4 مارس 2005

 

 

 

 

 

الحركة الأمازيغية والمسألة الهوياتية بالمغرب

مصطفى عنترة

 

من المؤكد أن التحولات العميقة التي شهدها العالم في نهاية عقد الثمانينات من القرن الماضي وتداعياتها المتجسدة في التطورات التي عرفتها منطقة الشرق الأوسط على وجه الخصوص قد ألقت بظلالها على العديد من المواقع ومن ضمنها منطقة شمال إفريقيا.

فهذه التطورات فتحت الباب أمام النقاش حول الهويات من خلال عدة مؤشرات كالأقليات بمختلف أشكالها (الدينية، اللغوية..)، منتصرة بالتالي لديمقراطية متعددة الثقافات، ويكفي الوقوف عند تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة عام2004 للتأكد من الأهمية التي أضحى يكتسيها هذا الموضوع في الوقت الراهن.

 

ـ سـؤال الهوية:

لم يكن المغرب معزولا عن النقاش الهوياتي والذي ظل عبر ثلاثة عقود داخل الساحة الوطنية يظهر ويختفي بمستويات ترجع إلى درجة الحرارة السياسية ببلادنا. والحقيقية أن الحركة الأمازيغية هي التي ظلت تاريخيا تثير مسألة الهوية كما تؤكد أدبياتها الغزيرة ونتاجاتها الفكرية لاعتبارات متعددة:

 أولها: أن الحركة الأمازيغية لها منظومة إيديولوجية متكاملة، وذات مطالب محددة لأنها استفادت من جبهة معارضة لها تصر بأن هوية المغرب لا تخرج عن ثنائية الإسلام والعروبية وترفض باقي المكونات الأخرى، وبالتالي فالخطاب الأمازيغي ينبني على تناقضات الخطاب العروبي المضاد.

 ثانيها: أن الثقافة الأمازيغية أبعدت من المشاريع السياسية للدولة بعد الاستقلال نظرا لسيادة الفكر العروبي عند النخب التي تقلدت مقاليد السلطة في مؤسسات المغرب المستقل والنموذج "اليعقوبي" المهيمن آنذاك في بناء مشروع الدولة ـ الأمة، فضلا عن الخوف الذي كان يشكله الهامش بالنسبة للبنيات السياسية والاجتماعية القائمة. وهذا الخوف هو الذي جعل تصور الدولة تفرضه السياقات العامة، حيث لم يكن الهاجس الثقافي الهوياتي هو المتحكم بقدر ما كانت الرغبة في تعبئة جميع القوى المجتمعية وراء نموذج سياسي وحيد وأوحد، وقد تجسد هذا التصور مثلا في تنظيم القضاء المغربي من خلال إلغاء المحاكم الصرفية مقابل الامتثال لقانون وضعي مفروض على الجميع، والشروع في تعريب التعليم والإدارة.. في محطة ثانية.

ثالثها: أن الطمس الذي لحق الهوية جعل أبناء إيمازيغن يجتهدون في تقديم طروحات متقدمة، مستفيدين من العلوم الإنسانية المتطورة سواء داخل معاهد وجامعات بالمغرب وخارجه، حيث بحثوا في مجالات كانت تشكل مركب نقص لديهم كاللغة على سبيل المثال، إذ استطاعوا أن يبرزوا علمية اللغة الأمازيغية كلغة لها مواصفاتها المرتبطة بالنحو، الصرف، الإعراب وما شابه ذلك، وأيضا التاريخ، حيث قدموا طروحات تفيد أن تاريخ المغرب لا يقف عند مولاي إدريس الأول، بل أكثر بذلك بكثير.. فللمغرب حضارة عميقة تمتد إلى ما قبل الميلاد، عاشت أهراما من الأحداث والوقائع التاريخية وقطنتها ممالك قديمة مازال التاريخ يشهد ببطولات رموزها في منطقة شمال إفريقيا.

 

ـ سـؤال التعددية:

يعرف سؤال الهوية تصورات مختلفة، فمن داخل الحركة الأمازيغية نلمس وجود نوعين من التباين بين مختلف مكوناتها، وفي هذا السياق يقسم حسن رشيق، الباحث الأنتربولوجي، النقاش الدائر حول مصادر الهوية إلى قسمين، الأول يرى أنه لا العروبة ولا الإسلام يجب أن يشكلا مصدرين للهوية، مؤكدا على أن الإسلام يجب أن يكون في مرتبة أسمى من الهوية، أما الثاني فيرى أن الهوية هي بمثابة كل منظومة أفكار تجعل جماعة ما تتميز عن الأخرى، أي الرغبة في إنتاج حدود لهذا التعدد، ويؤكد الباحث رشيق أن النقاش الحالي يصب في اتجاه تجاوز سقف العروبة والإسلام وأنه كل ما كثرت الإيديولوجيات ولو اختلفت فيما بينها، فإن هذا الأمر سيخدم حتما مسألة إغناء الهوية وتوطيد أكثر على اعتبار أنه لا توجد هوية خالصة. فالأمر بالنسبة إلى الباحث رشيق يتعلق بخطابات تحمل في طياتها قيما معينة فيما بينها ولا غلبة لإحدى على الأخرى. أما الباحث أحمد عصيد، فيؤكد أن الحركة الأمازيغية مترددة بين تصورين، تصور الهوية كصيرورة وتفاعل تاريخي، وتصورها كوحدة وتجانس مطلق، وهما في الواقع تصوران يؤديان حسب ذات الباحث إلى خيارين مختلفين. فالأول يؤدي إلى خيار تعددي يؤمن بأن الهوية كيان يتحقق في التاريخ ويغتني من خلال ديناميته المنفتحة التي تأخذ وتعطي في نفس الوقت، بينما يقود التصور الثاني إلى تكريس الهوية كماهية متعالية على التاريخ تتصف بالثبات وتعتبر كمالا مطلقا في ذاتها، في غير حاجة إليها، وهو تصور يؤدي أيضا ـ حسب عصيد ـ إلى نزعة أصولية متشددة تتخذ الإقصاء وسيلة مثلى لإثبات الذات أمام الآخر.

وفي ذات السياق نجد الصافي مومن علي ، ناشط داخل الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي، يعتبر أن هوية الشعب المغربي أمازيغية، وهي حقيقة مستمدة في نظره من علوم كثيرة كالتاريخ والجغرافيا والاجتماع والقانون واللسانيات والأنتروبولوجيا وغيره، فالقومية العربية هي التي أعطت صورة مزيفة لهويتنا،

مما لا شك فيه أن تصور الهوية الخالصة الصافية لدى بعض الأطراف داخل إيمازيغن جاء كنتيجة للعوامل السياسية التي أشرنا إليها سلفا، وهي العوامل التي حاول أقطاب الحركة الوطنية نسجها في هوية قائمة على ثنائية "الإسلام والعروبة"، فهذا التصور المتطرف ينكر حق وجود باقي المكونات الأخرى وبالتالي هو من ولد تصورا مضادا لها يقول بصفاء الهوية الأمازيغية، الشيء الذي جعل أصحاب التصورين يدخلان في صراع ضمن سياق معرفي وإيديولوجي، الغلبة فيه لمنطق الإقصاء عوض التعددية والتكامل داخل الوحدة.

 

ـ سـؤال التدبير:

بدون شك أعادت التطورات التي عاشتها منطقة الشرق الأوسط طرح سؤال التعددية الثقافية واللغوية إلى الواجهة، وبالتالي طرح طرق تدبير التعددية خاصة في ظل بروز خطاب هوياتي يعيد تشكيل الذات وفق هذه التطورات المتوالية. ولعل وثيقة "الشرق الأوسط الكبير" المعدة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، الامبراطورية الجديدة للعالم، لا تغفل هذا العامل الأساسي في توطيد استقرار أقطار هذه المنطقة الممتدة من المحيط إلى الخليج. ومن المنتظر أن تتجه الأنظار اتجاه بعض التجارب الدولة الرائدة في مجال تدبير التعدديات الثقافية داخل بلدانها كما هو الحال بالنسبة إلى سويسرا، بلجيكا أو كندا. وهي للإشارة دول عرفت كيف تحول الاختلافات الثقافية واللغوية الطبيعية داخل مختلف المكونات الاجتماعية والثقافية إلى عوامل مساعدة على تطوير تنميتها بشكل ديمقراطي يقوم على تمثيلية حقيقية.

لقد سلكت الجزائر منذ أواسط التسعينات من القرن الماضي مقاربة تتأسس على إدماج الأمازيغية وفق مؤسسة المحافظة السامية للأمازيغية المرتبطة برئاسة الجمهورية والمؤسسة في  ماي 1995 بموجب مرسوم رئاسي، إلا أن هذه المقاربة سرعان ما أظهرت محدوديتها لكون هذا الإدماج لم يكن وليد إرادة سياسة حقيقية لدى الحكام العسكريين هناك.ولعل الاضطراب الذي تعيشه منطقة القبايل في علاقتها بالرئاسة الجزائرية خير مثال على أن الأمازيغية هناك لم تأخذ بعد مكانها الطبيعي داخل مؤسسات البلاد. أما في المغرب فإن الملك محمد السادس نهج أسلوبا لمعالجة المسألة الأمازيغية داخل الحياة العامة يقوم على التأهيل والتدرج في مسلسل الإدماج المؤسساتي. وقد شكلت منشأة المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية قطب رحاه، فالمعهد أسند إليه إنتاج التصورات الممكنة لهذا الإدماج، وفق هيكلة تضم مراكز علمية ومجلس إداري ذي صبغة استشارية، يضم في تركيبته تمثيلية جهوية إضافة إلى ممثلين عن بعض القطاعات الحكومية، قصد رفع هذه الإنتاجات في شكل توصيات إلى الملك للحسم فيها... لكن هذه المقاربة سرعان ما بدأت عوراتها تظهر الواحدة تلو الأخرى، آخرها انسحاب سبعة أعضاء من مجلس إدارة المعهد، فضلا عن أزمة الثقة التي أضحت عنوان علاقة هذه المنشأة بالحركة الأمازيغية التي عرفت مؤخرا صحوة جديدة..فقد اتضح مع توالي الأيام أن قرار اختيار الأبجدية الرسمية لكتابة اللغة الأمازيغية تحكم في عامل الهاجس السياسي، كما أن إحداث هذه المنشأة أملتها دوافع ضبط هذه الحركة والتحكم في عملية إدماج نخبها داخل الحقل السياسي الرسمي.

إن الاعتراف الدستوري بالأمازيغية يعد أحد مداخل الدمقرطة اعتبارا للأهمية التي تكتسيها المسألة الثقافية وخاصة الهوية الأمازيغية. ونعتقد أن معالجة هذا الإشكال الهوياتي لن يتوقف عند الاعتراف الدستوري، إذ وجب أن يمتد إلى مسألة تقسيم الخيرات المادية والرمزية للمملكة بشكل عادل وديمقراطي.فالمشكل يتمثل في العمق في هضم الحقوق الثقافية والاجتماعية من خلال إيديولوجية عروبية فرضت فرضا على المغرب والمغاربة من قبل نخبة استفادت من خلال موقعها الاجتماعي، حيث وظفت ميزانيات الدولة المستقلة من خلال سياساتها العمومية في قطاعات كالتعليم، الثقافة، الشؤون الإسلامية وغيرها وظلت بذلك ميزانياتها تحت المراقبة لخدمة مصالحها.. ومن هذا المنطلق فالاعتراف الدستوري بالأمازيغية يهدف إلى جعل المغاربة سواسية في ما بينهم، أي سواسية في الحصول على السلطة سواء منها المادية أو الرمزية.

 

للتعليق على هذا الموضوع

"abdessamad mennani" <mennani.abdessamad@menara.ma> 

Date: Sun, 28 May 2006 22:52:38 -0000

    c est un tres bon _expression