Middle East Transparent

9 اكتوبر 04

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

 

هل مجلة الأحوال الشخصية التونسية شرعية أو علمانية لائكيه

الدكتور محمد بوزغيبة*

                

 

تقديم  : منذ أن تحصلت البلاد التونسية على استقلالها التاريخي في سنة 1956، تفرغ مشرعوها إلى تأليف مجلة صغيرة الحجم بأحكام الأسرة و العائلة أطلقوا عليها اسم "مجلة الأحوال الشخصية"       
و صدرت المجلة يوم 13 – 08 – 1956 و جرى العمل بمقتضاها بالمحاكم التونسية منذ بداية 1957.

 

لقد قارب صدور المجلة نصف قرن و مازالت ردود الفعل تجاهها لم تنقطع بين مؤيد و مناهض وبين مفاخر ومتبرم و وصل الأمر إلى الادعاء بأنها من تأليف قساوسة من فرنسا.

 

فيما يلي وجهة نظر متخصص تقدم الرأي و الرأي الأخر حول فصول تلك المجلة.

 

يقول بيان صادر عن وزارة العدل يوم صدور المجلة:"لقد وقع التفكير في تأليف مجلة الأحوال الشخصية منذ زمن طويل و لكن لم تخرج المسألة من حيزا لتفكير إلى حيز العمل إلا في سنة 1948 على يد صاحب الفضيلة العلامة سيدي محمد العزيز جعيط إلا أن عمله لم يبرز لحيز الوجود، ففكرت وزارة العدل في تدوين مجلة الأحوال الشخصية.  (1)

و للتوضيح فإن الشيخ جعيط  تقلد خطتي وزير العدلية و شيخ الإسلامي المالكي أي رئيس المجلس الشرعي في الأربعينات و بداية الخمسينات، و تكفل عهدئذ  بتأليف مجلة الأحكام الشرعية التي اقتبس منها المشرع التونسي مجلة الأحوال الشخصية. (2)

و يضيف البلاغ الرسمي الصادر عن وزارة العدل بتاريخ 13 أغسطس 1956، مفاخرا بالتأصيل الفقهي لهذه المجلة، "ولا عجب أن توصلنا إلى تدوين مجلة ترضي الجميع و تنال استحسان العلماء، وتلائم في آن واحد روح العصر و التفكير العام.... ذلك لأننا أخذنا نصوصها من مناهل الشريعة الفياضة و مختلف مصادرها، بدون تقيد بمذهب دون أخر و برأي طائفة من الفقهاء دون أخرى (3).

 

و رغم هذا البلاغ الرسمي الصادر عن سلطة الأشراف، فقد وردت ردود فعل متباينة حول مجلة الأحوال الشخصية، فمنهم من يعتبرها علمانية لائكية و منهم من يثبت أنها فقهية شرعية.

 

 

-  رأي الفريق القائل بأن مجلة الأحوال الشخصية علمانية :

 

يقول الباحث الجامعي المتخصص في القانون التونسي علي المزغني: " إن قانون أحكام الأسرة في الإسلام قد أصبح إبان الاستقلال غير ملائم تماما للبنى الاقتصادية و الاجتماعية و ذلك خلافا لبقية القوانين التونسية".(4)

و اعتبر المزغني أن غلق باب الاجتهاد منع الفقه الإسلامي من مسايرة التطورات فلا يمكن من نظره الرجوع إلى قواعد لا علاقة لها في شيء بالواقع الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع التونسي اليوم، وفي نظر الحقوقي محمد الشرفي فإن باب الاجتهاد قد أغلق بعد تدمير مدينة بغداد من طرف المغول (5).

 

و ينادي الشرفي بالفصل بين الدين و القانون، فيقول: "وظيفة الدين الإسلامي أن يدفع المواطنين إلى الرقي الروحي و يركز القيم الأخلاقية في المجتمع، و لكنه في ذات الآن يترك القانون و شأنه الخاص به، فالمجتمع التونسي ينبغي أن يكون فيه القانون الوضعي سائدا دون سواه.(6) ومن ناحية أخرى يصدر الحقوقي المصري محمد عبد الجواد محمد حكما قاسيا على مجلة الأحوال الشخصية، حيث يقول: " نشك كثيرا و نرجو أن يخيب الله ظننا في أنه يمكن توحيد قانون الأحوال الشخصية في البلاد العربية لأن قانون إحداها –وهي تونس–  قد خالف الأحكام الشرعية القرآنية القطعية نقلا عن القوانين الغربية (7).

 

-1-

فالمتأمل في هذه الآراء تبدو له مجلة الأحوال الشخصية التونسية علمانية و كأن البلاد التونسية لم تحترم البند الأول من دستورها الذي ينص صراحة على أن تونس دولة حرة مستقلة الإسلام دينها. إذاً، ما هو رأي المخالفين لهذه أطروحات ؟

 

  رأي الفريق القائل بأن مجلة الأحوال الشخصية شرعية

قدم وزير العدل في أول حكومة مستقلة، أحمد المستيري، كلمة في أول ندوة صحفية أثناء صدور المجلة فقال: "إن تشريعنا الذي يستمد روحه من التشريع الإسلامي سوف يقيم الدليل الواضح على أنه لا يشكل فقط مادة صالحة الا للجدال النظري، بل يقيم الدليل على أنه مادة قانونية حية، تنسجم مبادئها مع تطور المجتمع". (8) و بعد صدور المجلة توالت ردود فعل رجال الحقوق من تونس و خارجها، فهذا الحقوقي الهادي كرو يرى أن نية المشرع التونسي كانت تتمثل في إمكانية الرجوع الى الفقه الإسلامي وأن المشرع فضل الاقتصار على الكليات، وترك أمر الجزئيات لاجتهاد القاضي ليأخذ من المراجع والأمهات.(9) و قال الحقوقي رضا خماخم: "أصبح أمر التشريع بعد الاستقلال موكولا للمشرع الوضعي بدون أن ينقطع هذا المشرع مع القانون الإسلامي أو يتنكر له لإيمانه بأن الإسلام أحد و أهم دعائم هذا المجتمع، وبأن الاجتهاد في الانتفاع بأحكام قانونية وتنزيلها على الواقع والأحوال أحسن تنزيل أفضل بكثير من الركون للركود و التقليد.(10)

و علق القاضي المناصر لمجلة الأحوال الشخصية، الهادي بن إبراهيم، أثناء محاضرة ألقاها بكتابة الدولة للعدل يوم 30 ماي 1963 قائلا: "تعتبر مجلة الأحوال الشخصية أول تشريع تقدمي في قوانين الحالة الشخصية في العالم الإسلامي", (11).

و يعتبر الأستاذ الطيب اللومي رئيس المحكمة الإدارية بتونس أن اهتمام المشرع التونسي بمجلة الأحوال الشخصية كان ملفتا للنظر وذلك لاعتبار تلك المجلة تمس بكيان العائلة عموما، والمرأة والأطفال خصوصا، وهو يرى أن المجلة كانت مستمدة يوم صدورها برمتها من قواعد الفقه الإسلامي عدا بعض الفصول.(12)

و قارن الجامعي المختص في أحكام الأسرة، ساسي بن حليمة، بين مجلة الأحوال الشخصية و القانون الفرنسي. فرأى أن المجلة لم تستوحِ أحكامها من القانون الفرنسي مستشهدا في ذلك بالفصل(68) الذي يشترط البينة لثبوت النسب. ينص الفصل على التالي: " يثبت النسب بالفراش أو بإقرار الأب أو شهادة شاهد من أهل الثقة فأكثر".

يعلق ساسي بن حليمة فيقول: "إن القانون الفرنسي يجهل إلحاق النسب بالبينة ولم يتعرض إليها البتة، والواضح في باب النسب أن المصادر هي الفقه الإسلامي و هي لائحة الشيخ جعيط و مجلات الأحوال الشخصية التي صدرت في بعض الدول العربية المتأثرة بالإسلام والتي صدرت قبل المجلة التونسية وهي المجلة المصرية و المجلة السورية (13).

و يرى الحقوقي المصري أنور العمروسي أن التشريع التونسي هو التشريع الوحيد من بين التشريعات الذي يقضي بأن الطلاق لا يقوم إلا أمام المحكمة، وهو بذلك قد حقق إصلاحا جذريا جديرا بالاقتداء، ذلك أن تدخل الحاكم سوف يجنب الأزواج الوقوع في هاوية الطلاق ذلك الحلال المكروه، وتذكير الزوجين بمصير الأولاد أن وجدوا....(14)

 

وجهة نظري : لعل الأصوب هو ما جاء في البلاغ الصادر عن وزارة العدل يوم صدور المجلة بتاريخ 13 أب (أغسطس) 1956 الذي جاء فيه أن الشيخ محمد العزيز جعيط هو أول من قنن أحكام الأسرة في مجلة الأحكام الشرعية منذ سنة 1948، ثم جاء المشرع التونسي عند الاستقلال وعول على مجلة الشيخ جعيط وقنن مجلة الأحوال الشخصية. والذي يزيد كلامي دعما ما أكده الشيخ جعيط عند تقديمه لمجلته أنه قدمت له مجلة الأحوال الشخصية فلاحظ أنه تم الاعتماد على مجلة الأحكام الشرعية، ووضع التخفيف في عدد أبوابها و موادها، وأدرجت فصولا لا تتماشى مع الفقه الإسلامي في نظره (15). و بتتبعي لكلتا المجلتين تبين لي أن مجلة الأحوال الشخصية نقلت ما يناهز 130 فصلا من مجلة الشيخ جعيط. وللتوضيح فإن مجلة الأحوال الشخصية تضم 169 فصلا يوم صدورها و ضمت مجلة الأحكام الشرعية للشيخ جعيط 1352 مادة فقهية مقننة.

 

-2-

و لما قدمت المجلة للشيخ جعيط اعتبرها مأخوذة من الفقه الإسلامي باستثناء سبعة فصول وهي الفصول التالية : 14 – 18 – 19 – 21 – 30 – 35 – 88 – (16). إلا أن تلك الفصول المختلف فيها، قد أوجد لها  فقيه السلطة الشيخ محمد المهيري الصفاقسي (-1973) سندا فقهيا، واعتبر أن مجلة الأحوال الشخصية لم تخالف أحكام الفقه الإسلامي (17).

 

 

* أستاذ الفقه و علومه- جامعة الزيتونة ( تونس )

 

الهوامش

 

(1) 10سنوات من القضاء التونسي : 185 ط  الجمهورية التونسية 1966 .

(2) رسالتنا : دكتوراه المرحلة الثالثة : الشيخ محمد العزيز حياته و فقهه : مرقونة بجامعة الزيتونة : 180 و ما بعدها.

(3) الإحالة رقم 1

(4) Mezghani Ali : Reflexion sur les relations du code du statut personnel avec le droit musulman R.T.D : 1975 2θme partie p :53 .

(5) الشرفي محمد : مدخل لدراسة القانون المدني: 67 دار سراس تونس 1991

(6) م.ن : 104

(7) محمد عبد الجواد محمد : تقنين الشريعة الإسلامية.29 منشأة المعارف بالإسكندرية.

 

(8) مقال : ندوة الإصلاح العدلي : جريدة الصباح : 4 أوت 1956 تونس

(9) كرو الهادي : زواج المسلمة بغير المسلم و مصادقة الدولة على اتفاقية نيويورك المؤرخة في 10 – 12 – 1962 : مجلة القضاء و التشريع : ع 2 : فيفري 1971 : ص 149.

(10) خماخم : رضا : الإصلاح القضائي : 23 شركة أوربيس للطباعة و النشر تونس 1993.

(11) ابن إبراهيم الهادي : تطور القضاء و التشريع بتونس : سلسلة محاضرات مجلة القضاء و التشريع : 1962 – 1963 ص 18

(12) اللومي : الطيب : الجديد في مجلة الأحوال الشخصية : ثلاثينية المجلة القانونية التونسية / 1953 – 1983 : كلية الحقوق بتونس 63 -64.

(13) ابن حليمة : ساسي : وضعية الطفولة الطبيعية أو الغير الشرعية في تونس : من محاضرات التربص للمحامين.

(14) العمروسي : أنور : التشريع و القضاء في الإسلام : 150 مؤسسة شباب الجامعة للطباعة و النشر : الإسكندرية 1984.

(15) بوزغيبة محمد : حركة تقنين الفقه الإسلامي بالبلاد التونسية 420 – 421 : مركز النشر الجامعي تونس 2004.

(16) بوزغيبة : م .ن : 390 و ما بعدها.

(17) م .ن 398 و ما بعدها – كتاب فتاوى الشيخ محمد المهيري الصفاقسي : المطبعة العصرية 2001 تونس . 

 

مواضيع  سابقة:

سيرة الإمام عبد الرحمن  بن عمرو الأوزاعي

للتعليق على هذا الموضوع