14 سبتمبر 2005

 

 

 

 

هل علاقة التعليم الديني بالإرهاب خرافة حقا ؟

محمد شريف*

 

-1-

اثار الدكتور الدكتور شاكر النابلسي قضية مثيرة للجدل للساخن في مقاله - هل علاقة الإرهاب بالتعليم الديني خرافة ؟( شفاف الشرق الأوسط، 10/9/2005)وحاول أن يركز على الاسباب الباطنة دون الظاهرة وأعتبر التعليم الديني المتشدد مجرد حبر على ورق وموجود منذ قرون ولكنه لم يؤد إلى بروز ظاهرة الإرهاب كما نراه اليوم وعليه فلا بد من إعادة النظر في دراسة ظاهرة الإرهاب واسبابها الكامنة وعدم تهويل دور التعليم الديني الظلامي في ذلك.

 

-2-

إن دراسة ظاهرة الإرهاب والعوامل المؤدية إليها لا بد أن يسبقه تحرير لمصطلح الإرهاب فلا يوجد لحد ألان تحديد واضح للمصطلح في تعريفات الباحثين والكتاب فمنهم من يقصره على المعنى اللغوي أي القيام بأعمال تؤدي إلى الفزع والخوف وهو المعنى الذي ورد في أحد نصوص القرآن الكريم "تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ" والإرهاب بهذا المعنى قديم في تراثنا الإنساني ولا يقتصر على مجتمعات دون آخرى.

 

-3-

تعريف الإرهاب سياسيا مختلف جدا والمقاربات الوصفية له أكثر من التحرير الدقيق والتعريف الواضح  ويمكن أن نرصد نواته بالقيام بأعمال العنف بصورة  مخالفة للقانون الدولي وسط المدنيين العزل لتحقيق أهداف ما بإشاعة الرعب بينهم ولا فرق بين من يقوم بذلك أن يكون مجموعة سياسية أو دينية أو حتى دولة تحاول إرباك دولة آخرى (إذن فالإرهاب هو استخدام طرق عنيفة كوسيلة الهدف منها نشر الرعب للإجبار على اتخاذ موقف معين أو الامتناع عن موقف معين) الإرهاب الدولي / الدكتور حنا عيسى .

 

-4-

من المؤسف ندرة الدراسات التي تعرض رأي علم الاجتماع والتأريخ في نشوء ظاهرة الإرهاب وبلورته للعوامل المؤدية إلى ذلك خصوصا إذا أردنا كما يطالب الدكتور شاكر النابلسي - عن حق - بعدم الأكتفاء بالأسباب الظاهرة لنغوص في أعماق الظاهرة ومنشأها فالظواهر لا تنشأ من العدم ولا تظهر مرة واحدة إلى الوجود ومثال ذلك ظاهرة العولمة التي لها عملية صيرروة تأريخية وصلت أوجها فيما نعرفه اليوم فالإرهاب ينتمي لنفس النسق فلا يمكن أن يولد من فراغ ولا بد من العودة إلى أسبابه البعيدة التي تطورت ونمت إلى أن وصلت لدرجة العالمية ففي الأزمنة التي تفتقر إلى وسائل المواصلات السريعة والأتصالات المتطورة ومؤسسات كونية وإعلام هائل وما إلى ذلك لا يمكن الحديث عن إرهاب دولي منتشر وحتى لو وجد فلا يمكن سماعه ومعرفة أعماله بسهولة فعمليات العنف التي تجري سابقا في المجتمعات تبقى محصورة وغير معلن عنها مثلما أن حادث بركان متفجر أو فيضان مدمر يكتوي بناره من يعيشه ولا يشاركه أي إنسان آخر على وجه المعمورة عذابه لعدم معرفته بوقوع هكذا حدث أصلا .

 

-5-

إذا كنا نتفق مع الدكتور شاكر النابلسي في المبالغات والتهويل لدور عامل التعليم الديني الظلامي فإننا لا نتفق معه مطلقا في التهوين من هذا الدور أيضا . فالإرهاب تتشابك فيه عوامل أقتصادية ظالمة تجعل بعض المجتمعات تعيش في رخاء وترف وآخرى تعيش شظف العيش والجوع والعري فغياب العدالة يُظهر أكله ولو بعد حين تأريخيا ومظالم سياسية تؤدي إلى ردود أفعال عنيفة وحسب تعبير جان بيار الذي يقول إن من يهدف إلى القضاء العشوائي على الآخرين فلا يملك الآخر عندئذ إلا استعمال نفس السلاح أي العنف والإرهاب المضاد خصوصا مع الهيمنة السياسية لقوة واحدة ترفض أن يشاركها العالم ودوله في صناعة القرارات وطرح الحلول والتي تستعيد نفسها داخل الدول الاصغر والأضعف بدكتاتوريات متوحشة والشعور بالظلم الفادح لا بد أن يطلب لنفسه متنفسا ليعبر عن مظلوميته ومشاعره بالامتهان وانتهاك الكرامة ونشوء هذه الأشكال من المظالم السياسية والأقتصادية مرت بعملية طويلة لتصل إلى ما وصلت إليه ألان .

 

-6-

التعامل مع المشاكل السابقة أو طرق التنفيس عنها يختلف من مجتمع لاخر فنفس تلك المظالم وقعت على مجتمعات آخرى كثيرة وليس فقط على المجتمعات العربية والإسلامية فالدول الغنية تمثل جزرا نادرة على خريطة الكرة الأرضية وتكاد تنحصر بأوربا الغربية وأمريكا ، وهنا يدخل دور  العامل الثقافي ومنه التعليم الديني  فذاكرة المجتمعات تختزن موروثاتها والتي ترتمي بأحضانها وقت الشدة لتبحث عن الراحة والحلول الوهمية وبعملية مسح مقارن للمجتمعات التي وقعت عليها نفس المظالم تبين اشكال ردود الأفعال المختلفة والتي منها الردود الدموية المنتشرة في أوساط المجتمعات الإسلامية التي تستقي شرعيتها من ذاكرتها الخاصة وموروثاتها الدينية ، فهل راينا ضمن اي مجتمع آخر العلميات الفدائية الإستشهادية بنفس الشدة التي رايناها في مجتمعاتنا ؟؟ ولنقس ذلك على العمليات الفدائية التي قام بها - بشكل محدود - المجتمع الياباني أنطلاقا من مفاهيم الشنتوية التي تعتبر القتل طقسا مقدسا في بعض الحالات !! أو جماعة الإستشهاد المسيحية في عصر وجود العرب والمسلمين في الأندلس والتي تحدثت عنها كارين أرمسترونغ في كتابها حياة محمد.

 

-7-

الأرضية الثقافية والمخزون الروحي لمجتمعاتنا عرف في تراثه القديم عمليات القتل والدم باسم الله كما عرفتها مجتمعات أوربا قبل أن تحل مشكلة الاصولية المنغلقة للتعليم الديني والفرق بيننا وبينهم أنهم تخلصوا من تلك الظاهرة وعالجوها بينما نحن لم نقم بذلك لحد ألان فلا زالت لدينا نفس المبادئ المنغلقة ويمكن أن نذكر نماذج تراثية من حركة الحشاشيين وحركة الخوارج والمعارضة الشيعية وموؤسسات الدولة الإسلامية القديمة كديوان الزندقة وعمليات القتل الجماعي التي قام بها الحكام - أمراء المؤمنين -وما تسببت به من ثورات شعبية كثورة العبيد والقرامطة ومن قبل ذلك ثورة الناس على عثمان التي عرفت بالفتنة الكبرى  وإذا كانت تلك الثورات ليس سببها الدي بشكل مباشر وإنما طرق الحل والتنفيس عنها كانت تستثمر النصوص الدينية وطرق تفسيرها .

 

-8-

العامل الديني - حسب فهمي - له دور لا يمكن إغفاله في أنتشار الظاهرة بشكلها الواسع في مجتمعاتنا فالعملية لها أكثر من وجه والحلول بالتالي ينبغي أن تعالج قضايا الفقر والجوع والمظالم السياسية من جانب ومعالجة مشكلة التعليم الديني من جانب آخر وكما يذكر الدكتور هاشم صالح فإن عملية حسم حركة التأريخ قد تكون لعامل اقتصادي أو سياسي ولكن قد تحسمها أيضا العوامل الدينية والروحية ، والقياس الذي ذكره الدكتور شاكر النابلسي عن التعليم الديني اليهودي يُغفل أن المجتمع اليهودي داخل إسرائيل لم يعش المظالم التي عاشتها المجتمعات العربية والإسلامية فهي حليفة أمريكا وعلاقتها وطيدة بالمجتمعات الغنية وهي تفتقر بالتالي للعوامل السياسية والأقتصادية المجحفة فلا يمكن أن تلجأ لمخزونها الروحي كردة فعل !! إضافة إلى أن المجتمع اليهودي دينيا ليس تبشيريا طوال تأريخه فعاش كأقليات دينية داخل التجمعات الأوسع منه عدديا ويذكر علماء النفس الديني أن الطوائف الصغيرة ترتب أمورها بشكل يختلف عن الطوائف الكبيرة فينشأ داخل الطائفة الأقل مفاهيم واشكالا وأنماطا سلوكية  لا مبرر لوجودها لدى الطوائف الكبيرة وبالعكس لدى الطوائف الكبيرة ،ويمكن أن نذكر طائفة الآمش المسيحية كمثال على ذلك .

 

-9-

ختاما سلم لنا النابلسي ودام فما يطرحه يسبب حراك فكري وسياسي أغنى ولا زال المشهد العربي بكل تجلياته وقد نتفق معه أو نختلف معه أحيانا بيد أن ذلك لا يخفي حقيقة هي أبين من الأمس وأسطع من الشمس بكونه من فرسان التجديد السياسي والاجتماعي العربي النادرين والشجعان والذي لا يخشى قول كلمة ( طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الامثال للناس لعلهم يتذكرون)

 

فتحية حب إليه .

*باحث عراقي مقيم في هولندا

 

للتعليق على هذا الموضوع