6 ديسمبر 2005

 

 

فتوى أهل الكهف ضد المرأة تتعارض والدين

منجيـة السوايحـي*

 

 

شاركت سيدات أعمال من السعودية في انتخابات مجلس إدارة غرفة التجارة والصناعة،إنه لحدث هام بالنسبة للمرأة،وإنها لخطوة جريئة من صناع القرار،حدث اعتبره لبنة في بناء حرية المرأة التي تفتك ولا تهدى،ومن ثم لا يضير هؤلاء السيدات أن تصدر فتاوى تحرم مشاركتهن فمثل هذه الفتاوى من أيّمة وخطباء تحنطت أفكارهم،وحشيت بموروث ثقافي أبويّ يتقن الاقصاء والتهميش للنصف الثاني من المجتمع،ويستند إلى الدين ليكسب فكره الجامد مشروعية تؤثر على العواطف الشعبية،فيطوعون النصوص الدينية لأرائهم وعقائدهم ومذاهبهم،وتصبح حكما على الدين وليس الدين هو الحكم عليها ،ثم يرفعون تلك الآراء شعارات ضدّ كل من يريد،أو يسعى أو يفكر في تغيير وضعية المرأة إلى الأحسن سواء كانوا مثقفين،أوصناع قرار.

 

وهذا ليس غريبا من فئة قبعت في الكهوف،وعارضت التجديد،ورفضت إعادة قراءات النصوص الدينية قراءة تكرم الإنسان امرأة ورجلا،وإنما الغريب أن ينخرط في هذه الدغمائية التي ما أفلحت إلا في التحريم،أساتذة من الجامعة متناسين أو جاهلين أن للجامعي رسالة أكادمية نصفها للتدريس والبحث العلمي ونصفها لرصد الظواهر الاجتماعية لنقدها أو دعمها،أو تقديم مقترحات تتصف بالرصانة والاستقلالية والتوازن،وتهدف إلى النهوض بالمجتمع،وتحسين وضعية الشعوب عن طريق دعم حقوق الإنسان التي لا يختلف معها الدين،والدفاع عنها لا الوقوف ضدّها وهذا ما نراه عند المثقف الغربي فهمّه الصالح العام،والنهوض بالأوضاع المتردية،وتغيير الواقع إلى الأفضل،والنضال من أجل الحريات الأساسية،والديمقراطية وخير الإنسانية،وبئس الجامعي إن هو لم يفرق بين مهمته ومهمة الوعظ والإرشاد فليس من مهمة الأستاذ الجامعي المثقف الملتزم بقضايا الناس (الهمّ الرئيسي.للأنتليجنسيا)،فالجامعي بهذه الصفات لا يمكن أن يكون إماما،كما أن الجامعة ليست مسجدا فلكل خصوصياته ولكل دوره،ودور الجامعة نشر العلم،والرفع في مستوى الوعي إلى أعلى درجاته،وليس دورها إصدار فتاوى التحريم والتحليل وإهدار دماء العلماء فمؤسسات الفتاوى ماشاء الله-كثيرة في المجتمع العربي والإسلامي ويوم يدرك العالم العربي والإسلامي أن الجامعة ليست جامعا وأن الجامع ليس جامعة عندها فقط سننهض لأننا امتلكنا التمييز بين الأشياء وبين الأمور،ومن يمتلك التمييز بين الأشياء والأمور وبين الوظائف تتضح أمامه الروية فلا يقع في الخلط وعندها لا تحتاج إلى مثل هذه الوثيقة التي وقّعها عدد من أعضاء هيئة التدريس في جامعة الامام محمد بن مسعود الإسلامية ونصها:"(إن مشاركة المرأة في مثل هذه المجالس يلزم منها الاختلاط المحرّم بين الأعضاء من الرجال والنساء،بجلوس بعضهم إلى جنب بعض،ونظر بعضهم إلى بعض،كما هو الجاري في عمل المرأة مع الرجال،ويشهد لذلك ما نشر في بعض الصحف من صورة لاجتماع تحضيري لمرشحات ومعهن رجال...وتبعا لذلك لا يجوز للمسلمة أن تدخل في هذه المجالس ولا يجوز التصويت لمن ترشح نفسها للعضوية فيها فإن ذلك من التعاون على الإثم).

 

تحية إكبار لسيدة الأعمال المرشحة حصة العون لتصريحها الجريئ والذكيّ والمدعم المصرح به لـ"الحياة"وقد اعتزت فيه بقرار القيادة،وأن الطاعة واجبة لولاة الأمر،وصغرت من شأن الفتوى واعتبرتها اجتهادات لبعض الأفراد.والمأساة في العالم العربي والإسلامي في قضية المرأة أن القمة متطورة عن القاعدة،ولا تعنيني أسباب تطور القمة في نظرتها للمرأة لأن ما يعنيني هو ما تجنيه المرأة.

*ونعود الآن إلى موقف الإسلام من مشاركة المرأة في السياسة:إن الدين الذي يتذرع به كل من يحرّم على المرأة حقها السياسي يتبرأ من هذه الأفكار المتخلفة والحجة له عليهم.

 

ونبدأ بالقرآن ثم السنة ثم مواقف الصحابة من مشاركة المرأة في السياسة قبل حوالي أربعة عشر قرنا من الزمن.

1- القرآن:

نقرأ هذه الآية "يا أيُّها النبيّ إذا جاءك المؤمنات يبايعنْك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهنّ ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهنّ ولا يعصينك في معروف فبايعهنّ واستغفر لهنّ إن الله غفور رحيم"(الممتحنة:12) ولا تستحق الآية تعليقا فمنطوقها ينبئ عن معناها.

2- في السنة: وقبل نزول هذه الآيات بايع الرسول صلى الله عليه وسلم النساء على السمع والطاعة في أول بيعة لنقباء الأنصار في عقبة منى قبل الهجرة،ثم كانت البيعة الثانية للمؤمنين في الحديبية سنة ست للهجرة،ثم ذكرت بيعة النساء في سورة الممتحنة التي نزلت يوم فتح مكة،فبايع الرسول النساء على الصفاء،وكان عمر يبلغه عنهن وهو واقف أسفله.وقد حضرت هذه البيعة هند بنت عتبة متنكرة فكانت تتكلم عند كل جملة ينطق بها الرسول صلى الله عليه وسلم،قال الرسول:أبايعهن على أن لا يشركن بالله شيئا،فرفعت هند رأسها وقالت:والله إنك لتأخذ علينا أمرا ما رأيناك أخذته على الرجال:فقال النبي:ولا يسرقن،فقالت هند:إن أبا سفيان شحيح وإني أصبت من ماله هنات، فلا أدري أيحل لي أم لا؟ فقال أبو سفيان:ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غبر فهو لك حلال.فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفها فقال لها:وإنك لهند بنت عتبة قالت :نعم فاعف عما سلف عفا الله عنك فقال "ولا يزنين" .فقالت:أوتزنى الحرة؟

فقال:ولا يقتلن أولادهن.فقالت هند:ربيناهم صغارا وقتلتوهم كبارا فأنتم أعلم............فقال:ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن،قالت هند:والله إن البهتان لقبيح،وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق.فقال:ولا يعصينك في معروف .قالت هند:ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء.فأقر النسوة بما أخذ عليهن.

 

ونلاحظ في هذا النص قوة شخصية هند،وتعليقاتها على كلمات الرسول صلى الله عليه وسلم،وما يلفت الانتباه حقا موقف الرسول المتسم برحابة الصدر فإنه لم ينهر هندا ولم يسكتها،ولم يقل لها صوتك عورة عار عليك أن تتكلمي،فأين هذا مما نسمع ونقرأ ونمارس اليوم،من وصف المرأة بالناقصة العقل وأن صوتها عورة يجب حجبه.وأكثر من هذا فإن الرسول شرك المرأة في الولاية العامة بنص هذه الآية"والمؤمنات بعضهن أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر"(التوبة:71)،فللمرأة حق الولاية المطلقة مع المؤمنين،ولاية التعاون والأخوة والنصر،وولاية السياسة والاقتصاد وغيرها.وفعلا كانت الواحدة من النساء لتجير على المؤمنين فيقبل جوارها حسب رواية عائشة،وقالت أم هانئ للرسول صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة "زعم ابن أم أنه قاتل رجلا قد أجرته"فقال صلى الله عليه وسلم:"قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ".

 

*وعمل الرسول صلى الله عليه وسلم بنصيحة زوجه أم سلمة في معضلة سياسية حصلت له في الحديبية،فقد شهد عصيانا من جيشه لأوامره ورأي أم سلمة هو الذي أنقذ الموقف حسب هذا النص الذي أورده الطبري في "تاريخ الأمم والملوك"عن الزهري عن عروة...في قصة الحديبية،فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قضيته قال لأصحابه قوموا فانحروا ثم أحلقوا.قال:فو الله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات،فلما لم يقم منهم أحد،قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس فقالت له أم سلمة:"يا نبيّ الله أتحب ذلك،أخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنتك،وتدعو حالقك،فقام فخرج فلم يكلّم أحدا منهم كلمة حتى فعل ذلك نحر بدنته ودعا حالقه فحلقه،فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا،حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غمّا" أليس هذا تدخلا من أمّ سلمة في الشأن السياسي،تدخلا باركه الرسول وعمل به وأثمر نتيجة إيجابية ظهرت في انصياع الجيش لقائده وتطبيق أوامره،مع شعورهم بشدة الحزن ندما على ما صدر منهم"حتى كاد بعضهم بقتل بعضا غمّا".

 

ورغم وجود هذا الخبر وصحة توثيقه نجد من يزعم أنه لم يكن للمرأة تدخل في الشأن السياسي في حياة الرسول.

 

ومن مواقف الصحابة موقف عمر ابن الخطاب من تدخل المرأة في السياسة بدلالة هذا الخبر:حين تولى عمر الخلافة اعترضت طريقه خولة بنت ثعلبة وقالت له ناصحة"كنا نعرفك عويمرا ثم أصبحت عمرا ثم أصبحت عمر ابن الخطاب أميرا للمؤمنين فاتقي الله ياعمر فيما أنت مستخلف فيه"واستمع إليها عمر دون انزعاج وقبل تدخلها في شؤونه خبر آخر حين رأى عمر غلاء المهور أراد أن يحدد المهر بأربع مائة درهم فعارضته سمراء بنت نهيك الأسدية وقالت له:"أما سمعت ما أنزل الله يقول:"إذا آتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا فقال عمر اللهم إغفر لعمر كل الناس أفقه منك ياعمر...

 

وبعد وفاة الرسول كان لعائشة رضي الله عنها باع في السياسة وظهر تدخلها جليا في الحياة السياسية حين اختلف عليا ابن أبي طالب وعمار ابن ياسر حول محتويات بيت المال،ووقف عثمان إلى جانب علي وشتم عمارا وضربه،مما أغضب عائشة فأخرجت شعر الرسول الله وثوبه ونعله وقالت:"ما أسْرع أن تركتم سنة نبيّكم وهذا شعره وثوبه ونعْله لم يبل،فغضب عثمان غضبا شديدا" كما جاء في الطبقات الكبرى لابن سعد،ثم ناصرت عبد الله بن مسعود لما عزله عثمان عن بيت المال بالكوفة وعين الوليد ابن عقبة.وردّت على عثمان لما قال عن ابن مسعود وهو داخل إلى المسجد "قدمت عليكم دبية سوداء ...،فقالت عائشة،أي عثمان أتقول هذا لصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم"حسب رواية البلاذري في الأنساب. وازداد تدخلها في الشأن السياسي وضوحا.و لما عمّ الاستياء من ولاة عثمان و أمرائه،وخاصة الوليد بن عقبة الذي عرف بسوء السيرة ومعاقرته للخمر ونقده الناس فهدّدهم وعندما"استجاروا بعائشة وأصبح عثمان فسمع من جحرتها صوتها وكلاما فيه الغلظة فقال:أما يجد مرّاق أهل العراق وفسّاقهم ملجأ إلا بيت عائشة،فرفعت نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت"تركت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب هذا النعل"كما جاء في الأغاني.

 

وكانت من أشد الناس عليه ورفضت الدفاع عنه لما طلب منها مروان بن الحكم أن لا تسافر للحج لعلها تهدئ الثورة ضد عثمان فأجابته قائلة"قد قرنت ركابي وأوجبت الحج على نفسي ووالله لا أفعل يا مروان وودت والله إنه في غرارة من غرائري هذه وإني طوقت حمله حتى ألقيه في البحر"ثم قالت لابن عباس وكان أمير الحج "يا ابن عباس إن الله قد أتاك عقلا وفهما وبيانا فإياك أن ترد الناس عن هذا الطاغية".

 

ونجحت عائشة في تأليب الناس على عثمان بن عفان، فقتل وهي عائدة من الحج إلى المدينة،فلما علمت بالخبر،وتولى عليّ الخلافة صاحت بأعلى صوتها " وا عثماناه"وعادت إلى مكة وضربت قبتها في المسجد الحرام،تطالب بدم عثمان قائلة:

يا معشر قريش إن عثمان قد قتل قتله عليّ بن أبي طالب والله لأنملة،.. من عثمان خير من عليّ الدهر كله"

 

وطالبت بعزل عليّ وإن يصبح الأمر شورى،وليست دعوتها هذه حبّا في عثمان وحزنا عليه،ولا تعلّقا بالعدالة واختيارا للشورى وإنما هالها أن يتولى عليّ بن أبي طالب عدوّها القديم وزوج فاطمة التي لا تحبها وبدأت العداوة بينها وبين علي مع حادثة الإفك لما طلب عليّ من الرسول أن يطلق عائشة ..

 

ولأن الأمور لم تجر كما أرادت فقد كانت تأمل أن يتولى الخلافة طلحة من قومها،فلما تولى عليّ طبعا أفسد عليها سياستها،ولم تقبل بالوضع وخرجت في جيش كبير مع طلحة والزبير معلنة الحرب على عليّ ابن أبي طالب.وكانت هي الآمر والناهي والمدير في تلك الحرب،تناقش كل من زار معسكرها يستوضح الأمر،وألقت الخطب الحماسية بصوت جهوري تحث على القتال في موقعة الجمل التي هزمت فيها.

 

ولسنا هنا لنحكم لعائشة أو عليها ولكن لنبين أن المرأة وفي بدايات الإسلام شاركت في الحركة السياسية،وانحازت إلى حزب معين اختارته وفق مصالحها ودافعت عن اختيارها السياسي غير عابئة بالنتيجة وأي دفاع إنها الحرب ضد مخالفها وليس من الدين ولا من المعقول أن نسمع من يفتي في الألفية الثالثة بتحريم مجرد مشاركة المرأة في انتخاب بعض المجالس،أما توليها مناصب القرار فعند هؤلاء من الكبائر والمحرمات التي لا تغفر.

 

فما هو قول من يستشهد بالدين في قضية أباحها الدين وطبقت على أرض الواقع.وكم هو البوْن شاسع بين الحقائق التاريخية وبعض الفتاوى العصرية ضد النساء،وبينها وبين أصول الدين وما يحف به من قراءات أبوية ما انفكت تسجّل صفحات سوداء في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية،فكفانا صفحات سوداء.

 

*أكـادميّـة

جـامعـة الزيتونـة

 

للتعليق على هذا الموضوع