3 أبريل 2005

 

هل يتحقق إصلاح الفرصة الأخيرة في سوريا؟
د. منير شحود

 

تثير سرعة الانسحاب السوري من لبنان والإشارات التي يطلقها السفير د. عماد مصطفى في واشنطن, جملة من التساؤلات حول الوضع الذي وجد النظام نفسه فيه, وربما اقتناعه إلى أن الأمور لن تسير بعد الآن في الوجهة التي يريدها. وما يهمنا هو احتمال وصول النظام إلى هذه القناعة, وبالتالي الإلتفات إلى إيجاد حلول للمشاكل العالقة منذ عقود؛ كحل مشاكل المنفيين والمبعدين والمفقودين, وغير المجنسين من الأكراد, وإغلاق ملف الاعتقال السياسي, وإلغاء حالة الطوارئ, وصولا إلى تعديل الدستور نفسه, وخاصة فيما يتعلق بإلغاء المادة الثامنة منه, ثم إجراء انتخابات حرة نزيهة على كافة المستويات بغية تفعيل المؤسسات المعطلة بإخطبوط الشمولية. ولعل تحقق هذه القناعة, إن كان ذلك ممكنا, وليس من أحلام اليقظة, يعدُّ خطوة هامة إلى الأمام, ويدفع دعاة الإصلاح الكامنين إلى مواجهة خصومهم الأكثر عنادا وتكلسا.

فنظام الثوابت العنيد ليس له أي حظ في البقاء, وهو السبب الأساس في تخلف الإعلام الناطق باسمه؛ فالإعلام ليس بنية مستقلة عن النظام الذي أنشأه ورعاه. وكما يقوم النظام على الثوابت, بمعنى التثبيت, فإن وظيفة الإعلام الناطق باسمه تقوم على ترديده لهذه الثوابت. وهكذا, عندما تسارعت التحولات السياسية في الأشهر الأخيرة, عجز نظام الثوابت عن التعامل والتكيف مع تلك المتحولات المتتالية, وكان الإعلام الذي يمثله مرتبكا ومتخلفا ولاهثا وراء الأحداث, عوضا عن التأثير بها, أو إعادة صياغتها.

ونظرا لأن آليات ممارسة السلطة تختبئ فيها كل آلية داخل أخرى, بدءا من الحزب الحاكم, وصولا إلى الحلقة الضيقة التي تسيِّر أمور البلاد والعباد, كما في لعبة الهدية المغلَّفة في صندوق داخل صندوق, فإننا قد نشاهد تسارعا ملحوظا في عملية الإصلاح, إذا تم حسم الأمر على مستوى الدائرة الضيقة, واقتنعت هذه الحلقة العليا في النظام بأن الطريق إلى الداخل, والمغلق منذ أمد طويل, هو أكثر السبل أمانا للخروج من المأزق. ويعزز ذلك الإعلان عن الانسحاب الكامل من لبنان, وبالتالي تنفيذ الشق المتعلق بسوريا من القرار 1959. ومع ذلك, فإن بعض الخطوات التي حدثت مؤخرا تعيد عقارب الساعة إلى الوراء, ونتمنى أن تكون مجرد تعبيرات عن إفلاس بعض القوى في النظام وانسداد أفقها, وأهمها:

1.       المسيرات الشعبية المؤيدة بعد تحديثها, بحيث دعت إليها "هيئات المجتمع الأهلي!". ويعدُّ إحياء مثل هذه المسيرات بعد سنوات من توقفها دليلا على النكوص إلى أساليب تجييش الجماهير, ورفع الشعارات الصوتية والسوطية!.

2.       قمع الاعتصام الذي قامت به بعض جماعات حقوق الإنسان أمام القصر العدلي, وما حدث فيه من تصرفات مخزية ومخجلة بحق هؤلاء.

والتوجه نحو "تطمين" الأمريكيين عبر السفير مصطفى, بدلا من التوجه إلى الداخل السوري بإشارات من قبل تبييض السجون وغيرها, لا يبشر كثيرا فيما يتعلق بنوايا التغيير والإصلاح في الداخل, ذلك أن الجهة التي يتم التوجه إليها أولا, وفي معظم الحالات, هي الخارج. ويبدو أن النظام لا يتذكر شعبه إلا عندما يحشده ليهتف له في المسيرات المؤيدة, بينما توجَّه إشارات تبييض السجون إلى الولايات المتحدة! وكأنها هي الجهة المعنية بمساجيننا وبحريتنا أكثر مما يعنيه ذلك لنا, نحن الذين هدَّنا الخوف والصمت لعقود عدة!.

وفي هذه الظروف, ما الذي يمكن أن يفعله مؤتمر الحزب الحاكم, طالما أن المشكلة الأساس هي في النتائج شبه الكارثية التي أوصلتنا إليها قيادة هذا الحزب للمجتمع, أو بسبب كونه الإطار الذي عملت من خلاله مستويات الحكم الأخرى؟. ومع أن القفزات والتحولات الكبرى غير متوقعة في هذا المؤتمر, وإن الحزب لا يحق له تمثيل غير أعضائه في أحسن الأحوال, فإننا سنقترح بعض الخطوات التي قد تنقذ ما تبقى وتضعنا في الاتجاه المطلوب وطنيا:

1.       يعلن الحزب في مؤتمره القادم اعتذاره للشعب السوري عن الفترة الماضية التي حكم فيها أو حُكم باسمه, ويعلن تخليه عن قيادة الدولة والمجتمع؛

2.       يدعو إلى عقد مؤتمر وطني شامل لجميع الفعاليات السورية في الداخل والخارج, ومن كافة الاتجاهات, دون استثناء أو تخوين؛

3.       يلغي حالة الطوارئ ومستتبعاتها؛

4.       فتح ملفات الفساد واستغلال السلطة, والطلب من كافة المسؤولين إجراء كشوفات لحساباتهم المصرفية, في بداية تمهد لتوفير الظروف الملائمة لاستعادة أموال السوريين المهربة والمهجرة من أجل استثمارها في الداخل, كحل لمشكلة البطالة المستفحلة, وخاصة بعد عودة آلاف العمال من لبنان؛

5.       ينسحب الحزب من مؤسسات الدولة, في الوقت الذي تجرى فيه انتخابات لاختيار الكوادر على كافة المستويات.

تمر سوريا في مرحلة صعبة يتحمل فيها النظام المسؤولية الأولى لكونه لم يسمح بتكوين بدائل له بصورة ديمقراطية, وذلك انطلاقا من طبيعته الشمولية والاستبدادية. وبالتالي فإن عليه الآن أن يسلك الباب الوحيد المفتوح, فيعتذر من شعبه ويتصالح معه...وبعد ذلك لكل حادث حديث.

 

للتعليق على هذا الموضوع