28 مارس 2005

 

 

الثوري بن لادن يدفع عجلة التاريخ قدما
منير شحود

 

 

كان تفجير برجي التجارة العالميين في نيويورك إيذانا بتحولات تاريخية في المنطقة العربية الإسلامية, أو ما أصبح يسمى بالشرق الأوسط الكبير. وكان ذلك الحدث فاتحة التحولات التي يمكن اعتبارها الموجة الديمقراطية الثانية, بعد تلك التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي أوائل التسعينيات من القرن الماضي. وإذا كانت الموجة الأولى من التحولات الديمقراطية قد اجتاحت معظم بلدان أوروبا الشرقية بصورة خاصة, فإن الموجة الثانية بدأت بأفغانستان والعراق, ثم استكملت دمقرطة النظم الاستبدادية التي تأخرت عن اللحاق بالموجة الأولى, مثل أوكرانيا وجورجيا وقرغيزيا (وتنتظر بيلاروسيا دورها أيضا), لتطل علينا مؤخرا من النافذة اللبنانية, وتفتح ثغرة في سور المستنقع العربي الراكد تحت حراسة وسطوة ثلة من الأنظمة الشمولية الفاسدة والمفسدة لهذه الدرجة أو تلك.

وبعد اغتيال الحريري, برهن الشعب اللبناني بانتماءاته بالغة التعقيد والتمايز على قدرته في الاصطفاف من جديد حول شعارات جديدة تعيد إنجاز استقلاله الوطني, وتعيد إليه هويته التوافقية. ويمكن للبنان بعد انتهاء هذه المرحلة أن يعيد نسج علاقاته مع العالم, وخاصة مع سوريا, مع أن ذلك لن يكتمل إلا بعد حدوث التغيير المرتقب فيها, ضمانا لاستقرار العلاقات بين الشعبين والبلدين الشقيقين.

لقد فعلت الأخطاء السياسية من الجانبين فعلها قبل التدخل السوري في منتصف السبعينيات من القرن الماضي, وخاصة بعده, حيث عملت الأجهزة الأمنية السورية على استنساخ صورة لها في لبنان, واندمجت معها في علاقة مصلحة معقدة, بعيدة كل البعد عن تلك العلاقات التكاملية التي كان من المفترض أن يقيمها الشعبان السوري واللبناني من أجل حل المشاكل التي رافقت تطور البلدين منذ استقلالهما عن المستعمر الفرنسي.

والتغيير الذي حصل في لبنان, ليس سوى فاتحة تغيرات أعمق وأكثر تعقيدا ستجتاح المنطقة برمتها. فقد أوشكت بلداننا على الخروج من التاريخ المعاصر, وليس من الممكن أن تتابع بهذه النظم العقيمة الفاسدة التي أضحت نشازا لا يقبله العالم كله.

ونظرا للتعقيدات الخطيرة التي قد ترافق عملية التغيير المرتقبة, والناجمة عن محاولة القوى المتسلطة الدفاع عن مواقعها ونفوذها, حتى لو دمرت ما تبقى من الأوطان, فإن عملية التغيير هذه لا بد وأن تبقى تحت مراقبة دائمة من مؤسسات الشرعية الدولية ضمانا لعدم انفلات الأوضاع وخروجها عن السيطرة. كما أن الضغوط المستمرة على الأنظمة غير المستندة إلى شرعية تعاقدية لا يجوز لها أن تتوقف, مع الحذر, في الوقت نفسه, أن لا تحدث  هذه الضغوط انعكاسات خطيرة على الشعوب المغلوبة على أمرها. ولعله من الضروري الاستفادة من الأخطاء السابقة في تطبيق العقوبات على العراق, والتي دفع فيها الشعب العراقي أثمانا باهظة, واستغلها النظام لدوام سيطرته وسطوته.

وإذا كانت الولايات المتحدة هي قوة الضغط الخارجي الرئيسة, فإن جهودها ستكون فعالة أكثر عندما تنضم إلى مجموع الجهود الدولية في إطار المنظمة الدولية, وذلك بسبب الحساسيات التاريخية الناجمة عن دعمها السابق للأنظمة العربية, وتبنيها حماية دولة إسرائيل.

ونظرا لفشل أنظمة الطوق العربية في الصراع التي خاضته مع الكيان الاسرائيلي, لأنها, أو بعضها, أرادت, وقبل كل شيء, استغلال هذا الصراع لتثبيت الأوضاع القائمة والضامنة لهيمنتها على شعوبها, وتخديرها بالأحاسيس الوطنية, فإن أمر حل الصراع العربي الإسرائيلي سيكون متروكا إلى ما بعد حدوث الإصلاحات أو التغييرات المتوقعة في هذه المنطقة.

أفلا يستحق منا السيد "بن لادن" لفتة "شكر وعرفان" على الجريمة - الصدمة في الحادي عشر من أيلول 1991, والتي كانت منطلقا لسلسلة من التغييرات الإيجابية بعامة في منطقتنا, بعد أن وصلت إلى حضيض التخلف الفكري والانحطاط والإفقار, في ظل الاستبداد المتعدد الأوجه, والذي بزَّ في سطوته ووحشيته أنظمة العبودية في عصور التاريخ الغابرة, وحول الشعوب إلى قطعان من الرعية الهاتفة بحياة رموزه؟!.   

 

للتعليق على هذا الموضوع