31 أغسطس 2005

 

 

 

 

الدستور وأشلاء العراقيين

مردخاي كيدار*

 

لقد كرست وسائل الاعلام العربية المساحات الشاسعة والساعات الطوال هذه الأيام للنقاشات في موضوع الدستور العراقي البالغ الأهمية في حياة العراق بل وفي حياة اللأمة العربية جمعاء. فلأول مرة في التاريخ العربي المعاصر يقف مجتمع في دولة عربية أمام فرصة صياغة حياته بأيديه، ليس بيد المستبدين الذين يسنون الدساتير والقوانين للحفاظ على تحكمهم بمقاليد الأمور.

 

ولكن لا مفر من الجزم بان الدستور - أي دستور - ليس عصا سحرية تحل المشاكل بمجرد وجودها لان الدستور عليه ان بُقبل من المجتمع كوثيقة ملزمة للجميع، بمعنى ان الجميع عليهم ان يوافقوا مسبقا على ان لدستور والقوانين التي ستنبثق عنه مفروضة على الجميع وملزمة كل واحد للتصرف بموجب نصوصها حسب تفسير محكمة مقبولة للجميع. وبما ان القانون "أعمى" بمعنى انه يسري على الجميع على اختلاف طوائفهم وثقافاتهم وانتمائاتهم العشائرية والدينية والمذهبية فعلى الجميع ان يتصرف بعقلية التعددية الدينية والمذهبية والثقافية ويقبل كل واحد بالآخر وأن للآخر الحق في ان يكون آخر.

 

الدستور والقانون يحتاجان الى قاعدة مجتمعية صلبة اسمها "تعددية" تعني الموازنة بين الموافقة المسبقة على قرارات تتخذها الأغلبية بالآلية المقبولة المنصوص عليها في القانون حتى ولو كانت منافية لرؤية الأقلية - من جانب، واحترام حقوق الأقلية في كل مسألة والامتناع قدر الإمكان عن إجبار الأقلية على التصرف بعكس رغبتها انطلاقا من مفهوم حقوق الأقليات - من جانب آخر. هذه الموازنة تفرض على المشرّع واجب مستمر لملائمة القوانين مع المتغيرات المجتمعية وعدم حبسها في قوالب متحجرة تبعّد القانون من المجتمع المركب والمتغير باستمرار بل بسرعة.

 

هذا ما يدور في دولة اسرائيل، التي تعيش حياة مستقرة نسبيا منذ تأسيسها قبل 57 سنة بالرغم من انعدام دستور حيث عندنا سلسلة من القوانين الأساسية التي لا تغطي جميع أوجه الحياة بسبب عدم الموافقة على بعض الاسئلة الاساسية وعلى رأسها مكانة الدين في الدولة. فبما ان الخلاف داخل المجتمع اليهودي بين المتدينين والعلمانيين لم يحسم بعد فالدولة لم تبتّ في هذه المسألة والكل يعيش بسلام نسبي مع الآخر ويحترم حقه ان يكون آخر.

 

حالة نعدام الدستور خلقت "كلاب حراسة" قوية وأحيانا "شرسة" للمحافظة على مبدأ التوازن بين الرؤى المختلفة، ألا وهي محكمة العدل العليا ووسائل الإعلام، وهي لا ترحم اي انحراف عن المسلمات من جانب وتصغي للمتغيرات وتتفاعل معها من جانب آخر وهكذا يتم التوازن.

 

وهناك بعض الأمثلة:

 

1. قبل عشرات السنين سنت الكنيست (البرلمان الاسرائيلي) قانونا حرم العلاقات الجنسية بين مثيلي الجنس وعوقب المخالفون بموجبه. ولكن مع تغير التوجة الدولي في هذه المسألة تغير القانون بصورة تدريجية ليعكس التغيرات في رأي المجتمع والانفتاح الذي يعامل المجتمع به هذه المسألة. ولو كان هناك دستور ينص ان الدين هو مصدر التشريع كان من الصعب تغيير القانون حسب ما يريد المجتمع لان الدين يحرم العلاقة بين المثليين.

 

2. التغيرات في انواع الزواج. ففي السنوات الأولى للدولة كانت أمام اليهود امكانية الزواج حسب التعاليم الدينية فقط ولكن مع السنين تعززت التوجهات العلمانية في المجتمع الاسرائيلي فاعترفت الدولة باشكال اخرى للزواج، أكثرها مخالفة للدين. فالمتدينون لا يزالون يتزوجون حسب الشريعة ليهودية والعلمانيون - إن تزوجوا - امامهم عدة طرق زواج غير دينية، والبعض يعيش بسلام مع البعض الآخر بناء على مبدأ التعددية.

 

3. لقد تحسنت معاملة الدولة للأقلية العربية الفلسطينية المعروفة بعرب 48 عبر السنين بالمقارنة مع الوضع في السنوات الأولى بعد تأسيس الدولة وذلك بسبب اتساع التوجهات الليبرالية عند الأكثرية اليهودية التي وجدت تعبيرا في احكام محكمة العدل العليا الاسرائيلية التي أصبحت المدافع الأول عن حقوق الفلسطينيين مواطني إسرائيل. ولا اقصد القول بأن عرب 48 يعيشون في جنة فيحاء.

 

من هنا فغياب الدستور لا يعني انعدام حقوق الانسان ولا يعني انعدام قواعد لعبة سياسية مقبولة اجتماعيا لان العقلية الجماعية (اذا صح التعبير) المبنية على مبدأ التعددية والقبول بالآخر أهَمّ ألف مرة من أي دستور حتى ولو كان تنزيلا منزّلا من اللوح المحفوظ وصل عبر خط الفاكس الاحمر الذي يربط سدرة المنتهى مع مجلس النواب. وبالعكس فاذا كان الناس لا يقبلون بعضهم بالبعض ويديرون الخلافات فيما بينهم بالقنابل والسيارات المفخخة وحناجر قطع الرقاب فلا ينفعهم أي دستور ويمكنهم استخدام صفحاته للفّ اشلائهم لدفنها معه، لا أكثر.

 

فأين شعب (او بالأحرى شعوب) أرض الرافدين من هذه الحقيقة الناصعة؟

 

mkedar@mail.biu.ac.il

 

* قسم الدراسات العربية في جامعة بار إيلان، اسرائيل

 

للتعليق على هذا الموضوع