19 ديسمبر 2005

 

 

 

 

المحرقة.. محرقتان!

محمد السمّاك

 

عندما قررت الأمم المتحدة أن يكون السابع والعشرين من كانون الثاني من كل عام يوماً لإحياء ذكرى المحرقة ـ هولوكست ـ صدرت ردود فعل عربية تعتبر القرار معادياً للعرب ودليلاً على المستوى الذي وصلت إليه الصهيونية العالمية في السيطرة ليس فقط على القرار السياسي الأميركي، إنما على قرارات المنظمة الدولية أيضاً. وعلى قاعدة ردود الفعل هذه جرى التنديد بالقرار وبالأمم المتحدة. وعكست المقارنة بين إلغاء قرار سابق باعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية وإصدار هذا القرار مدى تدهور النفوذ العربي في الجمعية العامة للأمم المتحدة التي كانت تعتبر الملجأ الأخير للحق العربي المغتصب في فلسطين.

 

مع ذلك لا بد من الاعتراف بالحقائق الآتية:

أولاً: إن المحرقة وقعت فعلاً. وإن النازية الألمانية ارتكبت تلك الجريمة الجماعية التي يندى لها جبين الإنسانية خجلاً. صحيح أن ضحايا المحرقة لم يكونوا من اليهود فقط، ولكن الصحيح أيضاً أن اليهود يشكّلون الأكثرية الساحقة من الضحايا. وأنهم أُحرقوا لمجرد أنهم يهود. وهذه جريمة تدينها الشريعة الإسلامية كما تدينها القيم والأخلاق الإنسانية.

 

ثانياً: إن الموقف المبدأي من إدانة تلك الجريمة ينسحب على كل الجرائم المماثلة الأخرى التي وقعت في التاريخ القديم والحديث معاً. من جريمة إبادة الهنود الحمر في أميركا، الى جريمة التشريد والقتل الجماعي التي تعرّض لها الفلسطينيون ـ ولا يزالون ـ على يد الإسرائيليين أنفسهم. فإذا كنا ندين الجريمة الإسرائيلية، فلا بد من إدانة الجريمة النازية سواء بسواء.

 

ثالثاً: لم تقف النتائج الكارثية للمحرقة عند إبادة الملايين من اليهود فقط، ولكنها هيّأت الأسباب والذرائع للتعويض على اليهود بإقامة وطن لهم. لقد جاءت المحرقة النازية تتويجاً لسلسلة طويلة من أعمال الاضطهاد والتنكيل التي تعرّض لها اليهود في أوروبا من روسيا شرقاً حتى بريطانيا غرباً، مروراً بفرنسا والمجر وهنغاريا وبولندا وسائر الدول الأخرى التي كانوا يستوطنونها. ونظراً لحجم جريمة المحرقة وفظاعتها، لم يجد العالم حلاً سوى منح اليهود وطناً لهم. ولكن أين؟.. وجد العالم أن أكثر المواقع استقطاباً لليهود واسترضاء لهم هو فلسطين. وإن أضعف المواقع اعتراضاً وقدرة على التعطيل هو العالم العربي. فكانت إسرائيل في فلسطين وعلى حساب الشعب الفلسطيني.

 

رابعاً: دفع العرب والفلسطينيون ثمن جريمة لم يرتكبوها. وهي جريمة المحرقة. وإذا كانوا قد اعترضوا وقاوموا ولا يزالون، فليس لأنهم ينكرون المحرقة ولا يعترفون بها، ولكن لأنهم أصبحوا هم أنفسهم أيضاً ضحاياها غير المباشرين.

 

خامساً: جاء إحياء ذكرى المحرقة اليهودية متأخراً ستين عاماً. ففي السابع والعشرين من كانون الثاني اقتحمت القوات السوفياتية معسكر أوشفيتز في جنوب بولندا الذي كان أحد أكبر معسكرات الإبادة التي أقامها النازيون. ولا نعرف كم يستأخر إحياء ذكرى المحرقة الفلسطينية.. ولكننا على ثقة من أن هذا اليوم آتٍ لا ريب فيه. فالفلسطينيون اليوم ليسوا أقل ضعفاً مما كان عليه يهود أوروبا في عام 1945 ولكنهم ليسوا أقل تصميماً على استرجاع حقهم في وطنهم المغتصب. ثم إنه إذا كان توازن القوى إقليمياً ودولياً في غير مصلحتهم في الوقت الحاضر، فإن ذلك لا يعني أنه سيبقى كذلك دائماً. إنهم يعرفون جيداً أن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم.

 

لن نكررما نسب للزعيم الفلسطيني الراحل أحمد الشقيري "نريد أن نرمي إسرائيل في البحر". ولا حتى ما قاله الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد "يجب إزالة إسرائيل عن الخارطة"، ولكننا نقول أننا أصحاب حق، وأنه ما ضاع حق وراءه مطالب.

(المستقبل)

 

للتعليق على هذا الموضوع