29 مايو 2006

 

 

 

 

 

عن الشعوذة و قراءة المستور

طريقة جديدة للنقد الفكري

مراد الشيخ حسن

 

 

مقدمة لا بد منها:

 

 في سنين مضت، جرت العادة أن تضج المجلات و الصحف بالمعارك الفكرية على صفحاتها، و كانت أغلب هذه المعارك تنقسم حسب الانتماء الايديولوجي لكل كاتب و حسب تفسيره للتاريخ و الواقع، حيث ان الايديولوجيات المختلفة في تلك الاعوام الغابرة( و التي تبدو قريبة قياسا بعمر العرب و شديدة البعد قياسا بواقعهم) كانت تقدم قراءاتها و تفاسيرها لكل شيء ... و لكن هذا عهد مضى.

 و نظرا لأن رأيي يمثل رأي انسان واحد، و لا يمكنني الادعاء أن قراءتي هي القراءة الأدق و الأشمل، فأقول قد نتفق أو نختلف على مدح أو ذم هذا العهد .

 في أيامنا هذه، حل الدين و الشيوخ و شؤونهم محل تلك القضايا التي كانت تستثير الهمم و الأقلام، و عادت بعض المجلات و الصحف و الكتب و مواقع الانترنت (المتنفس الوحيد حاليا للمواطن العربي بالرغم من حظر المواقع و ملاحقة الكتاب  ) لتصبح ساحة لمعارك فكرية من نوع آخر، و ربما  تكون تسميتها بالمعارك المقدسة أدق في التوصيف (  و مرة أخرى اجنح للتواضع الانساني و أقول قد نتفق و قد لا نتفق على قيمة مثل هذه الحوارات ) .

لكن قد يقول قائل انك لم تنصف اذ جزمت، و حددت ما لا يمكن تحديده، فالفكر و الحوار لا يمكن حصرهم في النقاشات الدينية، و هذا لعمري كلام حق ، فالصورة لم تكتمل بعد، حيث برز في السنوات القليلة الأخيرة حوارات، من نوع جديد على المواطن العربي، لما صار يعرف بالمعارضة العربية، و لكن ماذا نسميها؟ هل  يمكن أن نسميها معارك فكرية مقارنة بما ألفناه في النصف الأول من القرن الماضي أو معارك مقدسة كما تقدمها لنا العلمانية و رجال الدين ؟

 

*******

 

هل أقول أن مقال الأستاذ / نضال نعيسة/ المعنون ب / طرق المحرمات/ شكل صدمة ؟

 و كيف يشكل صدمة لي و أنا لا أدعي معرفته و لا معرفة الأستاذ / ميشيل كيلو/ الا عبر بعض المقالات التي أتيح لي قراءتها ؟ فهل هي صدمة بسبب الكشف الكبير، الذي قام به الأستاذ نعيسة عن الطائفية عند الأستاذ ميشيل، بعد أن ظننته ( بسبب تواضعي و طيبتي ) انسانا وطنيا، يعمل و يفكرو يكتب و يدخل السجون في سبيل الوطن؟ أم لأن المقال صدمني بوجه آخر للأستاذ نعيسة  لم أعرفه يوما من خلال بعض المقالات التي قرأتها له ؟

بعيدا عن الاتهامات و اطلاق العنان للخيال أقول،  ربما تكون المشكلة أني حين قرأت مقال الأستاذ ميشيل، أبديت اعجابي به لمن نصحت من أصدقائي بقرائته، و أبديت اعجابي بمدى الحساسية الانسانية التي تميز هذا المقال، حيث تلتقط تفصيلا صغيرا كأوراق النعوة، و تجد رابطا لها مع وضع اجتماعي حقيقي و معاش( و لكن و كما لاحظتم من مقدمة هذا المقال، بأني انسان يتصف بالتواضع الشديد، أقول أنه معاش، و يمكن لأي كان انكاره أو الاعتراف به). و لم يخطر ببالي شيئا له علاقة بما كتبه الأستاذ نعيسة و النوايا المبيتة التي كشف عنها بطريقة لا تخلو من سحر جديد يكشف المستور و يبين المدفون.

 فالتباين بين الريف و المدن هو ظاهرة انسانية بشكل عام، و لا ياتي الأستاذ ميشيل بجديد حين يحاول تحليل هذه الظاهرة من زاوية انسانية، الا أنه حين يتكلم عنها في سوريا فهو اذن ارتكب كبيرة الكبائر، و صار حسب ما يراه الأستاذ نعيسة العدو الأول لسوريا و لأبنائها- و ليسمح لي أن أقتبس هنا بالرغم من أني كنت قد قررت عدم اقتباس أي شيء من مقاله-  (وأعتقد، أن هذا المقال، يعتبر واحداً من أخطر الكتابات التي تزدري، وتحقّر، وتحطّ من شأن مكوّن اجتماعيً هام في سوريا، ويهدد الأمن، والسلامة الوطنية، ويحرّض على الفتنة، ويحث على الكراهية، فيما لو أخذ بحرفيته، التي لا تحتمل التأويل على الإطلاق، وتمت مقاربته من منظوره اللوني، الفاقع، الواضح الذي لا لبس فيه.).

 

يبدأ الأستاذ نضال مقاله بمقدمة تمهيدية،  يدفع من خلالها ضريبة التحلل من النظام السوري و من أفعاله ببضعة أسطر لا علاقة لها بمقالته لا من قريب و لا من بعيد، و لكنه الخوف على ما يبدو من الرد عليه بتبعية معينة، و لكنه غاب عن ذهنه فيما غاب، أن الاشكال في مقالته ليس النظام او العلاقة معه، و لكنه تحميل مقالة الأستاذ ميشيل ما لا تحتمل، ووصفها بعبارات غريبة عجيبة، و استخدام الألفاظ القاسية لوصف ما يحتمل عدة اوجه لتفسيره و التعاطي معه، حتى عند الصغار بهذا ( الكار ) كما يسميه، ناهيك عن الحكم عليه أو ادانته.

أعود هنا لما افتتحت به هذا المقال، و أسأل هل يمكن أن ندرج مقال الأستاذ نضال في نطاق الحوار الفكري ؟

فالأستاذ نعيسة في مقاله كما أراه ( و لا داعي للتذكير بتواضعي الانساني ) لا يتعامل مع مقال الأستاذ ميشيل لا بصفته مقالا فكريا، و لا بصفته مقالا توصيفيا،  بل يتعامل معه كأجزاء للكراهية و الطائفية.

و يقوم الأستاذ نعيسة بمبادرة شخصية و مجانية، بتحليل نفسية الأستاذ ميشيل، و بتحليل ما قد يكون الأستاذ ميشيل لم يكتبه فاكتشفه الأستاذ نعيسة بقدرة قادر، و يبدأ بكيل الاتهامات و الشتائم للأستاذ ميشيل، بل و قام متطوعا لوجهه سبحانه بضم الأستاذ ميشيل الى نادي الطائفيين المأزومين بهذا المرض العضال، دون ان ينتبه الأستاذ نضال أن مقاله اذا كان قد قدم شيئا جديدا، فهو، كما أعتقد، قدم صورة لأزمة وعي عند الأستاذ نعيسة، و قدم مثالا عن قراءة مبتورة و مشحونة بكره غريب، و هواية للتصيد في المياه العكرة، و انتقاء بضع كلمات، و اخراجها عن سياقها لادخالها في سياق الأستاذ نعيسة ،فحوّل مقاله( عن قصد أو عن غير قصد ) لمقال طائفي يضج بالحقد، و يستنهض مقولات اعتقدت أننا تجاوزناها، او على الاقل تجاوزها المثقفون.

 و للأسف ينطلق الأستاذ نضال، على ما يبدو، من موقف مسبق شديد الغرابة يذكرني بالقصة التالية ( كان أبو عبدو مهرب مخدرات، و كان الخوف من الشرطة يشغل نهاره و ليله، و ذات يوم سمع جرس المنزل فتقدم لفتحه و هو يرتعش، و حين أطل وجه بائع الحليب ليقول له : اتفضل الحليب يا أستاذ ..رد عليه أبو عبدو بخوف: لك شو مخدرات ما مخدرات. )

  لن أقوم بما قام به الأستاذ نعيسة، و لن أجتزء من مقاله، و لن أحضر جملا منتقاة لأعلق عليها، كما لن أحاول الرد على ما وصف به مقال الأستاذ ميشيل، لا سيما حين يكون الأستاذ ميشيل كيلو غير قادر على الرد و الشرح. ففي رأيي ( و رأيي يحتمل الخطأ و الصواب و ليس قاطع كآراء الأستاذ نضال و ربما ذاك بسبب من جهلي و سعة علمه، و ربما بسبب ما فتحه الله عليه، فقد يكون الرجل صاحب رؤيا أو مكشوف له ما يخفى عليّ، فاقتضى التنويه )  أن مقال الأستاذ ميشيل لا يحتاج الا لقراءة من دون خيالات مرضية، و سيطرة هاجس الكابوس الطائفي.

 أما الأستاذ نعيسة فلي طلب عنده اذا قرأ هذا المقال، هلا أعدت قراءة مقال الأستاذ ميشيل مرة أخرى بعقلية متفتحة، و دون اللجوء للشعوذة و الاستعانة بالجن لمعرفة ما تكتنزه الصدور، و هلا أعدت قراءته متحررا من هاجس الطائفية، فالريف في سوريا لا يقتصر على ريف اللاذقية كما تعلم، و بسبب من كوني متحدرا من أحد هذه الأرياف، لم أجد في ما قاله الأستاذ ميشيل شيئا ينتقص من كرامتي، ربما لأن الحقيقة لم تقتنص من كرامتي يوما و لم تشكل خطرا مميتا مدمرا لوطني.

 

سوريا

 

للتعليق على الموضوع