8 فبراير 2006

 

 

التجربة الدنماركية .. وغرق العبّارة المصرية .. والثقافة القدرية :

عن ضحايا الكارثة الأخيرة .. وهل حقاً ستكون الأخيرة ؟
محمد زهدي

 

في كل مرة تحدث كارثة مروعة تنتهي بوفاة واصابة العشرات والمئات .. فالموت حدث بسبب القضاء والقدر أولاً ..وثانيا لأن هناك الكثير من التفسيرات تبريرا للحادث، وبصرف النظر عن التفسيرات والأسباب فالحادث وقع بالفعل وأنه تكرر وسيتكرر ان لم يتم الاعتراف بالمشكلة والعمل على حلها.
والكارثة أن يشعر الإنسان أن موت المئات قتلا هو أمر طبيعي ومتوقع .. والكارثة هنا أن ذلك سيؤدي إلى عدم البحث عن حلول لهذه المشكلة، ولنتذكر معاً تراجيديا حريق مسرح بني سويف وحفلة الموت الجماعي التي راح ضحيتها جيل كامل حرقاً - من كتاب ونقاد وفناني المسرح المصري ( 36 قتيلا و 28مصاباً حالة 60 % منهم خطرة ) ، وعند كل كارثة فنحن نبحث أولا وسريعا - عن تبريرات تبرئنا من ذنب ما حدث ، ونرى أن أي خطأ يحدث لا يمكن أن يكون بسبب تقصير منا .. بل هو قضاء وقدر أو هو بسبب الآخر .. ونحن نعرف أن القضاء والقدر حق .. لكن إذا تكرر نفس الحدث مرات فيجب أن نعترف بأن هناك مشكلة ويجب حلها وما حادثة غرق العبّارة" سالم إكسبريس " عام 1991 في البحر الأحمر عنا ببعيد، وعدد الضحايا476 غرقاً ، وماذا فعلت الجهات المسئولة لتفادى مثل هذه الكوارث؟ وماذا فعلت نفس الجهات بعد غرق العبارة في شهر رمضان الماضي وتم انقاذ معظم الركاب؟.

وتبقى أسئلة هامة :

- لماذا لم تستخدم أجهزة إطفاء إتوماتيكية حديثة ؟

- وهل العبارة فعلياً تفتقد لمقاييس السلامة العالمية، وأنها ممنوعة من الإبحار فى موانى الاتحاد الأوروبي؟ .

- أن طاقم العبارة لم يكن مدربا على مثل هذه الكوارث؟.

- أنه لم يكن على العبارة قوارب إنقاذ أو سترات نجاة تكفى كل ركابها ؟.

- أن بعض الناجين بقىلأكثر من 36ساعة فى المياه قبل أن يتم إنقاذهم؟.
- هل صحيح ان مصر رفضت مساعد بحرية من انجلترا واخرى من امريكا؟

- وماذا عن قبطان السفينة المصرية " سانت كاترين " والذي ترك من في العبارة الغارقة يلاقون مصيرهم واكتفى بارسال اشارة لأقرب السفن ، في الوقت الذي ساعدت فيه سفينة بنغالية عابرة في انقاذ بضع وثلاثين شخصاً ؟.

- وهل إهتمام مصر بالدورة الأفريقية سوف يصرف الإنتباه عن الكارثة ؟
- هل هناك تأمين على حياة الركاب مثلما فى كل الشركات والبلاد المحترمة؟
- هل ستخرج المظاهرات التي تستنكر الإهمال وتشجب إهدار أرواح البسطاء وتدين أعمال القتل الخطأ ؟

- هل ستتم مقاطعة وسائل النقل ومنها العبّارات - مثلما حدث مع مقاطعة البضائع الدنماركية - ولحين إشعار جديد يقضي بتأمين حياة البسطاء؟
- هل سنتذكر الضحايا بعد مرور أيام قليلة ؟ أم أننا مشغولون بالدورة الإفريقية لكرة القدم وبمقاطعة البضائع الدنماركية ؟

أسئلة كثيرة تبقى بلا اجابة مقنعة ، وستتكرر نفس المأساة سنويا .. طالما بقت العقول علي حالها .وستبقى المشكلة قائمة وتتكرر منذ سنوات بل وستتكرر أيضا السنوات القادمة حتى لا تظل الأمور كما هي وتقع الحوادث ويتم تحميل المسئولية للضحايا أنفسهم ، فهم المخطئون لأنهم تدافعوا في محاولة يائسة للبقاء على قيد الحياة ، وهم المهملون لأنهم ناقصوا التوعية باحتياطات الأمن والسلامة وهم البسطاء الذين قد لا يعرفون القراءة وحتى ان عرفوها فأين هى الكتب التي تقوم بتوعية العامة ؟ وأين هى اللوحات الارشادية في المطارات والموانيء ومحطات السكك الحديدية ؟ الناس البسطاء لم يجدوا من يعينهم على التوعية ومعرفة حقوقهم وواجباتهم من المتعلمين والمثقفين ورجال الدين والسياسة ، وحتى هؤلاء هم أنفسهم قد لا يعرفون ما هى احتياطات الأمن والسلامة ، هل نلوم البسطاء لأنهم لا يعرفون كيفية التصرف فى مواجهة الكوارث؟ أم نلوم أنفسنا لأننا لا نهتم بالضعفاء، وأن الغلابة لا نصيب لهم فى الدنيا، وكفاية عليهم الآخرة .
والنتيجة هى أننا دائما ما نجد أن ارواح البسطاء هى التي تهدر.. فالسادة والأغنياء لهم وسائل النقل الخاصة بهم والتي توفر لهم الفخامة والراحة وبها أطقم من الكفاءات العالية التدريب ، والسادة والأغنياء يستحقون راحة البال بعدما تعبوا وسهروا على راحة الناس ! .. أما البسطاء والغلابة فهم دائما من يدفعون الثمن حتى في الحج .. فهم من تنهار بهم المنازل والفنادق القديمة وتغرقهم السيول وتحترق خيامهم ويفجرهم الارهابيون .. أما عن الضحايا فمن هم ؟ أغلبهم من الفقراء والغلابة الذين لا يمكنهم مادياً ركوب الطائرة، هم العمال والفلاحين المصريين الذين يعملون فى السعودية ، وبعضهم يذهب للحج والعمرة ليعمل بعد أداء المناسك ليعود بالقليل من المال ، وبما أنهم من البسطاء فمن سيهتم لأمرهم ، ومن سيهتم بالتفتيش على وسائل نقلهم وتأمينهم ، ومن المبكيات جملة قالها أحد الأشخاص العاديين لأخر : " الحمد لله السعودية أعلنت أنه لا يوجد على العبّارة حجاج " ولم أفهم وقتها وإلى الآن معنى الجملة ،إن البعض منا يرى أن الحياة الشاقة ليست من حق من لا يملك لقب

" حاج " ، ألهذا الحد وصلت بنا الأمور ؟ تلك هى عقلية البعض منا في النظر إلى الأحداث التي تؤدي إلى موت من لا ذنب لهم سوى أن الإهمال والفهلوة والجشع واللامبالاة قادوهم رغماًعنهم إلى الموت. فالفساد والإهمال وصلوا حتي أعماق البحار بعد أن انتشروا في أشكال متعددة من مبيدات مسرطنة وأسمدة مغشوشة ، الى اختلاس في البنوك ورشاوي ، وإهمال في نقل البيانات ، الى الاهمال في كل نواحي الحياة حتى أصبح الناس يعيشون برحمة وستر من الله سبحانه وتعالى فقط .

رحم الله الضحايا ورحم الله أهالي المفقودين والضحايا. ولا حول و لا قوة الا بالله و حسبنا الله و نعم الوكيل .

 

*صحفي وباحث في الدراسات الاسلامية

للتعليق على هذا الموضوع