6 مايو 2005

 

 

 

 

 

 

الإسلام الذي نريد: تنويريّ في تونس

الدكتورة منجية السوايحي

 

 

      لقد شكلت تونس طوال تاريخها العريق مهدا للحضارات و جسرا متينا للتواصل الثقافي و الحضاري و الديني ، و الإسلام أحد أبناء تلك الحضارة الضاربة في أعماق التاريخ منذ تأسيس قرطاج ( سنة 775 ق.م ) و أثّر هذا الدّين في حضارة تونس و تأثر بأفضل ما فيها من مبادئ دينية و إنسانية و قيم سامية تحترم الإنسان ككائن بشري ، و اخترت بعضا من تلك المبادئ و القيم التي تدفع تهمة الإرهاب و التشدد و التنطع عن الإسلام و منها :

 

أوّلا : حق الاختلاف

      قيمة أساسية في الإسلام تنطلق من مبدأ احترام الإنسان ، و احترام حقه في التنوع و الاختلاف ، و تجسده آيات كثيرة ، لا يمكننا سردها كلّها و لكن نقف عند بعضها :

      ـ ] وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ [ (هود:18) .

      ما يدلّ على أن الخالق أراد أن يوجد على الأرض أجناس و لغات و أديان ، و ثقافات و حضارات متعددة و مختلفة .

 

ثانيا : الحرية الدينية

      يرفض الإسلام الإكراه في الدين ، و ما ينفكّ يلحّ على الحرية الدينية في أكثر من آية يخاطب بها رسوله الكريم مثل هذه : ] وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ [ ( يونس : 99 ) تعلن الآية أن الرسول صلى الله عليه و سلّم و هو المكلّف بالتبليغ لا يمكنه أن يجبر النّاس على الإيمان بما يبرز أن الإيمان اقتناع شخصيّ و لا ينفع معه الإكراه بنص هذه الآية:

      ] لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [ ( البقرة : 256 ).

      و من هنا يصبح الإسلام عامل تعايش بين المختلفين ، و مقرّا لحرية العقيدة كما تقرأ في هذه الآية :

      ] يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [ ( الحجرات : 13 ).

 

ثالثا : مكانة الفرد في الإسلام

      يتوجه الإسلام للإنسان كفرد حرّ يتمتّع بحقوق فردية و ليست الفلسفة الفردية (Individualisme ) من خصوصيات الحضارة الغربية و من اكتشافاتها كما يزعم بعض مفكّريها كصموئيل هانتنغتون الذي يقول أن الغرب هو الذي وضع حقوق الإنسان كفرد و أعطى الحريات العامة أولوية مطلقة مما جعل حضارته متعالية و مهيمنة لكونها عالمية ( Universelle ) و متفردة ( Unique ) ، متجاهلا أن النصوص التأسيسية للإسلام خاطبت الإنسان كفرد و كمجموعة ، لتحدّ من الأنانيّة المفرطة للفرد ، و تمنع ذوبانه في المجموعة بما يؤهل الفرد ليعيش وسط المجموعة و يحترم حقوقها كما تحترم هي حقوقه و لذلك كرّم الله الإنسان بقوله : ] وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً [ ( الإسراء : 70 ) .

 

رابعا : التعايش و التسامح

      يقرّ الإسلام حقيقة التعايش بين الفئات المختلفة و خاصّة على الصعيد الديني و التعايش يحتاج إلى التسامح " بكل ما تحمله الكلمة من حرية للبشر ، و مساواة بينهم في غير تفوّق جنسي ، أو تميّز عنصري ، و نفي لكل عداء متوارث ، ومن شعور تقديري نبيل للإنسانية ، يسعى إلى الحقيقة و إلى الحرية و يتغلب على حب الأنانية التي تستبدّ بالذات " و أبرز الرسول صلى الله عليه و سلّم هذا القيمة في العبارة التالية : " بعثت بالحنيفية السمحة " .

 

      و الحنيفية ديانة إبراهيم عليه السلام ، ديانة التسامح و التآخي و التعايش ، فاختار الإسلام إبراهيم كمثال للتسامح ، لأن ديانته تجمع كل الديانـات بعبارة هذه الآية : ] قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [    ( الأنعام : 161 ) .

 

      و ترسخا لهذين القيمتين : التعايش و التسامح ، يقول الله تعالى : ] آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ [ ( البقرة : 284 ) .

 

      تؤشر هذه الآيات و مثيلاتها أنه لا قطيعة بين الإسلام و بقية الأديان و إنما تكامل ، و تواصل لخدمة الإنسان .

 

خامسا : الإسلام دين الأخلاق و السماحة

      مما اتصف به هذا الدين أنه دين الأخلاق و السماحة ، و السماحة بمعنى الجود و الكرم و العطاء ، و منها اكتسبت أفعال العباد للمعاملة بالسهولة و اليسر و عدّت السماحة علامة الفلاح بنص هذا الحديث الشريف : << السّماح رباح والعسر شؤم >> يدعمه هذا الحديث الثاني : << رحم الله رحلا سمحا إذا باع وسمحا إذا اقتضى >> .

 

      و يوضح الحديث الثالث موقف الإسلام من حسن الأخلاق : << سأل رجل الرسول مرّة : يا رسول الله أيّ العمل أفضل ؟ فأجابه عليه الصلاة و السلام : << إيمان بالله ، و تصديق ، و جهاد في سبيل الله ، و حجّ مبرور >> .

 

      قال الرجل : أكثرت يا رسول الله ، فردّ صلى الله عليه و سلم : << فليكن الكلام ، و بذل الطعام ، و السماح ، و حسن الخلق >> . و تثبت هذه النصوص أن الإسلام لا يقف عند الأركان المعروفة : ( الشهادتان و الصلاة و الزكاة والصوم و الحجّ ) و إنما يتجاوزها لحسن معاملة الآخر في إطار السماحة والاحترام و حسن الخلق الذي عرف به الأنبياء حسب عبارة هذه الآية : ] إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [ ( القلم:5 ) . و كلمة الرسول صلى الله عليه و سلم : << إنما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق >> .

 

سادسا : الإسلام دين الوسطية و اليسر

      << و الوسط هو الخير و الأفضل لأنه يوجد بين صفتين ذميمتين كالتفريط و الإفراط و التحلل و الغلو >> ، و يقرّر الرسول صلى الله عليه و سلم نفس الشيء في حديثه هذا : << بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق >> .

 

      و تتفق الوسطية مع اليسر بدلالة قوله تعالى : ] يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [ ( البقرة : 184 ) . و بصفة جمليّة يرفض الإسلام التشدد و التعصّب ، ويدعو إلى اللين و السماحة ، و يفرق في المعاملة بين من يحسن إليه و من يسيء إليه ، و يقوم أساسا على نشر المحبة و المودّة بين الناس ، و يؤسس للتكافل والتعاون و التضامن ، و ما ننتهي إليه أن تونس اختارت إسلام القرآن و السنة النبويّة ، أما التفسيرات المنحرفة للكتاب و السنة و التي تدعو إلى التعصّب والإنغلاق و الانكفاء على الذات فهي ترفضها ، لأنها ليست هي الإسلام ، إن هي إلا تفسيرات فردية و قليلة .

 

      و التزمت تونس بالإسلام كدين و حضارة ، كدين عبارة عن جسر بين الحضارات و الثقافات ، دين تأسس على مبادئ كونية صالحة لكل زمان و مكان كمبدإ الحرية و التعاون ... و التي تعيش على << تثبيت أركان مجتمع التوازن والاعتدال و التضامن ، الرافض للتطرف، المنفتح على محيطه و المتأصل في جذوره >> .

 

      الإسلام الذي يدعو إلى تكتل المجموعة البشرية لمجابهة كل ما يعرقل مسار العالم نحو تحقيق تلك المبادئ ، إسلام يفتح في وجه التحديات المعاصرة معتمدا على قراءات جديدة و متطورة و متنوّرة .

 

      وما نطلبه من المجتمع الدولي أن يعتبر الإسلام و المسلمين التنويريين كغيرهم من الشعوب فقد أوجد هذا المجتمع قوانين تحمي اليهود و المسيحيين والسيخ كالتي تطبّق في بريطانيا فلمذا يحرم منها الإسلام و المسلمون . إنّ الديمقراطية لا تتجزّأ وحقوق الإنسان للجميع .

 

*أستاذة الدراسات العليا في تونس

 

للتعليق على هذا الموضوع

"rahibjamal" <rahib@menara.ma> 

Date: Sun, 29 Apr 2007 14:21:20 -0000

    TRéS BEAU

"SIMO" <SIMO-52@menara.ma>    

Date: Thu, 17 Nov 2005 15:25:00 -0000



موضوع جيد و شكرا للاستاذة الدكتورة منجية السوايحي جزاها الله خيرا