16 أبريل 2005

 

دساتير في حاجة إلى الإصلاح

لصالح المواطن ولوحدة الأوطان

محمد البدري

 

لا نجد في تاريخ الشعوب والأوطان من تجانس ثقافي كما نجده في الحالة المصرية. فالمواطن المصري يتصف بمسلك اجتماعي ثقافي، من الناحية الأنثروبولوجية، له شروط حددتها له طبيعة الأرض والمناخ والوادي والنهر المركزي. وهو نفسه الدافع الحيوي الذي جعل المجتمع المصري مستمرا منذ فجر التاريخ شانه شان المجتمعات الراسخة والمستقرة كالصين مثلا، رغم الفارق كما سيأتي عنه الحديث. فرغم التمزقات الفكرية والدينية التي عاني منها المصري إلا أن الوحدة المجتمعية كانت ملمحا يجب تلك الشروخ الدينية بين أبناء الوطن الواحد. ومعني الكلمات السابقة أن الوطن هو الذي حدد المزاج العام والوجدان المشترك والثقافة الواحدة والطبيعة المتجانسة لشعب واحد يعيش علي ارض واحدة، رغم تعدد الآلهة وتعدد الطقوس والشعائر والأديان واللهجات والأفكار وتنوع لون البشرة ومصادر الجنس والعرق.

 

دول كثيرة أتاها الإسلام فنشأ بها مسلمين بشكل انعزالي وانتهي بهم الأمر إلى تفضيل الانفصال بفعل قوي الاستعمار كحالة الهند. وهناك مثال ماليزيا التي بها ثقافات متعددة متركزة كالبوذية و الهندوسية أو الكونفوشوية وكما هي حالة إندونيسيا و الفليبين وبعض بلدان جنوب شرق آسيا. إقليم سنكيانج غرب الصين أغلبيته مسلمون ويعتبر نفسه مميزا عن باقي الصين لمجرد انه يصلي في اتجاه مكة متناسيا انه ينتمي إلى وطن اسمه الصين قبل أن يأتيه خبر السماء من يثرب ومكة عبر التجار والمحاربين. في أفريقيا ودول البلقان وأوروبا الشرقية تحول فيها الإسلام إلي قومية تشبها بالقوميات الصربية والكرواتية. كانت الهجرات الحديثة سببا في تحول سكان بلاد المهجر لاعتناق الإسلام مع اختلاف الجنس واللون. وبنشوء الاقليات الإسلامية، ضمن مجتمع ما، تظهر بوادر توتر بين الهوية الإسلامية المحافظة وذات الملمح العربي والهوية العلمانية الحديثة للمجتمعات المتعددة الهوية والثقافة. و عندها تبدو المتناقضات في الظهور إلى سطح المجتمع كما في مسالة الحجاب في فرنسا. ويصبح الأمر أكثر خطورة وضررا إذا ما تحولت الهوية الدينية والثقافية الوافدة إلي كيانات سياسية تهدد بتمزيق الدول والمجتمعات.

 

 

من مجرد مسلم الي مطبق للشريعة الإسلامية:

وغالبا ما تظهر دعوات تطبيق الشريعة الإسلامية متزامنة معها تهديدات لوحدة الأوطان وللحمة الوطنية. فوحدة الأوطان هي المقدس الأول بل والثابت الأوحد قبل أن تظهر الأديان في تاريخ الشعوب. فكم انقسمت جماعات بسبب ظهور أديان، وهو حال الإسلام ذاته عندما انشق فريق من قريش علي باقي الجماعة. ربما كان الهدف محاولة السيطرة علي كل الجماعات في شبة الجزيرة العربية طالما هي تنتمي إلى صحراء واحدة وتحمل ثقافة لها بصمة المعيشة الصحراوية. فمصر هي الدولة النموذج في هذا الشأن التوحدي من ذاته منذ عصر مينا موحد القطرين للانتماء المشترك بطول النهر. فالدعوة إلي تطبيق الشريعة إنما يعطي دين ما، ضمن مجموع الأديان الأولوية علي باقي الفئات والأديان وعلي وحدة الأوطان مما يسبب الضرر بأكثر مما يحقق منافع. فتطبيق الشريعة لا يكون إلا في وطن متجانس الدين، أو ذو دين واحد، حتى لا تتصادم الشريعة للمسلمين، إذا ما رغبوا في تطبيقها، مع القوانين المدنية لمجموع المواطنين خاصة فيما يتعلق بقانون الأحوال المدنية والحريات الشخصية والمدنية.

 

وتتطور الأمور في ظل هذه الشروخ لتطبيق الشريعة في مثل تلك الأحوال إلى صراع علي السلطة السياسية ونموذجها حالة الأخوان المسلمين في مصر، الساعين لها واحتكارها من دون باقي المسلمين أو ممن ليسوا مسلمين، رغم تغافلهم المتعمد عن التجانس المدني وليس الديني لمجمل المواطنين المصريين، وهو مظهر فج للتسلط باسم الشريعة، والاستبداد باسم الدين. وهو موقف يتشبه بمجتمعات قبلية تمارس القهر والاستبداد ليس فقط باسم الدين لكن باسم القبيلة والعرق والجنس رغم توحدها الديني الظاهري وهي بلدان تدعي بكليتها من المسلمين.

 

فحجة الأخوان المسلمين، والراغبين في تجزئة الأمة تشريعيا توطئة لتجزئتها مواطنيا استعدادا لتقسيمها أرضا وسماءا ومياها وهواءا، أن الشريعة تضمن حقوق الأقلية وأعطت الجميع حقوقا متساوية. وهي كذبة صريحة عاشت مصر في ظلها لأكثر من 1350 عاما. فمصر لم يول عليها حاكم من أبنائها، حتى ولو اسلم وحسن إسلامه، إنما كان يجلب لها العبيد من المماليك وقطاع الطرق ليحكموا الشعب المصري الواحد مهما تعددت آلهته ودياناته حتى ولو كان في المسلمون أغلبية. أي أن المصريين ولو كانوا مسلمين استبعدوا أيضا ضمن الحكم بالإسلام. وتبدو هذه القضية وقد تحولت إلى إحدى الجينات الثقافية في فكر الأخوان المسلمين كمسلمة استعلائية علي باقي المواطنين لمجرد انه مسلم كما استعلي العرب في الماضي علي أهل البلاد حتى ولو كان عبدا ومملوكا.

 

طوال هذه القرون لم يكن هناك دستور للحكم ولا منهج للسلطة بل شرعية المتغلب أي شرعية الفتوة والبلطجي. فالقول بان " لهم ما لهم وعليهم ما علينا " ليس لها أية صدقيه في تاريخ الحكم بالإسلام وبشريعته الغراء. لان تولي السلطة والحكم لن يكون إلا من المسلم فقط وهذا أول افتئات علي الذي عليهم وعلي الذي لهم حتى ولو كانوا مسلمين. الوعي بتاريخ مصر هو الأساس النظري لتفادي تلك الجراحات الوطنية التاريخية في حياة الوطن الأقدم في تاريخ البشرية. كان الخوف والقهر والاستبداد سببا أوليا ووحيدا لتوقف النمو الاجتماعي والتاريخي والحضاري للمصريين. فلم تنتج، ولم تساهم مصر في ظل هذا الحكم الديني القائم علي الشريعة الإسلامية الوافدة مع دخول العرب مصر أية معارف أو فنون أو آداب ذات قيمة. بل وفقدت ميزتها التاريخية وهي التدوين التي تميزت بها وحفظت به تاريخ الإنسانية في ظل الشريعة الوافدة. فأول المدونين لتاريخها في ظل الحكم الإسلامي كان بن عبد الحكم الذي تزامن مع حكم بن طولون، أي فقدت مصر الكتابة لصالح الشفاهية لحوالي قرنين ونصف من الزمان. وبكلمات أخرى استعادت مصر قدراتها الحضارية مرة أخرى عندما استقل بها الطولونيون ككيان سياسي موحد ثانية بعد أن كانت من ملحقات دولة الخلافة الظالمة في دمشق وبغداد. لكن ظل الحكم وممارسة السياسة حكرا علي هؤلاء البلطجية باسم الإسلام منفردين به ويأتون من الخارج علي طريقة الغزو العربي.

 

ولن يسئ أحد إلى الإسلام إلا تابعيه المغرر بهم في دعوات تطبيق الشريعة الإسلامية في الوطن الواحد المتعدد الأديان. وهي دعوة أساسها معروف في كيف أن المجتمع الديموقراطي، كالعراق حاليا، بات خطرا علي المجتمعات القبلية في شرقنا الأوسطي الكبير. السودان خير نموذج ليتعلم من لا خبرة ولا منطق سياسي له ومن فقد تراثه الحضاري الثري لصالح المستجدين في كراسة التاريخ. ولم نسمع صوتا عاقلا ليراجع النميري موقفه من تطبيق الشريعة حتى لو أدت إلي حروب أهلية بين الشمال والجنوب، وجعله الترابي والبشير عرضة للتدخل الأجنبي وهو بالضبط ما حدث ويحدث عيانا وجهارا دون حكمة أو درس من التاريخ. أخطأ المسلمون في انعزاليتهم باستعادة الفقه القديم الذي أسقطته الدولة الديموقراطية التي بتساوي فيها الجميع طبقا للمقولة الفقهية التي في حاجة إلي الاختبار والقائلة " لهم ما لهم و عليهم ما علينا ". فكلمات القدماء تفرق بين المواطنين ب " نحن " و" هم ". ومجال الـ " نحن " هو مجال إيماني ومجال الـ" هم " مجال تكفيري استبعادي. وتفرق بين دار الإيمان ودار الكفر وكما يقال بدار الإسلام ودار الحرب لهي تضحية بالمواطنة وتحويل الإسلام أينما وجد إلى دين حرب لا لسبب إلا لان الاختلاف سنه البشر وان هناك " هم " متواجدون حتما ضمن الوطن الواحد. فدوما كان هناك اختلاف داخل المجتمع الواحد حتى ولو كلن كله يدين بالاسلام. أليس هذا هو حال الخلافة الراشدة والأموية والعباسية ومن جاء بعدهم حيث الحروب التي لم تنقطع والدماء التي لم تتوقف. وحالة أفغانستان تعدي فيها الحال لتشن الحرب علي المسلمين البؤساء الفقراء لان إسلامهم غير صحيح. بهذا يصبح دار الإسلام نفسه دار حرب مستدامة بدلا من مشروع التنمية المستدامة في مجتمعات المواطنة والديموقراطية.

 

التنمية في ظل الهيمنة وتطبيق الشريعة:

إذا كانت مصالح الناس يكفلها الشرع لكل من يعيش في ظل الإسلام فكيف كان اقتسام السلطة واقتسام الثروة اللذان هما مصالح البلاد والعباد. تاريخ مصر يقول بإفقارها المستدام، بل إن بيت مال المسلمين الممتلئ من الخراج ومن إنتاج المصريين كان عونا لكل غاز جديد ليستولي عليه. هكذا أصبحت مصر الثرية مطمعا مرتين، حتى ولو حكمها من قال بالعدل والإحسان. فالقول بأحقية المسلم في نصيب من بيت مال المسلمين كان علي النقيض من ذلك في حال المصريين الذين كانوا يدفعون ولا يتحصلون علي عوائد من جراء ذلك رغم أن المال مالهم إلا أنهم حُكموا من الخارج ليملأوا بيت المال وليأتي كل غاز جديد ليستولي علي مصادر الخراج دون أن توفي الخراج السابقة بالعهد للمصريين في الدفاع عنهم كما في العقد الذي افتأت به الخلفاء علي أهل مصر من أن الجزية هي للدفاع عن ممن حرموا من الدفاع عن أوطانهم لأنهم أهل ذمة. أي أن استبعاد أهل البلاد كان تؤكة لإعادة الغزو من الخارج مرات ومرات. هكذا تنضح الأدبيات الإسلامية والعربية بفتوحات جوهر الصقلي و سليم الأول لها رغم أننا أسلمنا قبل هؤلاء بزمن طويل. فالسؤال يكون، أين الذمة فيمن أفتوا بالشريعة قبل الحديث عن أهل الذمة والموالي؟؟!!

 

وإذا كانت الشريعة مقاصد، أولها العدل فهل استبعاد المواطن عن وطنه عدلا ومقصدا للشريعة؟ إنه السؤال الأكثر أهمية لمن يدافع عن الدستور المصري في وضعيته البائسة حاليا. بند الدستور القائل بالشريعة أو حتى مجرد ذكرها كمصدر أساسي أو ثانوي أو مهمل للتشريع يدفعنا بتذكير المشرع وواضعي الدساتير وكتاب السلطة وترزية القوانين بان يقرؤوا تاريخ مصر المتعدد الأديان وذو النسيج الواحد للمواطنة والانتماء للأرض. فان يتسلط دين وافد شانه شان باقي الأديان السماوية بتشريعاته التي اختلف فيها جذريا وتعارك عليها كل فقهاءها تجعلنا نستبعد الأديان حتى لا تكون تكئه لتمزيق الوطن الواحد أو مجيء المحتل الأجنبي وحتى ندخل أيضا عصر التقدم والديموقراطية والمساواة والرخاء الذي لم يتمكن كل من طبق الشريعة في تاريخ مصر من أن يحقق اقلها بل وأضاعوا الأوطان بعد أن كانت متوحدة ومزدهرة زمن مصر القديمة.

 

الحكم باسم الشريعة افقد الكثيرين لغتهم الوطنية، ففي مصر المحكومة عربيا وإسلاميا صدرت أوامر الحاكم الأجنبي لمصر بتعريب الدواوين. كرومر البريطاني لم يفعلها لصالح اللغة الإنجليزية. كان الهدف من التعريب هو حصر الثروة وليس نشر الإسلام. فعن طريق النهب من ناحية و محاولة الدفاع عن الأصول والعوائد من ناحية اخري انتشرت اللغة بعفوية ودون قصد. هنا تصبح الثقافة المصرية ضحية لمن يحكم إسلاميا لأنه يدفع بزرع الثقافة العربية عنوة لضمان معرفة كل صغيرة وكبيرة تجري ضمن أملاك المحكومين. الوعي بهذا الأمر يدفعنا كمصريين أولا وكمسلمين ثانيا، ظلمنا من الحكام الأجانب وظلمنا أنفسنا بقبول ثقافة وافدة علي ارض مصر، الي اكتشاف سلبيات تاريخنا البائس وان نتجنب تكراره لمجرد جهلنا تاريخيا به. فأسلوب الحكم في ظل الشريعة كان مهتما بالأساس بمراقبة سلوك البشر مسلمين وغير مسلمين من مدي اتفاقهم والقيم الوافدة من الخارج كالزواج والميراث .. الخ. الشريعة هنا تبدو كمراقبة مستدامة لبشر غاب عنهم الوطن ككل، فالحاكم يبدي اهتماما برواية هنا وكتاب هناك. ويفتش بصر الحاكم الإسلامي عن كافر أو ملحد في بقاع العالم مخترقا الحدود وكاسرا للأعراف وعاصفا بالقوانين التي استنتها شعوب أخري. الخمينية العابرة للحدود أفتت بالقتل ومشايخ الفتوى والتكفير محليا يضربون بحقوق المواطنة عرض الحائط حيث يصبح القانون مثقلا علي كاهل غير المسلمين ومخففا علي المسلمين حتى ولو أخطأوا. ولنا في قصة المغيرة بن شعبة وحكاية الزنا مع أم جميل حيث واقعها وشهد وأقر بوقوعها جماعة منهم بعد أن رأوه رؤيا العين. كانت الواقعة نموذجا في تطبيق منطق " الكوسه" كما يقول رجل الشارع. وقع الحدث زمن بن الخطاب الذي قيل عنه، والعهدة علي الراوي، بأنه عصر العدل. فما بالنا وقد راكمنا مظالم ومفاسد على مدي أربعة عشر قرنا بأكثر مما كان في زمن الراشدين. فتاريخ تطبيق الشريعة طبقا للبند الثاني من الدستور المصري الذي اتفق الجميع حاكما ومحكوما علي تغيره لأنه لا يناسب مجتمعنا يجعلنا أكثر يقينا بان فصل الدين عن الدولة هو مطلب لن يكون لنا مستقبل ديموقراطي وحقوق مواطنة بدونه.

 

للتعليق على هذا الموضوع

 

Wed, 20 Apr 2005 21:32:50 +1200 
"Adam Ryanِ" adam_ryan@xtra.co.nz>    
       
الأستاذ محمد البدرى
بعد التحية
أين هذا التجانس الثقافى الآن فى المجتمع المصرى ؟
لقد كاد هذا التجانس أن يصل الى أروع صوره فى الفترة الليبرالية والتى تميزت برواد التنوير من أمثال الشيخ محمد عبده وعلى عبد الرازق وطه حسين .
للأسف انتهى كل هذا منذ ثلاثينيات القرن العشرين بظهور الأسلام السياسى ونداء مؤسسه أن الأسلام دين ودولة وقرآن وسيف.ولم تعد له قائمة بعد أن
تحالف السلطان مع الأسلام السياسى وتم استخدام كل الوسائل الممكنة من اعلام وأموال وتغيير فى الدستور ليسود الخطاب الدينى السلفى البدوى ويصبح الأسلام 
هو المصدر الأساسى للتشريع !!! وكأن مصر لم تكن موجودة قبل الأسلام !!!
لا نحتاج لأكثر من نظرة خاطفة على المصريين الآن لنرى بأعيننا الى أى ضياع صار اليه التجانس الثقافى.
ريان - نيوزيلاند