22 ديسمبر 2005

 

أبحاث أستاذة جامعية تثير عاصفة غضب

شيوخ مجمع البحـــوث الإسلامية

منجية السوائحي

 

 

تقدمت الدكتورة منى طلبة عضو التدريس بجامعة عين شمس كلية الآداب بثلاثة بحوث لنيل درجة الأستاذية.

- البحث الأول بعنوان "حديث الاسراء والمعراج"

- البحث الثاني بعنوان"الحور العين بين الدين والأسطورة"

- البحث الثالث بعنوان"الولدان المخلدون في النص الأدبي"

 

ونالت الأستاذة ببحوثها العلمية درجة الأستاذية والحمد لله لأن لجان الترقية في جامعات مصر لا سلطان عليها إلا العلم. إلا أن هذه الترقية لم ترق لشيوخ مجمع البحوث الإسلامية فثارت ثائرتهم وتولت لجنة بحوث القرآن بالمجمع قراءة هذه البحوث وأصدرت حكما اتهمت فيه الباحثة منى بالإساءة إلى القرآن ثم كتب أعضاء اللجنة مذكرة إلى شيخ الأزهر ليخبر رئيس جامعة عين شمس وحكموا ببطلان الترقية وإلغائها حسب ما جاء في صحيفة "لمواطن الحر" العدد 4 الثلاثاء 2 أغسطس 2005 وفي صحيفة "نهضة مصر"العـــدد 478 السنة الثانيــــة الخميس والجمعـــة 20-21أكتوبر 2005، ومما كتب في المذكرة "أفصحت الكاتبة عن هذا المدخل في الفهم والذي يؤدي إلى إنكار المعلوم من الدين بالضرورة وهوية الإسلام والمجمع عليه بين المسلمين....وتكفي هذه الرؤية... لرفض هذه الأبحاث وبيان ما سوف تؤدي إليه من ضلالات وسخافات خرجت عن كل ضابط علمي".

 

وحقيقة الضابط الذي يتحدثون عنه هو ضابط إيديولوجي وليس علمياّ.

 

ويتواصل تحكم أعضاء اللجنة على بحـــــوث د. منى فيقولون"فكأن أبحاث الكاتبة مقدمة لفكر مدرسة تريد أن تعصف بالثوابت وتدمر المطلق ...فضلا عن إتباع منهج في التفسير والتأويل يخالف ويعارض ما أجمع عليه السلف والخلف من علماء الأمة في فهم آيات الكتاب العزيز".

 

ثم يصدرون الحكم الفاصل على هذه الباحثة بهذه العبارة"إن الاعتداد بما ورد في هذه البحوث يمثل خطا علميا جسيما في البحوث الإسلامية ونشرها يؤذي مشاعر المسلمين في كل مكان وقد يغري السفهاء بالتطاول على كتاب الله عز وجلّ كما لا يصح أن ترقّي هيئة التدريس بجامعة مسلمة داخل بلد مسلم بالطعن في كتاب الله وأن هذه الترقية بهذه المثابة تعتبر باطلة".

 

ومن يعود إلى بحث "الحور العين بين الدين والأسطورة"وهو البحث الذي أثار عاصفة الغضب أكثر من الاثنين الآخرين،ويقرأه برصانة وبعد نظر يلاحظ أن د. منى طلبة لم تسئ إلى القرآن الكريم بل تصدت للدفاع عنه من التفسيرات الخرافية والأساطير والأوهام ومما تقوله الباحة بعد أن تتحدث عن النص الأسطوري والنص الإنساني"إن النص الديني يبدو أكبر من النص الأسطوري والإنساني إذ يحتويهما معا ويعلو عليهما فالمقدس في الدين هو تلك اللغة التي تحكي الحكاية ثم تفتت التصديق الحرفي لها لصالح بعدها التأملي اللغوي ومن ثمة فالدين مجال الدعوة للقراءة وهو مجال تقويض التصديق بالخرافة لصالح الجهد المبذول من قبل القارئ لاستنباط الفكرة أو القيمة من خلال اللغة".

 

ثم عمدت الباحثة إلى قراءة تأويلية لآيات الحور العين بالاعتماد على ثلاثة تفاسير قديمة:

-الأول تنوير المقباس من تفسير ابن عباس وهو تفسير ينسب لابن عباس

-الثاني الكشاف للزمخشري

-الثالث تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي وجلال الدين ابن المحلى.

 

وقد نقلت الباحثة منى حرفيا ما جاء في هذه التفاسير من أقول حول الحور العين وأوضحت ما جادت به مخيلة هؤلاء المفسرين الذي وصلت بهم حدّ الأسطورة في وصف الحور في الجنة وتمتع المؤمنين بهنّ حتى أن القارئ يشعر عند قراءة تفسيراتهم أنهم كادوا يحولون القرآن إلى نص أسطوري،ثم تعقب د.منى مدافعة عن القرآن ناقدة للتفاسير الخيالية مستندة إلى التأويل فتقول"النص الديني هو المقوض للأسطورة عن طريق التفسير والتحليل اللغوي للكلمات ولكنه في النصوص المفسرة السابقة يتحول إلى حكاية عن المتعة والنعيم المنتظر...".

 

إنما أرادته الباحثة أن تبين شطحات بعض المفسرين في قراءة النص الديني وعكس تصوراتهم على القرآن ولاحظت أن القرآنلا يقف عند تلك التفسيرات وهو قابل لتأويل جديد يخرجه من دائرة الأسطورة التي جاء ليقوضها وهذا في رأيي كمختصة في الدراسات القرآنية ليس إساءة للقرآن وإنما دفاع عنه.دفاع اختارته الباحثة منى بمنهجها التأويلي الذي قد يختلف فيه البعض معها وهو حر في ذلك لأن منى لم تفرضه على أحد،وباب النقاش مفتوح والقلم حكم بين المثقفين إذا تهمة الإساءة إلى القرآن باطلة لأن القرآن أكبر من أن يسيئ إليه شخص ولأنه حمال لوجوه ولأن لا أحد يمتلك الحقيقة المطلقة في تأويل القرآن فالحقيقة المطلقة يعلمها الله وحده وهذا ما ذهبت إليه د. منى.

 

أما تهمة مخالفة الباحثة منى لما أجمع عليه السلف والخلف من علماء الأمة في فهم القرآن فإنها تهمة إيديولوجية وليست علمية لأن مخالفة السلف والخلف في ما يدخل تحت الرأي والاجتهاد جائزة ومباحة وقد وقعت بالفعل بين العلماء وقد ذهب فريق من علماء الأمة إلى أن الموقوف على الصحابي من التفسير والتأويل لا يجب الأخذ به لأنه لما لم يرفعه عُلم أنه اجتهد فيه والمجتهد يخطئ ويصيب،واجتهادات الصحابة كسائر المجتهدين "أنظر التفسير والمفسرون للذهبي ج 1ص 95،ط.2سنة 1976"ورأى الإمام أحمد بن حنبل وابن عقيل وشعبة وغيرهم أنه لا يؤخذ بتفسير التابعي أيضا لأنه ليس له سماع من الرسول صلى الله عليه وسلم فيجوز عليه الخطأ في فهم المراد وظن ما ليس بدليل دليلا،ومع ذلك فعدالة التابعي غير منصوص عليها،ونقل عن أبي حنيفة أنه قال:"ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين وما جاء عن الصحابة تخيرنا وما جاء عن التابعين فهم رجال ونحن رجال"(أنظر التفسير والمفسرون ج 1 ص 127) وقال ابن تيمية قال سعيد ابن الحجاج وغيره:"أقوال التابعين ليست حجة فكيف تكون حجة في التفسير؟ يعني أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم،وهذا صحيح أما إذا أجمعوا على الشيئ فلا يرتابوا في كونه حجة فإذا اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض ولا على مَنْ بَعْدَهُمْ ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن أو السنة أو عموم لغة العرب أو أقوال الصحابة في ذلك(أنظر مقدمو ابن تيمية في أصول التفسير ص 28 -29 ،وفواتح الرحموت ج2ص188والاتقان في علوم القرآن ج2ص179).

 

بناء عليه فإذا كان قول الصحابي أو التابعي اجتهادا فإنه لا يلزم أحدا بإتباعه، والباحثة منى طلبة لم تنقل عن صحابيّ ولا عن تابعيّ إنما نقلت عن تفسير منسوب لابن عباس ثم عن الزمخشري من رجال القرن 6هـ/12م وعن الجلالين جلال الدين السيوطي وجلال الدين ابن المحلى من رجال القرن 9هـ/15م ومخالفتهم ونقدهم جائز عقلا وشرعا وعلما لأنهم غير معصومين فالعصمة للرسول وحده فيما يتلقاه عن ربه من الوحي ،فإذا كانت مخالفة الصحابي أو التابعي جائزة في مجال الاجتهاد أفلا تجوز مخالفة من جاء بعدهم من العلماء وهو عين ما قامت به الباحثة منى في التأويل والتجديد وهو فرض على كل مسلم واع بالقرآن الكريم وواع بصلوحيته لكل زمان ومكان وحافظ له من الجمود والتكلس الفكري وداع إلى العمل بالقرآن في عصره والاستفادة من ألفاظه ومعانيه وأهدافه ورموزه وحقيقته ومجازه وكل مسلم في نظري مسؤول عن تجديد التأويل لأنه بقدر ما تحدث للناس من قضايا تحدث لهم حلول وما قامت به د.منى يصب في هذا الاتجاه،فما هو موقف كل من اتهم منى بالإساءة إلى القرآن في التأويل من كتاب"مجاز القرآن" لأبي عبيدة معمر بن المثنى، ومن "دلائل الإعجاز" لعبد القاهر الجرجاني، ومن "معاني القرآن" للفرّاء، ومن تفسير ابن عربي، ومن "ثلاث رسائل في الإعجاز" للرماني والخطابي والجرجاني وكلها وقفت طويلا عند المجاز والحقيقة في القرآن وعند الاستعارة والتشبيه والتمثيل وما إلى ذلك؟؟؟

 

أمّا إشكالية الإجماع هذه التي يرفعونها سيفا على رقاب الباحثين والدارسين المجددين لتأويل القرآن فإنها إشكالية باطلة لأن الإجماع لم يحدث في تاريخ الأمة الإسلامية مما اضطرهم إلى اختراع ما يسمى بالإجماع السكوتي فهل تصدقون إجماعا سكوتيّا فأين الإجماع والأمة اختلفت حالما توفي الرسول صلى الله عليه وسلم،فعن أي إجماع يتحدثون والأمة افترقت إلى ثلاث وسبعين 73 فرقة كل فرقة تؤول القرآن حسب مذهبها،فأين الإجماع والمذاهب السنية أربعة أضف إليها المذهب الشيعي وفرقه والمعتزلة وفرقها والقائمة تطول أليس من المغالطة أو من الغباء أن نتحدث عن إجماع علماء أمة خالفتهم الدكتورة منى طلبة.

 

إضافة إلى ما ذكرت فإن بحث"الحور العين بين الدين والأسطورة للباحثة منى منشور في مجلة "إبداع السنة السادسة عشر يناير 1998وهو البحث الذي أثار ثائرة أعضاء مجمع البحوث الإسلامية أكثر من البحثين الآخرين وقد تقدمت به الباحثة إلى لجنة الترقية سنة 2005، فأين كان هؤلاء الجماعة -الذين يتهمون منى بالإساءة إلى القرآن- ما بين سنة 1998 وبين سنة 2005 حوالي 7 سنوات ولا أحد طعن في هذا البحث فلماذا تقوم الدنيا عندما ترتقي الدكتورة منى إلى رتبة أستاذ بالجامعة هل أن النقد ينام سبع سنوات ثم ينهض أم أنه كُرْهٌ للمرأة الناجحة.

 

ما أختم به كلامي أن الدكتورة منى طلبة باحثة رصينة لها منهجها في البحث والتأويل ومن حقها أن تختلف مع غيرها في الرؤية والفضل لله أن القرآن من حق كل مسلم وليس حكرا على جماعة تدعي امتلاكه وامتلاك حقيقته كما أنه ليس من حق جماعة أو هيئة دينية أو غير دينية أن تحجر على الناس البحث وترهبها بتهم خاوية.

 

إنه لمؤسف حقا أن يعيش العالم الإسلامي اليوم لحظة اختلط فيها الحابل بالنابل وصل درجة من الانحطاط يتحكم فيها البعض على البعض الآخر ويطلق فيها التهم جزافا ليمنع ترقية أستاذ وليمنع من وراء ذلك حق البحث وحق التأويل.

 

ومن المأساة التي يعيشها العالم الإسلامي أن تتدخل الهيئات الدينية في قرارات لجان الترقيات في الجامعات وإن كانت اللجان العلمية لا تعير اهتماما لتدخلها ولكن مجرد ذلك التدخل دليل على الانحطاط وعلى التقهقر العلمي الذي أصبح يتخبط فيه المسلمون والبارحة كان نصر حامد أبو زيد واليوم منى طلبة والبقية تأتي.

إن القضية لا تتعلق بشخصين فقط أو ثلاثة لأن جوهرها يمس كل مثقف عربي ومسلم يحمل هم الثقافة وينادي بالتجديد والخروج من الكهوف وآخرها الدكتوراه الفضيحة التي نادت بإباحة دم أكثر من 200 مثقف من العالم العربي والإسلامي.

 

إن المثقف الحر الواعي سيواصل طريقه في التجديد وإعادة التأويل غير عابئ بما يقوله أصحاب الرؤية الأحادية لأن أفقهم ضيق وتهمهم باطلة وزائفة بإذن الله.

 

فنحن معك يا دكتورة منى جدار صد أمام التكفير والتهجير والتقزيم والتعميم.

nfzimzin@yahoo.fr

 

* أكاديمية من تونس

 

 

 

للتعليق على هذا الموضوع

 

Sun, 28 Jan 2007 19:10:27 +0200

From: "زينب عبد الله" <zinaballah@gmail.com> t

 

من علامات انحدار الأمم تغلغل رجال الدين فى الحياة الثقافية و قيما لا يفقهون

و هذا هو حال امة العرب الآن فنجد انهم تمكنوا من كل شخص و افهموه انه غير قادر على عمل اى شيئ بدون الرجوع اليهم و الأستماع الى فتواهم اما الآخرين فقد فرضوا سطوتهم عليهم بالقوة و تخاذل الجكومات

 

 

"Abdulhamid Mulhi" <Amulhi@hotmail.com>

Date: Thu, 13 Apr 2006 00:34:21 +0300

اختي الفاضلة

بارك الله فيك

نحن والله نتدبر القرآن بذات المنهج ..ويا حبذا لو نستطيع الحصول علىنسخة من خذه الابحاث القيمة..

عبد الحميد ملهي

باحث في الشؤن الاستراتيجية

صنعاء اليمن

J Abou Harb" <q9abohrb@scs-net.org>

Date: Sun، 1 Jan 2..6 .2:53:32 -.8..

السيدة الفاضلة

الشكر لجهودك مع الاعتزازبالفكر والعقل البشري حيث أن الفكر ليس ملكا لأحد

سورية- باحث في التصوف