Middle East Transparent

8 August 2004

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

 

الحياة في الوطن العربي وجودتها أرخص بضاعة في العالم. لماذا؟

 

مردخاي كيدار محاضر في قسم الدراسات العربية

جامعة بار-إيلان - اسرائيل

 

لقد ترددتُ طويلا في كتابة هذه المقالة كوني يهوديا واسرائيليا، فربما يستغرب البعض ويتساءل: ما لهذا اليهودي ولحياة العربي وجودتها، وخاصة في ضوء ما يدور في فلسطين. ولكن بعد ان شاهدت صور اشلاء عشرات العراقيين الأبرياء تتناثر في شوارع بعقوبة لمجرد رغبتهم في الانخراط في قوى إنقاذ وطنهم لم اعد أتمكن من السكوت. ولكل قارئ الحق في غض نظره من أقوالي.

 

حينما يستعرض شخص من خارج العالم العربي التاريخ العربي الحديث واقع المجتمعات في الشرق الأوسط لا مفر له من ان يستنتج بأن حياة الانسان العربي ذكرا كان أم انثى، طفلا كان أو مسنا- هي أهون شيء في نظر العرب أنفسهم قبل ان يستهينها الآخرون. ولهذا الاستنتاج دواعم عديدة. فالأسئلة التي تطفو تلقائيا كثيرة ومربكة ومتشابكة:

 

أولا الحروب: هل يعقل ان يخرج رئيس مسلم لدولة عربية لحرب ضروس ضد دولة اسلامية أخرى تدوم ثماني سنين ويضحّي خلالها بحياة نصف مليون من أبناء ما سمى بـ"شعبه"؟ وهل يعقل أن يشاهد 250 مليون عربي هذه الحرب طيلة الثماني سنين ولا يبالي احد بمصير القتلى والجرحى والأرامل واليتامى؟ كم مظاهرة خرجت الى شوارع الوطن العربي خلال هذه الحرب بين إيران والعراق مطالبةً بوقف شلال الدم العربي العراقي والاسلامي الايراني؟ وهل قام عربي واحد ليحاسب "أكبر زعيم عربي" - جمال عبد الناصر - على آلاف القتلى الذين خلف في اليمن؟ وفي صحراء سيناء؟ ومن سيدفع فاتورة عشرات آلاف القتلى في دارفور السودان؟ وكم سوري راح ضحية الحروب الخاسرة ضد اسرائيل؟ ولماذا؟ هل حرروا شبرا واحدا من فلسطين "المغتصبة"؟ وكم بالمائة من الفلسطينيين سيُلقون بأنفسهم الى التهلكة حتى يفهم أرباب العصابات الفلسطينية أن نداء "عاشت فلسطين" لا يمكن ان يتحقق إذا انتقل الشعب الفلسطيني بأسره الى جنات الخلد؟ وكم من اللبنانيين سقطوا ضحية للفتن الطائفية؟ وكم فلسطيني دهست جنازير الدبابات السورية التي اجتاحت مخيم تل الزعتر في 1976؟ وكم فلسطيني قُتل في الأردن في "أيلول الأسود" في 1970؟ وكم كويتي "اختفى" بعد الاجتياح العراقي للكويت عام 1990؟

 

ثانيا الارهاب السياسي: كم من المصريين والعراقيين والسوريين والليبيين والمغربيين وغيرهم من العرب فارقوا الحياة في معتقلات التجويع وزنازين التعذيب وسجون التأديب والمقابر الجماعية التي أقيمت كلها خصيصا لهؤلاء اللذين لا يريدون التغني بمدائح النظام و"قائد الأمة" و"رمز نضالها"؟ ومن يُخرج أهل حماه 1982 من مقابرهم ليسألوا "بأي ذنب قُتلنا"؟ وأين هم العشرون ألفا من الرجال والنساء والشباب أبناء ارض الشام الذين "اختفوا" حول سجن تدمر في 1980-1982؟ أليست هذه الظواهر إلا تجليات معاصرة للتراث "الزراعي" المستنير للحجاج ابن يوسف الثقفي؟ وكم من الجزائريين طـُعنوا في الصراع القبائلي الذي يتزخرف بالشعارات الجهادية والآيات القرآنية؟ وكم من السعوديين سقطوا وسيسقطون ضحية الصراع على السلطة والمقدرات في مسقط رأس الاسلام؟ وكم مصري قـُتل من رصاص الجماعات الإرهابية قبل اغتيال الرئيس أنور السادات وبعده؟ وكم نسمة ستكون حصاد الفوضى والصراعات وقطع الرقاب واستعراض العضلات وحضارة المتفجرات والفتن الطائفية في أرض الرافدين اليوم؟ وغدا؟ وفي اليوم الذي يليه؟ وهل نسينا حياة الأقليات الدينية والعرقية بين المحيط والخليج؟ وعلى فكرة، من أطلق النار برجل نبيل عمرو وأدى الى بترها؟

 

ثالثا الإهمال القاتل والفساد الفتاك: لماذا يكون نصيب الإنفاق الحكومي العربي على المستشفيات وتجهيزها أدنى من معدل الانفاق على صحة المواطنين في القارة الافريقية؟ وكم طفل عربي لم يكمل سنته الأولى بسبب تلوث البيئة والمياه وسوء التغذية والأغراض الخطرة المنتشرة في شوارع المدن العربية؟ كم من المصريين فقدوا حياتهم في حرائق القطارات وانهيار الجسور تحت عجلات الباصات وانهيار الأبنية بمن فيها بسبب انعدام الرقابة علي تنفيذ قوانين البناء؟ ولماذا يخضع القضاء في كثرة الدول العربية لقانون الغاب؟ ولماذا تخدم أجهزة الدول العربية أرباب المال وأصحاب العضلات والأقرباء والمقربين؟ ولماذا الاحتكارات؟ وأين الملايين بل البلايين التي تم تخصيصها لتعبيد الطرق وتطوير المواصلات وموارد المياه والصرف الصحي والبنية التحتية؟

 

رابعا العادات المميتة والتقاليد الجارحة: على كم فتاة عربية قـُرئت سورة البنت الموؤودة على خلفية شرف رجال العائلة؟ وكم بنت ذُبحت بسكين القهر الذي يمارسه رجال العائلة العربية متسترين وراء "العذر المخفف" و "العذر المحل" الذي ينطبق على الرجال فقط دون النساء؟ وكم من القتلة يسرحون ويمرحون في الشوارع والمقاهي والملاهي محتمين بتلك "الأعذار" بعد تصفية الحسابات مع أخواتهم في أمور لا علاقة لها بسلوكهن؟ وكم عربي راح ضحية لـ"ثقافة العيب" التي لا زالت تتحكم وبقوة بحياة المجتمعات العربية؟ وكم من النساء يعانين من عقلية "تأديب المراة" ليلا نهارا؟ أليس منطق "بيت الطاعة" هو الذي يلقي بظلاله بل بظلامه وبظلمه على الكثير من ميادين الحياة الاجتماعية والعائلية والاقتصادية في المجتمعات العربية؟ ولماذا تقطّع وتبتّر الأعضاء التناسلية لأكثر من 4000 بنت يوميًا في مصر والسودان واليمن؟ لماذا يحرمن تلك الزهور من حق الاستمتاع بالشيء الممتع الأخير الذي بقي في حياتهن البائسة التاعسة؟ ولماذا يعاقبن جسديًا علي جريمة لم يقمن بها قط ولم يفكرن فيها أصلا؟ ولماذا يُجبر معظم الفتيان والفتيات الناطقين بالضاد على زواج من لا يرضون به شريكاً لحياتهم؟ وكم عربي فارق الحياة نتيجة لنزاعات على أتفه الأمور مثل الملاسنة والمشاجرة وأولوية المرور؟ وكم سقطوا ضحايا دفاعا عن "الكرامة"؟

 

خامسا ملاحقة الحرية والفكر والمثقف: لماذا يكون المثقف العربي إما مطعونًا أو مسجونًا أو مهجوراً أو مهمّشاً كلما لم يكن جزءاً من آلة القمع السلطوية؟ ولماذا التعتيم الإعلامي على الفساد والمفسدين في الكثير من الدول العربية؟ وأين حرية الابداع الفني؟ ولماذا تتحكم مجموعة من ذوي اللحى والعمائم بما يقرأه جمهور البالغين الواعين من على صفحات الكتب أو بما يشاهده هؤلاء في دور السينما؟ ولماذا يقبع في السجن الأحرار في سوريا الذين ينادون باطلاق سراح 18 مليون مواطن سوري أو الذين يستخدمون الانترنت كما يستخدمه مئات الملايين في العالم المتحضر؟ وفي أي دولة عربية توجد مادة "حقوق الانسان" في المناهج التعليمية؟ وفي أي من الدول العربية تؤخذ حقوق المواطن على محمل الجد؟

 

فالخلاصة: لماذا تكون انحاء كثيرة من الوطن العربي مشابهة بالجهنم الذي لا يبعث في نفوس الملايين من القاطنين فيها الا الرغبة في الهجرة الى وراء البحار؟

 

الأجوبة لجميع هذه الأسئلة لا تتيح أي مجال الا للاستنتاج بأن العرب يولون للحياة ولجودتها أدنى قيمة حيث أن هناك الكثير من الأمور التي تبلغ أهميتها درجةً أعلى بكثير من حياة الإنسان في الوطن العربي. فلماذا يستغرب العرب حين لا يولي الآخرون أهميةً لحياة العربي ولجودتها؟ أليس هذا نوعا من النفاق حين يطالب العربي من الأجنبي بحق لا يمنحه هو لنفسه ولأخيه ولزوجته ولبنته ولجاره؟

 

أجل, المشكلة الأساسية في العالم العربي هي تهميش الانسان وحياته وجودتها وعدم التركيز على المواضيع التي كان من المفروض ان تخدم الانسان. فأصبحت كل من الدولة والنظام والملك والرئيس والأمة والعصابة والحوزة والقبيلة والحزب والأرض والعرض والمجتمع والأسرة والمال والشرف والكرامة والعيب والعادات والتقاليد والفتاوى والجهاد كل منها أهم من حياة العرب منفردين ومجتمعين.

 

ولن يأتي تحول جذري في أوضاع العالم العربي حتى تنقلب الآية ويصبح الانسان العربي منفردا ومجتمعا هو جل الاهتمام ومحور النشاط وتصبح جميع تلك الامور أداة لتأمين حياته وجودتها. لقد حان الوقت لأن يبدأ العالم العربي في الاهتمام بحق الانسان في الحياة والصحة والعمل والأمن والأمان انطلاقا من القاعدة القائلة بأن "حقوق الانسان" هذه هي أصلا "واجبات السلطان". حينئذ يلتحق الانسان العربي -وفي وطنه، لا في المهجر!- بركب الحضارة المستنيرة التي يصبو اليوم الى الهجرة اليها، الى وراء البحار. وما لم تتغير جذريًا نظرة المجتمعات والدول العربية الى حياة الانسان العربي وجودتها سيكون مستقبل العالم العربي نسخة طبق أصل الماضي القذر، بل وأسوأ منه، وتبقى الحياة في العالم العربي أرخص بضاعة في المعمورة بل وربما في الكون كله.

mkedar@mail.biu.ac.il

 

Your Comments

ali
guevara63@maktoob.com
صورة نمطية
ويحدثونك عن الاستشراق صورة نمطية للعرب من قبل مستشرق متعصب من تلك الجامعة
التي خرج منها إيغال عمير 
يا سيد كيدار , ما كتبته عن العرب ينطبق ايضا عن الصين وامريكا , وليس هذا من قبل
التقليل من المشاكل لدينا ولكن من مقالك يستشف منه ان سيولة الحياة عندنا لا تبعد ان
تكون جينية ( اي مطبوعة في الدي ان ا ي ) يا عزيزي , دعني اسالك عن المجازر التي
ترتكبها اسرائيل ؟ هل منها استطيع ان ادعي انكم جميعا ارهابيين وقتلة , طبقا للمنهج
في مقالك ؟
 
علي فردان
ali_fardan2000@yahoo.ca
الحياة في الوطن العربي وجودتهاأرخص بضاعة في العالم.لماذا؟
لا أستطيع أن أقول أو أزيد كلمة واحدة على ما ذكره الكاتب، 
حقيقة عرفناها سابقاً، ونعيد قراءتها كل يوم.
كتبت فأبدعت لن يتحرر العرب طالما بقيت هذه الأنظمة
الاستبدادية تفكر عن الشعوب وتتصرف نيابة عنها.
 
Sara Goldmann (Tel Aviv) 
Comment on kedor's article :
I don't like the way he treats
all arabs-as if they are all the same. from your 
site we see that there are reasonable voices.As we 
israelis don't like generalizations like the jews are...or
isrealis are...we should not say the arabs are... it
is a kind of  a racist attitude.You can say there are
radical arabs like radical israelis,or jews,but the
most important thing is to start a dialogue.if
israelis start with self criticism-they have the right
to criticize the other side.this is the reason why I
prefer  an arabic self criticism.it is too easy for
us-israelis to criticize the other side and foget our
mistakes.

 

suzanne
dibbiny@012.net.il
الحياة فى الوطن العربى
نادرا ما نجد الانسان الصريح الواضح فى افكاره وكتاباته والمنطقي فى تحليله للامور. 
نحن نحيا هذه المأساة منذ اجيال ولكن المشكلة تبقى فى ان الانسان العربى يخشى من 
التقدم فى الحياة ويرضى بالواقع الاليم رغما عنه . فيا حبذا لو كان هناك اكثر من 
كيدار واحد لينير لناالطريق على امل ان نسير بها يوما ما.

 

ikbal
ahikbal@yahoo.fr
الحياة العربية و جودتها ارخص بضاعة قي العالم
نعم  الحياة العربية و جودتها هي ارخص بضاعة في العالم.
لماذا لان المثقف العربي لا يزال سجين مفاهيم تقليدية مثل 
الهوية و الكرامة العربية و الامة الخ.. وهي عوائق مظللة 
تمنعه من الانخراط في المعركة الحقيقية ضد الجهل والتخلف 
والبربرية بأنواعها.