6 نوفمبر 2005

 

 

 

 

الداخلية تستعين بمروحيات للسيطرة على الشوارع

شغب فرنسا يتزايد ويحرق مدارس ومطاعم و918 سيارة في ليلته العاشرة

 

باريس ، الرباط: مارسيل عقل ، أ ف ب

سجلت أعمال العنف في فرنسا مزيدا من الاتساع أمس وامتدت من الضواحي الفقيرة لباريس إلى عدد من مدن البلاد مع إحراق قرابة 900 سيارة وسلسلة هجمات وإحراق مبان حكومية ومتاجر.

ولليلة التاسعة على التوالي، نزل شبان يتحدرون في غالبيتهم من أصول مهاجرة إلى الشوارع متجاهلين دعوات "الحوار" التي أطلقتها السلطات التي باتت أكثر عجزا عن وقف أعمال العنف.

وأحصت الشرطة أمس 897 سيارة محروقة في كافة أنحاء البلاد، وهي الحصيلة الأكبر التي سجلت في غضون 9 أيام، أي منذ بدء أعمال العنف في 27 أكتوبر الماضي بعد مقتل مراهقين اثنين من أصول مهاجرة في ظروف لا تزال غامضة.

وقالت الشرطة إنها اعتقلت 253 شخصا بينهم طفل في العاشرة كان يحمل زجاجة بنزين بيده.

وبلغ إجمالي الخسائر أكثر من 1700 سيارة وحافلة. فيما فاق عدد المعتقلين الـ 300، بينهم 233 في ضواحي العاصمة باريس وحدها.

وعقد رئيس الوزراء الفرنسي دومينيك دو فيلبان أمس اجتماعا مصغّرا مع الوزراء المعنيين وبينهم وزير الداخلية نيقولا ساركوزي ووزير العمل جان لوي بورلو ووزير التربية جيل دو روبيان ووزير العدل باسكال كليمان و وزير المساواة عزوز بغاغ. وأعلن ساركوزي، عقب الاجتماع، أن الحكومة متفقة ٌ على ضرورة اعتماد سياسة حازمة ومتشددة إزاء مفتعلي الشغب.

و عقد دو فيلبان اجتماعا مع إمام مسجد باريس رئيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية دليل بو بكر ليطلب المساعدة على تهدئة النفوس وحضّ المسلمين على الامتناع عن المشاركة في أعمال العنف.وأكد دوفيلبان لإمام مسجد باريس أن رجال الأمن لم يلقوا القنبلة المسيّلة للدموع التي وقعت أمام قاعة بلال للصلاة في ضاحية كليشي سو بوا خلال المواجهات التي وقعت نهاية الأسبوع الماضي.

وأعلن بو بكر أن الحادث كان مؤسفا وأن دوفيلبان أعرب عن احترامه وتقديره للجالية المسلمة التي تتساوى مع كافة الفرنسيين . وأوضح بوبكر أنه طلب من رئيس الحكومة والوزراء وخاصة وزير الداخلية أن "تكون تصريحاتهم سلمية وكلماتهم مهدّئة" في تلميح إلى تصريحات أدلى بها وزير الداخلية ووصف بها المشاغبين بـ "الحثالة" ووعد بتطهير فرنسا منهم. ولليوم التالي على التوالي اتسعت المواجهات.

وكان ساركوزي قال خلال زيارته مركزا للشرطة "الاعتقالات، هي المفتاح". مضيفا وهو يشاهد عدداً من الأشخاص المعتقلين: "أرغب في رؤية ذلك".

و أصابت أعمال العنف التي سجلت اتساعا لم تشهده فرنسا في السنوات الأخيرة، الضواحي الفقيرة حيث البطالة والفقر والشعور بتهميش الشبان المتحدرين من أصول مهاجرة، غالبيتهم من المغرب العربي وإفريقيا، في المجتمع الفرنسي، تشكل قنبلة متفجرة.

وأقر مسؤول في الشرطة بـ"انتشار" العنف الذي كان مركزا في البداية في منطقة سين ـ سان ـ ديني (شمال باريس).

وقد تم إحراق عشرات السيارات خصوصا في مدن تولوز وبو وبوردو (جنوب) وليل (شمال) ورين (غرب).

وفي المنطقة الباريسية التي حلقت فوقها للمرة الأولى مروحية للشرطة، تجنب الشبان، كما فعلوا الليلة السابقة، المواجهات المباشرة مع شرطة مكافحة الشغب.

وألقيت زجاجات حارقة على مفوضية للشرطة وكنيس. وتعرض عدد من الحافلات للهجوم والتدمير في باريس والمناطق.

وقد طالت الأضرار المؤسسات المدنية في عدد من البلدات والمدن حيث أحرقت مدارس وحضانات عديدة في ضواحي العاصمة الفرنسية.

وبدأ الغضب والاستياء يجتاحان الفرنسيين من كافة الطوائف والأطياف السياسية. وفي بلدة "أولني سو بوا" (شمال باريس) التي عانت أكثر من سواها من أعمال العنف سار أكثر من 500 شخص، وبينهم عشرات المسلمين، تنديدا بالاضطرابات داعين إلى عودة الهدوء.

وفي بلدة "سيفران" حيث أصيبت سيدة معاقة بحروق خطيرة بعد إلقاء كوكتيل مولوتوف على حافلة للنقل العام كانت داخلها، سار 150 شخصا داعين إلى وقف العنف. كما طالبت عائلتا الشابين اللذين شكّلت وفاتهما شرارة الأحداث في 27 أكتوبر الماضي ( تونسي ومالي، توفيا مصعوقين بالتيار الكهربائي بعد أن التجآ إلى غرفة محوّل كهربائي اعتقادا منهما أنهما ملاحقان) الشبّان بالعودة إلى الهدوء والتوقف عن أعمال العنف التي "تسيء إلى الجميع وخاصة الجالية المسلمة".

في غضون ذلك كثر الحديث عن تلاعب الإسلاميين المتطرّفين بمشاعر الشبّان وعن أياد خفيّة تقف وراء هذا التنظيم اليومي للمواجهات. وقال أيريك راول، النائب عن منطقة "سين سان دوني" إن شبح الإسلاميين يخيّم على عصابات المحرّضين ومثيري الفتن الذين يقفون وراء الأحداث". كما أعلن رئيس إحدى نقابات الشرطة، برونو بيشيزا أن الإسلاميين المتطرّفين استغلوا هذه الفرصة لإثارة الفتن وإشعال الحرائق".

من جانبها أعلنت مصادر المخابرات العامة أن إلقاء القنبلة المسيّلة للدموع أمام قاعة "بلال" للصلاة في بلدة لكيشي سوبوا، أثار غضب الأوساط الأصولية وساهمت في إشعال الأحقاد ونشر شائعات بشأن عزم أجهزة الأمن تدمير المساجد.

وقال أحد المسؤولين المسلمين في الضاحية، إن النبأ انتشر سريعا بين العائلات التي تسكن المنطقة وبلدة "أولني" القريبة، ومعظمها من مناطق وجدة وبيركان في المغرب وإن الاستياء الذي اجتاح البالغين تحوّل إلى ثورة عارمة في نفوس أبنائهم. وفي اتصال هاتفي أجرته " الوطن" مع مراد، وهو من سكان كليشي سو بوا، قال الأخير "إنهم (الشرطة) أهانوا الإسلام بإلقاء القنبلة على المسجد، ولم يتحرّك أحد من المسؤولين للاعتذار وكأن شيئا لم يكن" واعتبر "أنه لو حدث الأمر نفسه أمام كنيس يهودي أو كنيسة مسيحية لقامت الدنيا ولم تقعد".

ويطالب الكثير من مثيري الشغب باستقالة ساركوزي الذي تعهد قبل بدء أعمال العنف بتنظيف الضواحي "بخراطيم المياه" من اللصوص واصفا إياهم أنهم من "الرعاع".

وقال سكان بعض الضواحي التي تشهد أعمال عنف إنهم ملوا من حرب الشوارع هذه خصوصا أولئك الذين تعرضوا لأضرار.

وطالب بعض المسؤولين في المعارضة اليسارية بتنحي ساركوزي، وهو رئيس "حزب التجمع من أجل حركة شعبية" الحاكم والمرشح المعلن لانتخابات الرئاسة المقبلة في 2007.

واعتبر الحزب الاشتراكي أن أعمال العنف بلغت "مستويات خطيرة". فيما عبر أساقفة فرنسا عن "قلقهم البالغ" واعتبروا أن "القمع والتحريض على الخوف الجماعي" ليسا جوابا على مستوى هذه التوترات المأساوية في مجتمعنا".

وتحدثت بعض الدول وبينها الولايات المتحدة عن "مخاطر حرب أهلية" في فرنسا، وأوصت رعاياها بتفادي المناطق الحساسة في الضواحي.

و قد أعلنت وزارة الخارجية الفرنسية أن أعمال العنف هذه تشكل "حوادث خطيرة جدا" لكنها اعتبرت أن وسائل الإعلام الأجنبية تبالغ في وصف خطورة الوضع.

من جانبها قالت الوزيرة المغربية المنتدبة المكلفة شؤون الجالية المغربية المقيمة في الخارج نزهة الشقروني إن المغرب على استعداد للتعاون مع المناطق الفرنسية لكي يعود الهدوء إليها.

وقالت الشقروني: "نحن مستعدون للتعاون مع منظمات غير حكومية فرنسية مغربية لمؤازرة أفضل لكل هؤلاء السكان".

 

للتعليق على هذا الموضوع