13 فبراير 2007

 

 

 

 

 

من أفلام مهرجان برلين السينمائي

قراءة في فيلم "العام الذي ذهب فيه والداي في عطلة"

محمد نبيل

 

شاهد عشاق السنيما والجمهور الذي بتابع فعاليات مهرجان برلين السينمائي في دورته السابعة والخمسين، أحد الأعمال السينمائية المهمة والتي تمثل أمريكا اللاتينية في المسابقة الرسمية. و يتعلق الأمر بشريط «العام الذي ذهب فيه والداي في عطلة» لمخرجه ساو هامبرغر.

 

ولد ساو هامبرغر عام 1962 بمدينة ساو باولو وهو معروف من خلال سلسلته التلفزية الناجحة والتي أخرجها تحت عنوان: City of Men ، وكانت قد حصلت على جوائز عالمية كبيرة، كما يشتغل هامبورغر في عدة مجالات فنية و ثقافية حيث يؤلف كتبا للأطفال وأخرج أكثر من مئتي كليب إشهاري والعديد من الأفلام القصيرة.

 

تدور حكاية فيلم «العام الذي ذهب فيه والداي في عطلة» حول  الطفل  ميشيل جولساس الذي يحمل في الفيلم إسم مورو البالغ من العمر  12 سنة، من أم مسيحية وأب يهودي ، وكلاهما قررا فجأة الذهاب في عطلة هربا من القمع. وبين اللحظة التي غادر فيها الطفل مورو بيت عائلته إلى حين نهاية الفيلم، وظف المخرج كلأً من حب مورو لكرة القدم وفوز البرازيل وللمرة الثالثة بكأس العالم كوسيلة لمعالجة قضية سياسية تتعلق بالقمع الذي تعرض له الشعب البرازيلي في تلك الحقبة المريرة على يد النظام العسكري.

 

السياق التاريخي للفيلم

عندما حصل الفريق البرازيلي لكرة القدم عام 1970 على كأس العالم للمرة الثالثة، كان النظام العسكري الديكتاتوري يقمع المواطنين ويصادر الحريات، بل أصبح فوز البرازيل الكروي دعاية سياسية في يد الحكومة العسكرية توظفها لأغراضها وأطماعها السياسية. ولعل عودة بسيطة إلى أحداث هذه المرحلة يتضح بجلاء أن معاناة الشعب البرازيلي مع الديكتاتورية بدأت في مارس عام 1964 عندما قام العسكر بانقلاب على النظام مما ترك آثاره الوخيمة في ذاكرة البرازيليين. هذا التقابل بين فوز البرازيل كرويا و متابعة الجمهور لفرحة النصر من ناحية، وسياسة النظام العسكري القمعية من ناحية ثانية، يتناوله هامبورغر في فيلمه بطريقة فنية و جمالية من خلال قصة الطفل مورو الذي يهوى الكرة ويريد أن يكون لاعبا مرموقا ونجما عالميا، لكنه لا يعرف ما يدور حوله من ضغط ومصادرة لحريات

الشعب البرازيلي.

 

  وتكمن حكاية مورو في البداية، عندما قرر أهله التخلي عنه تحت ضغط القمع بتهمة انتماءاتهم السياسية الشيوعية لجده اليهودي جرمانو هايت الذي حمل في الفيلم اسم شلومو الساكن في حي بوم ريتيرو المعروف آنذاك بتعدد الثقافات ويقطنه الكثير من العرب واليهود واليونانيين والإيطاليين، إلا أن المخرج أراد التركيز على عائلة يهودية ينتمي إليها الطفل مورو موجها نقده السينمائي النافذ

للطقوس اليهودية. واختيار الجالية اليهودية في هذا الشريط يعود لعدة أسباب تختزلها تصريحات المخرج  في كون الاختلاف الديني والثقافي الغريب بالنسبة للطفل مورو أصبح جزءا من ذاته في الفيلم أي أنه جزء من الهوية البرازيلية، وهذا ينسجم مع التشكيلة الاجتماعية المخضرمة بالبرازيل والتي يمثل فيها الأجانب جزءا مهما وعلى سبيل المثال لا الحصر، نشير إلى أنه يعيش في هذا البلد قرابة 6 ملايين تمثل فقط الجالية اللبنانية. ولعل المشهد الذي كان فيه الإيطاليون و اليهود و السود يلعبون كرة القدم، يمثل النقطة الأساسية في الفيلم و الرسالة المهمة التي يحملها هذا العمل حسب رأي المخرج. ففيلم «العام الذي ذهب فيه والداي في عطلة» يمثل صورة حية حول العديد من الأجيال التي تكون المجتمع البرازيلي.

 

الأبعاد المتحكمة في الفيلم

حضور الطفل مورو داخل الفيلم شكل بؤرة أساسية لفهم أبعاد عمل المخرج هامبورغر، فحلمه الأكبر هو أن يكون لاعب لكرة القدم وخاصة أنه يتابع نجوم بلده وعلى رأسهم اللاعب بيليه وهم  يحصلون على لقب بطل العالم للمرة الثالثة. إنه الطفل الذي يواجه فراغا عاطفيا بعد سفر أهله الاضطراري و يعاني من هجرته للحي البورجوازي الذي كان يقطن به ليحل ضيفا عند جده الساكن بحي بوم ريتيرو

المطبوع بتعدد جالياته الثقافية و العرقية و الدينية . يسكن مورو بمنزل جده اليهودي المتدين فيحدث الصراع بينهما وقد وصل الأمر إلى حد مقاطعة مورو لجده الذي ضربه بعدما تطاول على مقدسه الديني في مشهد كان فيه مورو يلعب بكرته قرب الشقة وعلى ظهره سجادة جده التي يستعملها في صلاته. مورو يسخر من عدة سلوكات يمارسها جده بل لا يحب طعم أكله وشرابه. هذا التناقض يعكس صور المجتمع البرازيلي المتمرد على العقلية الدينية والتقليدية. مورو الحالم يقدم كذلك صورة للطفل الراغب في اكتشاف الجسد الأنثوي والجنس رفقة أطفال الحي لكن بطريقة سرية ومن خلف أسوار محل لبيع الملابس والذي كان فيه بعض الزبائن من النساء يقسن الفساتين.

 

استحضار حدث فوز الفريق البرازيلي بكأس العالم ما هو إلا خلفية لهذا العمل السينمائي حسب قول المخرج. فعلى حد قول ساو هامبورغر، «كل سائق تاكسي بانجلترا عمره يتجاوز 50 عاما، يستطيع التعرف على عناصر المنتخب البرازيلي لمرحلة السبعينات. أريد من خلال هذا الفيلم أن أبدد الأحكام القبلية المنتشرة حول البرازيل. فعندما نسأل الناس بانجلترا عن البرازيل يفكرون مباشرة في الغابة والهنود...الخ . كل هذه العناصر شكلت ما أوحت لي به قصة الفيلم».

 

على سبيل الاستخلاص:

إن تجربة هامبورغر السينمائية و حسه الفكري ككاتب ومؤلف لكتب الأطفال سمحت له بمعالجة رائعة لتاريخ البرازيل الدموي من خلال تجربة طفل لا يبالي إلا بلعبه وحلمه بالنجومية. لكن لا مبالاة الطفل بواقع القمع، كانت في نفس الوقت تكشف عن قصدية المخرج المتجلية في عرض هموم الشعب البرازيلي بلغة مرنة وثاقبة بطلها طفل برازيلي وإلى جانبه جده اليهودي ،و كأن المخرج يريد إبراز ذلك

التقابل بين شعب يعيش على الهامش حاملا لوعيه الشقي وحبه الجنوني للكرة والنظام العسكري الديكتاتوري في برازيل السبعينات. وينبغي الإشارة إلى أن الأسئلة والقضايا التي تعرض لها الفيلم تظل مفتوحة و راهنة، فالمخرج يعتبر فيلمه في شموليته يدور حول مواضيع الغياب و العزلة و كيف يمكن تجاوز العقبات.

falsafa71@hotmail.com

 

* برلين

 

للتعلبق على الموضوع