16 فبراير 2006

 

 

 

 

السلطات المغربية والفرنسية تتهرب من الكشف عن الحقيقة

وملف المهدي بنبركة "يشوش" على أجواء المصالحة والإنصاف

مصطفى عنترة*

 

ما هي خلفيات الخرجات الإعلامية للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المتعلقة بملف بنبركة؟ وهل يتناقض تكتيك رفاق محمد اليازغي مع استراتيجية النظام السياسي؟ وما هي نوعية المكاسب السياسية التي يريد الاتحاد جنيها بتشبثه بإجلاء الحقيقة بخصوص قضية اختطاف واغتيال المهدي بنبركة؟ هذه الأسئلة وغيرها تشكل محاور الورقة التالية.

*

 

عاد ملف المهدي بنبركة ليحتل، هذه الأيام، الواجهة السياسية والإعلامية ببلادنا وذلك بعد انتهاء هيئة الإنصاف والمصالحة من عملها، واستقبال الملك محمد السادس لبعض عائلات الضحايا لأول مرة في القصر الملكي ومنح وسام إلى المهدي بنبركة ضمن 58 من الشخصيات الموقعة على وثيقة المطالبة باستقلال المغرب بمناسبة الاحتفال بالذكرى 62 لتقديمها.

 

 ـ الخـروج:

خرجت إعلاميا كل من العائلة الصغيرة لبنبركة ممثلة في نجله البشير المقيم بباريس وكذا العائلة الكبيرة ممثلة في رفاق الدرب داخل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، حيث سجل هذه المرة تقاربا بين الطرفين، إذ اعتبر الاثنان أن هيئة الإنصاف والمصالحة لم تسجل أي تقدم بخصوص مسلسل هذا الملف وطالبا مجددا بالكشف عن حقيقة اختطاف واغتيال المهدي بنبركة الذي لا زال يلف قضيته الغموض الكثيف لأزيد من أربعين سنة.

 وقد شوشت هذه الخرجات الإعلامية على الصورة التي تشتغل الآلة الحقوقية والديبلوماسية والإعلامية وطنيا ودوليا من أجل رسمها لمغرب بداية الألفية الثالثة في المحافل الدولية التي تهتم بالشأن المغربي وخاصة بعد التنويه الذي كسبه "نظام محمد السادس" من طرف بعض القوى الغربية كواشنطن ولندن وباريس..، حيث بدأ الحديث عن اعتبار التجربة المغربية كنموذج للمصالحة إلى جانب تجربة جنوب إفريقيا.

فهذه الخرجات شوشت أيضا من موقعها على المجهودات الرسمية الحالية اعتبارا للمكانة التي يكتسيها ملف اختفاء واغتيال المهدي بنبركة على الصعيد الدولي، إذ دخلت هذه القضية في سجل أقدم وأشهر الاغتيالات العالمية.

 

وجه اليازغي انتقاده للسلطات الفرنسية ونظيرتها المغربية من أجل الإسراع في الكشف عن حقيقة هذا الملف معتبرا أن مسلسل الإنصاف والمصالحة الذي نوه بالأشواط الهامة التي قطعها سيبقى ناقصا، كما أن جدار المصالحة سيظل هشا ولن يتقوى في نظره إلا بالعثور على جثة المهدي بنبركة. 

 

وقد سبق الخروج الإعلامي للرجل الأول داخل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، توجيه انتقادات لوزير العدل محمد بوزوبع (عضو المجلس الوطني للإتحاد) بسبب سلوك التعامل مع القاضي الفرنسي المكلف بالتحقيق في هذا الملف، لدرجة أن الحبيب الشرقاوي (عضو المكتب السياسي سابقا وعضو المجلس الوطني حاليا في نفس الحزب) طالب بإعفاء بوزوبع من مسؤولياته داخل الحزب في رسالة بعث بها إلى الكاتب الأول للاتحاد. وقد اعتبر الشرقاوي في ذات السياق أنه كان على بوزوبع أن يوضح للرأي العام أسباب وخلفيات رفض قاضي التحقيق في المغرب التعاون مع القاضي الفرنسي في ما يخص الأشخاص الذين أراد الاستماع إليهم، تحت ذريعة أنه لا يتوفر على عناوينهم.

 

وكان القاضي الفرنسي باتريك رافائيل" قد حل في الآونة الأخيرة بالمغرب من أجل الاستماع إلى بعض الشهود، بينهم مسؤولون يتربعون على مواقع حساسة داخل مؤسسات الدولة، كما طلب زيارة المعتقل السري المعروف باسم "النقطة الثابتة الثالثة"، إلا أنه في آخر المطاف عاد إلى فرنسا خاوي الوفاض!؟

 

وقد وصف المهتمون بهذا الملف زيارة القاضي الفرنسي بالخطوة المتقدمة، لكن سلوك المسؤولين المغاربة لم يكن في المستوى علما بأن هذه الخطوة وحدها لا تؤكد ، حسب البعض، صدقيـة الإرادة السياسية لدى فرنسا للكشف عن الحقيقة.

 

الملاحظ أن سلوك السلطات المغربية والفرنسية يؤشر على وجود شبه اتفاق على عدم الخوض بشكل متقدم في ملف اختفاء واغتيال الزعيم اليساري ربما لكونهما متورطين إلى جانب أطراف أخرى أمريكية وإسرائيلية كانت لها مصلحة آنذاك في المطالبة برأس بنبركة، ومن هنا قد يفهم تحفظ فرنسا على رفع الحظر الكامل على الأرشيف المتعلق بهذا الموضوع خوفا من تداعياته على صورة العلاقة بين البلدين.

 

* التحـــول:

مما لاشك فيه أن فريق إدريس بنزكري لم يحقق النتائج التي كان البعض يتوخاها وهي كشف حقيقة هذا الملف، وهذا ما جعل الخرجات الإعلامية لعائلته الصغيرة ورفاق دربه في الاتحاد الاشتراكي يشوشون،  نسبيا، على خلاصات عمل هيئة الإنصاف والمصالحة. لكن نعتقد أن "نظام محمد السادس" فضل تركها للمستقبل، ولعل قرار منح الوسام إلى المهدي ضمن لائحة الموقعين على وثيقة المطالبة باستقلال المغرب وقبل ذلك رغبته في التعاون مع العائلة من أجل إجلاء الحقيقة عن هذا الملف كما جاء في حواره مع يومية" لوفيغارو" الفرنسية، فضلا عن السماح بمرور صور المهدي في الإعلام العمومي عند الحديث عن بعض المحطات التاريخية، والترحيب بعودة عائلته إلى أرض الوطن وغير ذلك من الإشارات التي تفيد رغبة النظام السياسي في عدم النبش في هذه القضية، ربما، لوجود مسؤولين داخل دواليب الإدارة متورطين في هذه الجريمة علما بأن القاضي الفرنسي المكلف بالتحقيق في مسلسل ملف المهدي بنبركة طلب من زميله بالمغرب عناوين أسماء لها وزنها داخل مؤسسات الدولــة.

 

* التـوظيف:

بدون شك إن الخروج الإعلامي للكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية حول هذا الموضوع يندرج ضمن سياق التطورات المتسارعة التي عرفها هذا الملف، فمطالبة اليازغي بالحقيقة في قضية اختفاء واغتيال رفيق الدرب بنبركـة يهدف من ورائها:

 

أولا التأكيد على الوفاء للخط النضالي للحركة الاتحادية التي اعتبرت المهدي بنبركـة أحد مؤسسيها،

ثانيا مغازلة القواعد الاتحادية التي يحظى صاحب "الاختيار الثوري" لديها بمكانة رمزية في منظومتها الفكرية والإيديولوجية،

ثالثا الضغط على النظام السياسي من أجل الأخذ بعين الاعتبار بوجوده الضروري في أي "صفقة سياسية " مرتقبة أو أية معادلة تهم المستقبل السياسي للبــلاد.

رابعا محاولة الالتفاف على هذه القضية وتوظيفها في تعبئة القواعد خاصة بعد اعتزام بعض الأطراف داخل صفوفه مغادرة البيت الاتحادي وتأسيس حزب جديد، وفي نفس الوقت "تسخين" الأجواء استعدادا للانتخابات القادمة.

خامسا محاولة تجاوز باقي المكونات الاتحادية وخاصة حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي على يسارها بخصوص هذا الملف الذي يعتبره الاتحاديون حكرا عليهم دون غيرهم.

 وتجدر الإشارة في هذا الباب أن الحزب الاشتراكي الموحد بالدار البيضاء قام بتنظيم وقفة رمزية بمناسبة ذكرى اختطاف واغتيال المهدي بنبركة، لكنها لم تجد أية إشارة من لدن الصحافة الاتحادية!!

خامسا المزايدة السياسية على نظام الحكم من خلال ملف بنبـركة. فالاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية كان بالأمس يحرك الجماهير الشعبية ضد النظام السياسي من أجل الضغط عليه ومساومته وبالتالي تحقيق مكاسب سياسية معينة، أما اليوم وبعد أن فقد قاعدته الجماهيرية فإنه يسعى إلى تحريك بعض الملفات (المهدي بنركة، الصحراء، الإصلاحات الدستورية..) من أجل نفس الهدف.

 

من المؤكد أن هناك اتجاه يحاول جاهدا هذه الأيام إلقاء كامل المسؤولية على فرنسا بخصوص هذا الملف على اعتبـار أن عملية الاختطاف تمت فوق ترابها، لكن نعتقد أن تفاعلات التطور التي يشهدها الملف الحقوقي من شأنها أن "تنهي" الجدل المثير من طرف الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية!؟

musantra@hotmail.com

 

* المغرب

للتعليق على هذا الموضوع