة مكناس تافيلالت؟ ولماذا هذه الجهة بالذات؟ وكيف يقرأ المتتبعون للشأن السياسي هذا التعيين؟ وما هي العوامل التي كانت وراء انتقال "ابن الراشيدية" من منصب الناطق الرسمي باسم القصر الملكي إلى منصب والي جهة مكناس تافيلالت ؟ الورقة التالية تحاول ملامسة هذه الأسئلة وغيرها في أبعادها المختلفة.  

 

عرفت الحركة الأخيرة لسلك الولاة والعمال بروز اسم حسن أوريد الذي عين على رأس ولاية مكناس تافيلالت، وهو التعيين الذي أعطى لهذه الحركة ثقلها الإداري والسياسي لكونه شكل الحدث إلى جانب تعيين مماثل خص محمد القباج المستشار الملكي السابق على رأس ولاية الدار البيضاء. وقد اختلفت قراءات المتتبعين للشأن العام ببلادنا حول دلالات هذا الحدث.

بداية وقبل الوقوف عند الدلالات السياسية والرمزية لحدث تعيين "ابن الراشيدية" على رأس جهة مكناس تافيلالت لابد من إلقاء الضوء على بعض المحطات الأساسية في مسار هذا الرجل.

 

ــ دلالـة الحـدث:

استوقف تعيين أوريد في منصبه الجديد كل متتبع لشأن الإدارة الترابية أكثر من زميله محمد القباج على اعتبار أن هذا الأخير سبق له أن شغل مهام وزارية في قطاعات الأشغال العمومية، المالية والاقتصاد وإدارة مؤسسة "لافارج"..، إضافة إلى أنه حمل في فترة سياسية معينة قميص الاتحاد الدستوري، أما الثاني فمساره مختلف تمام الاختلاف عن الأول، والأكثر من ذلك أنه لا يملك "بروفيلا" يؤهله لشغل مثل هذه المهمة.

لقد سبق لإدريس البصري وزير داخلية الحسن الثاني أن استدعى حسن أوريد بعيد دخول هذا الأخير إلى أرض المغرب إثر خلافه مع محمد بنعيسى سفير المملكة المغربية بواشنطن آنذاك، وقد عرض عليه ـ حسب مصادر مطلعة ـ الاشتغال بديوانه الذي كان يضم بعض رفاق الملك في الدراسة كفؤاد عالي الهمة وياسين المنصوري على اعتبار أنه كان معجبا بمؤهلاته العلمية وكفاءاته التقنية، لكـن أوريد اعتذر عن قبول هذا العرض مفضلا الاشتغال في حقل الإعلام والثقافة، حيث كانت مقالاته باللغتين العربية والفرنسية تظهر في بعض المنابر الإعلامية كـ "لوجورنال" و"الشرق الأوسط"، "الحياة اللندنية"..إضافة إلى أنشطته الثقافية والعلمية داخل مركز طارق بن زياد الذي لازال يديره، فطبيعة هذا الرجل جعلته يرفض بطريقته الخاصة الاشتغال داخل مصالح الداخلية، إلا أننا نجده اليوم قد أسندت له مهمة "الحاكم" الجديد على جهة مكناس تافيلالت، فما هي إذن، الدلالات التي تحملها هذه الجهة؟

 

ــ دلالات الجهـة:

أول خطوة قام بها الوالي الجديد هي تقديم العزاء لأسرة الدركي الذي سقط في الأيام الأخيرة بالمنطقة من قبل بعض تجار المخدرات.. وعلى الرغم من كون ساكنة المنطقة قد استحسنت بقوة هذه الخطوة معتبرة إياها إشارة واضحة فإن المقربين من "ابن الراشيدية" لا تثيرهم مثل هذه الخطوة على اعتبار أنها تدخل في صميم سلوك وأخلاق هذا الرجل.

تمتد جهة مكناس تافيلالت على مساحة شاسعة، تقدر  مساحتها بـ 79.210 كلم2، أي ما يناهز 11,1% من مجموع المساحة الوطنية، وتتكون الجهة من 3 أقاليم : خنيفرة وإفران والرشيدية و ولاية مكناس التي تضم عمالتي المنزه والإسماعيلية وإقليم الحاجب،  حيث تلمس الأزمة الاجتماعية الخانقة والأزمة الاقتصادية الهيكلة الحادة بشكل واضح على ساكنة هذه الجهة التي تعرف بعض مواقعها إقصاء واضحا من مشاريع التنمية، أكثر من ذلك تشهد مواقعها ارتفاعا مهولا لظاهرة الإجرام والاتجار في المخدرات والعنف والتطرف بألوانه المختلفة وأيضا تفشي الدعارة والفقر المدقع وما شابه ذلك من الأمراض الاجتماعية الخطيرة..

 ونعتقد أن "ابن الراشيدية" الذي ليس غريبا عن هذه المنطقة  يعي حقيقة مشاكلها البنيوية لا سيما وأنه ما فتئ يقوم بمحاولات جبارة من أجل فك العزلة عن ساكنتها سواء عن طريق تدخلاته الخاصة لحل بعض الملفات الإجتماعية أو عن طريق التظاهرات الثقافية التي ينظمها هناك، كما هو الحال بالنسبة لمهرجان موسيقى الأعالي بإملشيل، حيث شهدت دورة السنة الماضية حضور وزراء وشخصيات ديبلوماسية وممثلي وسائل الإعلام الوطنية والدولية، وكذا مهرجان موسيقى الصحراء الذي يشهد بدوره حركة تستفيد منها منطقة الريصاني..، فضلا عن التظاهرات الأخرى المنظمة بالراشيدية وميدلت.. والتي يحاول من خلالها المساهمة في فك طوق العزلة عن بعض المواقع اعتبارا لجدلية الثقافي والاقتصادي.

إن الاعتراف بالأمازيغية ليس مطلبا سياسيا فحسب بل اجتماعيا واقتصاديا بالدرجة الأولى، ذلك أن المناطق التي تنطق أهاليها بالأمازيغية لم تحرم فقط من التعبير الحر بلسانها، إذ امتد الأمر إلى تهميشها وإقصائها من التنمية وإرغامها على البقاء في مجال المغرب غير النافع.. وهكذا فحسن أوريد خدم الأمازيغية سياسيا انطلاقا من موقعه كإعلامي وباحث ومثقف، ثم كناطق رسمي باسم القصر الملكي، وهو اليوم مدعو إلى خدمتها اجتماعيا واقتصاديا كوالي أو "حاكم" لجهة توجد بها رقعة شاسعة تنطق ساكنتها بالأمازيغية وذلك من خلال تعبيد الطرق، إدخال الماء والكهرباء، خلق المرافق الحيوية، محاربة لوبيات الفساد والإفساد..أي بكلمة مركزة تنمية الجهة.

 

ــ دلالات الشخص:

من أب صحراوي و أم أمازيغية، ازداد حسن أوريد  بالراشيدية  في 24دجنبر 1962، حصل على الإجازة في القانون العام ، حيث اختار "الفكر السياسي عند ابن خلدون كموضوع لبحث الإجازة، وعلى دبلوم الدراسات العليا حول موضوع "مساهمة في دراسة التعاون المغربي الإفريقي"، ودكتوراه في العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط عام 1999حول" الخطاب الاحتجاجي للحركات الاسلامية  والأمازيغية في المغرب".

 خلافا لباقي زملائه اختار حسن أوريد العمل في الخارجية  لفترة معينة زمن تولي عبد اللطيف الفيلالي مسؤولية وزارة الخارجية والتعاون، حيث تقلد منصب مكلف بالدراسات من 1988إلى 1992 ،ثم انتقل إلى واشنطن للعمل بسفارة المملكة المغربية  كمستشار سياسي هناك من 1992 إلى 1995، كما شغل منصب مدرس بالمدرسة الوطنية للإدارة..

وقد ساعده موقعه في الولايات المتحدة الأمريكية على  نسج شبكة واسعة من العلاقات.

عرف أوريد بكونه رجل الفكر والمعرفة داخل الحلقة الضيقة لزملاء الملك في الدراسة، استطاع في ظرف وجيز أن يصبح من أعلام الثقافة ببلادنا، كما استطاع عبر مركز طارق بن زياد أن يساهم في تنشيط الساحة الثقافية وأن يستقطب مجموعة من الأسماء الوازنة الوازنة التي نجدها في كل الأنشطة التي ينظمها المركز، فضلا عن مشاركته القيمة في العديد من التظاهرات الدولية آخرها المنتدى الدولي حول "الثقافة الأمازيغية" والمنظم من قبل المعهد الأوربي المتوسطي بإسبانيا.. أيضا الدور الهام الذي أضحى يقوم به مركز الدراسات والأبحاث الصحراوية الذي أسسه قبل سنتين بميدلت.

صاحب رواية "الحديث والشجن" وله مشاريع أدبية في هذا الباب، ومؤلف كتاب "الإسلام والغرب والعولمة"، وآخر يحمل عنوان "خريف السعار" تحت اسم المدني بوحمالة، أيضا هو من ترجم من الإنجليزية إلى العربية مؤلف "الفكر السياسي في إيران"، فضلا عن مجموعة من الدراسات التي صدرت له في منابر مختلفة..

ينتمي لهيأة تحرير مجلة "مقدمات"، وكاتب رأي بأسبوعية "لافي إيكونوميك"..

يعد من تلاميذة المفكر محمد شفيق الذي سبق له أن تولى إدارة المعهد المولي، لعب دورا في عملية التفاوض مع محمد شفيق إبان التهييء لصدور "بيان بشأن ضرور الإعتراف الرسمي بأمازيغية المغرب"، ثم عين عضوا باللجنة الملكية( مزيان بلفقيه، عبد الوهاب بنمنصور، رشدي الشرايبي) التي كلفت بوضع أسس مشروع المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، لكن، ربما، دسائس المحيطين بالقصر قد تكون أبعدته عن هذا المجال خاصة وأن تصوره لوضع وإدارة هذا الملف الشائك لم يؤخذ بها.. لكن بعد الفراغ الذي خلفه تراجع محمد شفيق بسبب وضع الصحي.. وأزمة البديل التي طرحها داخل هذه المؤسسة الملكية، تم اقتـراح اسم أوريد لخلافـة شفيق على رأس المعهد خاصة وأن هذه المهمة لا تشكل حالة تنافي مع منصب الناطق الرسمي باسم القصر الملكي، وقد قوبل  حينها هذا الاقتراح باستحسان العديد من الفاعلين داخل الحركة الثقافية  الأمازيغية على اعتبار أن "ابن الراشيدية" يعرف جيدا هذا المجال.

 

ــ دلالات التـعيين:

اختلفت القراءات الأولية لحدث تولي رفيق الملك في الدراسة مسؤولية جهة مكناس تافيلالت، بين من استحسن هذا التعيين ومن تحفظ على دوافعه.

 الفريق الثاني يرى أن طبيعة "بروفيل" ابن الراشيدية لا يؤهله لتولي المسؤولية داخل الإدارة الترابية، ذلك أن الرجل معروف باشتغاله في مجالات معينة كالإعلام والثقافة والديبلوماسية، فهو يمتلك كل المؤهلات التي تساعده على القيام بكل المهام التي قد تسند له في هذا الإطار بدءا من إتقانه لبعض اللغات الحية، فضلا عن العربية والأمازيغية وانتهاء بثقافته العصرية وديبلوماسيته المتطورة، مرورا بشبكة علاقاته الواسعة داخل المغرب وخارجه.

ومن هذا المنطلق يرى هذا الفريق أن هذا التعيين يشكل ضربة له من حيث الرمزية التي كان يمثلها منصب الناطق الرسمي باسم القصر الملكي داخل الدائرة الملكية. ولا يستبعد ـ حسب ذات الفريق ـ أن تكون دسائس المحيطين بالملك قد لعبت كالعادة لعبتها المفضوحة في هذا التعيين أملا في تقوية نفوذها خاصة وأن "ابن الرشيدية" كان يشكل لدى البعض من هؤلاء المحيطين "استفزازا" اعتبارا لطبيعة شخصيته ومؤهلاته.. مع العلم بأن الصحافة الحرة كانت قد طالعتنا في أكثر من مناسبة بأخبار تفيد الضربات تلو الأخرى التي كان يتعرض لها "ابن الراشيدية" منذ توليه منصب الناطق الرسمي باسم القصر الملكي، وهي الضربات التي كانت تسعى بالأساس إلى تأزيم علاقته بصديقه الملك محمد السادس.. وقد كادت هذه الجهات أن تنجح في أكثر من مناسبة في بلوغ أهدافها، حيث تم تهميشه وإبعاده مؤقتا قبل أزيد من عامين عن دائرة القرار.. لكن نشر إحدى الأسبوعيات البيضاوية لخبر إمكانية التحاقه للتدريس بإحدى الكليات دفع الملك محمد السادس للتدخل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

أما الفريق الأول فيرى في تعيين أوريد على رأس جهة مكناس تافيلالت إشارة سياسية تتماشى مع المقاربة الاجتماعية المؤسساتية التي أطلقها الملك في الآونة الأخيرة:

 أولا من حيث الثقة الملكية التي حظي بها، ذلك أن بعض المصادر تحدثت عن منحه صلاحيات واسعة، وارتباطا مباشرا بالملك. وهذه الثقة هي التي ستحرره من كل القيود التي عادة ما تعرقل كل فعل تنموي جاد.

ثانيا من حيث جسامة المهمة المرتبطة بترجمة هذه المقاربة على أرض جهة تعرف مشاكل بنيوية حادة، جعلت أوضاعها تتحول إلى ما يشبه برميل بارود قابل للانفجار في أية لحظة...

 ثالثا من حيث طبيعة الجهة التي تعرف بحساسيتها، حيث يرقد هناك مولاي علي الشريف جد الأسرة العلوية...

فهذا التعيين هو محطة جديدة في مسار أوريد قد ينقله إلى مواقع متقدمة خاصة وأن للرجل إمكانيات فكرية وعلمية وتقنية تؤهله لتولي مهام كبرى داخل مؤسسات الدولة.

لقد اعتبر المتتبعون والمراقبون للشأن السياسي بالأمس القريب تعيين أوريد في منصب الناطق الرسمي باسم القصر الملكي حدثا هاما باميتاز، حيث سرعت في إحداثه عوامل متعددة منها تصريح خالد عليوة الناطق الرسمي باسم حكومة التناوب التوافقي آنذاك حول موضوع زواج الملك.. وقد شكل  ظهور هذا المنصب إشارة سياسية تفيد رغبة المؤسسة الملكية في زمن محمد السادس في تطوير التواصل والانفتاح على المجتمع، لكن هذا المنصب لم يتحول إلى مؤسسة كما هو الحال في بعض البلدان الديمقراطية المتقدمة كالولايات المتحدة الأمريكية. فقد ظل صاحبه يشتغل بآليات متواضعة، يرافق الملك في خرجاته ويقرأ البيانات الصادرة عن القصر الملكي والمجالس الوزارية..علما بأن بعض الأسماء كأندري أزولاي كانت تدخل على الخط معه، والكل يتذكر ردود الفعل التي أثارتها بعض المنابر الإعلامية بمناسبة لقاء أوريد وأزولاي بممثلي وسائل الإعلام بالدار البيضاء للإعلان عن زفاف الملك محمد السادس. ومن هذا المنطلق يمكن القول بأن هذا المنصب أدى الوظيفة التي رسمت إليه بداية تولي الملك محمد السادس عرش المملكة.

فـ"ابن الراشيدية" كان يقوم في واقع الأمر بدور المستشار في شؤون الحركات الاحتجاجية على اعتبار أنه يرصد جيدا تحركات هذه الحركات، كما كان يقوم بتنشيط بعض المواقع ثقافيا وفنيا من خلال تنظيم مهرجانات (إملشيل، الحسيمة، مرزوكة...)، فضلا عن سلسلة اللقاءات العلمية التي يجلب إليها أسماء دولية بميدلت إفران، الريصاني، الراشيدية..

أكيد أن هذا التعيين من شأنه أن يعود بالإيجاب على منطقة شاسعة عاشت إلى حدود الساعة التهميش والإقصاء، ومن هذا المنطلق تكون الحاجة قد وضعت هذا الرجل في المكان المناسب، وتكون الإدارة الترابية قد تعززت بتعيين اسم من عيار كبير يسهر بأمانة وإخلاص على تدبير شؤون جهة ما أحوجها لأبنائها من أمثال حسن أوريد.

 

 

للتعليق على هذا الموضوع