17 فبراير 2005

 

أيَّام رفيق الحريري

الدكتور مفيد مسوح

 

 

المليون حزين الذين شيعوا إلى متحف الأبطال جسد أحد أبناء الوطن الكسير القلب يشهدون بأن للحق منبره تصرخ مِن عليه أفواه الطيبين الصادقين، دون مراءاة أو زلفى، تبكي من خسره الوطن وتندد بمن كان السبب ممـَّن لايـُثـلـِج قلبَهُ غيرُ الشر.

 

المليون مواطن الذين حملوا على راحاتهم من ترك الدنيا وثراءها عائداً إلى ثرى وطنه العزيز كانوا يتمنون أن تمتد أيامه كي يتمكنوا برعايته من إحياء بلدهم الذي أماته الاقتتال وجفف ترابه الحقد والطمع والشر.

 

هؤلاء الذين فاتهم أن يسيروا في موكب استقبال الحريري، لسبب أو آخر، وهو عائد من غيابه القسري يقول (بدنا نـْعـَمـِّر سوا لبنان) تذكروا الآن أن وطنهم كان بحاجة لمن يتطوع لرأب الصدع ومداواة الجراح والتعامل مع مراهقته بالدمل والحنين واستعادة العافية وبعث روح التفاؤل والثقة بالوطن وبالناس وبالمستقبل واستنهاض الهمم عندما عاد رفيق الحريري إلى لبنان طوعاً في (يوم الرجوع)، يهزُّ وجدانـَه الحنين.. لا يكبله الحزن والأسى على بلده المدمر وشعبه المقهور بل يشدان من عزيمته وثقته بتضامن الأيادي التي أتعبها ثقل السلاح وقد حان وقت إلقائه واستبداله بالمعاول.. وكان الناس بانتظار عائد (كالغار) يعرف كيف يتنقل بين الجبهات الساخنة يطفيء سعيرها ويصفي القلوب من أحقادها ويجمع أشلاء المجتمع المنهار ويشحذ النفوس على درب السلم والمحبة والبناء.. فكان رفيق الحريري رجل الوطن الذي نجح في تحقيق حلم الناس الأخير فاستفاق الغارقون في مستنقعات الشر والقابعون وراء متاريس شيدت بالجماجم وموِّهت بدماء الأبرياء.. نافضين عن أجسادهم غبار الحرب وقذارة التشرذم وحاملين لواء العمل والكفاح والبناء والصبر، لقناعة بأن الدرب صعبة.

 

عادت إلى وجه لبنان البسمة وعاد الإشراق إلى محياه والناس يقولون مع رفيق (قمح، زرع، بـْيادر، معاصر، نـْوال، إيدَيـْن.. تعـْلا عَ مدّ العـَيـْن.. نـْعـَمـِّر قـْصورَة، نـْعـَمـِّر جـْسورَة، نـْعـَمـِّر دْراجْ.. قـْلاع .. نـْعـَمـِّر بـْيوت صـْغـَيـَّرة وْبتـْساع).. ويهللون وهم يتلقون وعوده (بدنا نـْتاجرْ ناخـُد وْنعـْطي.. نـْسـَفـِّرْ مـَراكبـْنا.. عَ كلّ شطّ بـْهالدني..... وْبدنا العلْم الفنّ.. وْننـْفـِتـِحْ عَ الكـَونْ .. والكـَون مش بس الـِبـْيوت الـْهـَون.. مش متـِلْ ما قالولـْكـُن إنـُّو حدود السـَّلـْطـَنـِة هيـِّي اللـِّي وحـْدا الكـَون.. )

 

وقال حفيد فخر الدين لشعب لبنان (أنا ماعندي لـِكـُنْ غير السـَّهَرْ .. غير التـَّعب والكدح ودْموع الحجر) وقد كان هذا الشعب بحاجة لمن يهزُّه (جايي أنا تـَ هزّكـُن .. متل ما هالرِّيح بتـْهزّ الشـَّجر) فأطلق (وعد الشـَّرف) بأن يخـْـلص للبنانه، (يحمله بعيونه) ويلقي جانباً بالماضي المقيت صارخاً بعزيمة (هيلا ليصه) يتحدى (الذئاب) حتى (تطلع الشمس).

 

ولمن أراد علماً وحالت القـِلـَّة بينهما كان من صندوق رفيق هبة ولمن ألمـَّت به أو بمن يعيل مصيبة امتدت يد حريرية تعين.. ومن تطوع لفعل الخير دعمه زاد الكريم رفعاً للمعنويات ودفعاً لروح الإقدام وتشجيعاً على النزاهة.

وللناس جميعاً، أينما كانوا، وبعد انقضاء نهارهم محطات راحة وثقافة وترويض للعقول وتشجيع على المعرفة وربط بالعالم وأحداثه وفعالياته المتنوعة وبرامج تأهيل وتمتيع عبر شبكات من وسائل الإعلام الحديثة المتطورة تكرِّس جميعها عقلية ومنهجية (المستقبل) ورؤيته باسماً ورؤية الوطن فيه مشرقاً والشعب مرفوع الرأس.

 

ولكن للشمس أعداء.. ولأن لبنان لا يمكن إلا أن تحيط بزواياه الأربعة حرية حقة توفرت لأعداء الشمس والوطن وللحاقدين والأنانيين والعصابيين والمتقوقعين فرص كبيرة لمقاومة الوطن والوطنيين وعرض بضائعهم الرديئة الكاسدة والاستقتال لإيجاد مكان لتسويقها ولو كان الثمن تنفيذ جريمة لاتقل فداحة عما شهدته الفترة التي محتها أيام رفيق الحريري.

 

مات الحريري كما مات فخر الدين..

 

ولكن تربة بيروت الغنية برماد المخلصين الوطنيين والأبرياء الطيبين والتي تسقيها قطرات عرق الكادحين الشرفاء ستنبت قمحاً وورداً وستمتليء بالطرقات والمدارس والمستشفيات والنوادي الثقافية وستبقى ساحاتها مضاءة تقطع على الظلاميين وطيور الخرائب حلمهم بنهش أجسادنا بمخالبهم وأملهم بنهاية العالم عند أقدامهم.   

 

بورك لبنان بأبنائه البررة.

 

للتعليق على هذا الموضوع