2 نوفمبر 2005

 

 

مصادرة الرأي ......وتضليل القراء

شام برس مثالا

محمد علي العبد الله

 

 

انتهجت السلطات السورية منذ أواسط السبعينات حتى نهاية القرن الماضي سياسة فصل الناس عن بعضهم وحرمانهم من امتلاك الكلام، موكلة "المهمة" إلى أجهزة دموية، وأجهزة إيديولوجية فائقة التعصب والدونية .

 

حيث تعمل "الغريزة الأمنية" على فرط أي تجمع منتظم وإن لم يكن سياسياً، ومصادرة الرأي، وإن لم يكن معارضاً. إن تكوينها "الفسيوأمني" نفسه يجعل منها في عداء جذري وعميق للحرية والاستقلال الاجتماعي والفكري.

 

اليوم الحملة مستمرة لكن السلطة ليست وحيدة في "معركتها " إنما يساندها جيش من "المثقفين" ومن أشباههم، يروجون وجهات نظر النظام، ويهللون " لإنجازاته " العظيمة، ويغدقون عليه من الصفات ما لا ينطبق على حاله ( الصمود، المواجهة، الديمقراطية، التعددية، الحكمة، بعد النظر )، وطبعا هؤلاء لا تعوزهم "الثقافة" فهم يكتبون المقالات والتحليلات والآراء والأخبار عن الديمقراطية السورية والتعددية السياسية في سورية، وهذا لا مانع منه مبدئيا لأن الديمقراطية تتضمن في جملة ما تتضمنه السماح للجميع بإبداء الرأي وتوجيه النقد والملاحظات، وقبول ورفض الأفكار، أما أن ينصّب هؤلاء أنفسهم كــ "حماة الديار" للنظام ولــ "صموده" فيقومون بممارسات أسوأ مما يقوم به الأخير، ويصادرون الرأي أكثر مما يفعل، معتبرين أنفسهم "وطنيين" وكأن الوطنية تقاس بالولاء للنظام الحاكم، فيعمدون إلى تخوين المثقفين السوريين،وإتهامهم بالعمالة، والإستقواء الخارج، فهذا هو المرفوض .

 

هذا ما حصل معي مع موقع شام برس الإلكتروني، الموقع، أو القيمون عليه من "الوطنيين" إياهم، يمنحون أنفسهم من الحقوق ما نرفض نحن أن نسلمه "لأسيادهم"، فيعمدون إلى مصادرة الرأي مانحين أنفسهم حق "الرقابة " على كتابات الناس، وإشتروا لأنفسهم مقصا جديدا مشابها أو مطابقا لــ "مقص الرقيب"، وطبعا عيارات المقص هي الوطنية إياها .

فبعد قراءتي لخبر نشرته جريدة تشرين عن طلاب سوريين تعرضوا للضرب والإهانة والترسيب الجماعي في الجامعات اللبنانية، وأنا طالب سوري في الجامعة اللبنانية، وجدت أن من حقي بل من واجبي إستخدام "فسحة الحرية" التي منحتها لنا شام برس، فادرجت تعليقي ضمن التعليقات موضحا أن لا شيء مما ذكرته "جريدتنا الغراء" صحيح، ومعيبا على النظام إستخدام ملفنا (الطلاب) في المهاترات السياسية، وطالبت وقتها باعفاء الطلاب من قسيمة/أتاوة المغادرة (800 ل. س عن كل مغادرة)، عندها إشتغل المقص الآلي تلقائيا، وقام بقصقصة ما كتبت ورتبه وأنقه ليصبح "وطنيا"، حتى كاد أن يظهر عكس ما كتبت .

 

مرت "القصقصة الوطنية" الأولى دون وقوف عندها معتقدا أن ما حصل لا يعدو عن كونه خطأ عاديا لا يستحق الوقوف عنده.

 

المرة الثانية عند قرآتي خبر يتعلق بالإخوان المسلمين، عن أن الإخوان طلبوا إلى الغادري فتح خط لهم مع لأميركيين مقابل تعهدهم الموافقة على نظام علماني، إستخدمت حقي أيضا وأرسلت تعليقي البسيط الذي كان حول التعلقات المدرجة المليئة بالشتائم وطلبت من القيمين تعديل "عيارات المقص" ليقصوا الشتائم بدلا من التعليقات المفيدة، النتيجة أن المقص "علك" التعليق كاملا ولم يدرجه بالمرة، عندها أدركت ما حصل في المرة الأولى، وعلمت حقيقة التعليقات المدرجة والمصاغة بأسلوب "شبه امني"، فهي إما تعليقات لأشخاص يعملون في مهنة "القص" أو تعليقات عادية لم تسلم من المقص فظهرت عكس ما أراد كاتبوها.

 

هنا لم أجد إلا الإمتناع عن إدراج أي تعليق ،لكني بقيت مواظبا على دخول الموقع الإلكتروني وقراءة التعليقات، ولا مانع من بعض الضحك والإستياء أحيانا، وأتذكر جيدا ذلك التعليق الذي طالب شام برس أو طالب "المقص" تحديدا، بادراج كامل التعليق دون حذف، ولعل هذه العبارات مرت عندما كان المقص معطلا .

 

المقص أو أصحابه لم يكتفوا "بالقصقصة الوطنية " بل بدأوا بنشر أخبار غير صحيحة، إن لم تكن مضللة، ففي الوقت الذي هبطت فيه الليرة السورية أمام الدولار الأميركي 57025 لكل دولار أعلن موقع شام برس أن الليرة في تحسن وطبعا إستعان الموقع بـ "الوطنيين" إياهم، مقابلة مع محلل مالي "وطني" يظهر خلالها أن الدولار تراجع أمام الليرة السورية، وأن الليرة في تقدم مستمر، في حين بثت قناة العربية الفضائية يومها أن السوريين بدأوا بسحب إيداعاتهم من البنوك بشكل جنوني وجماعي، مرفقة ذلك بالصور.

 

الموقع "الوطني" ليس وحيدا إنما يرافقه في حملته الوطنية "أبناء عمومته" من الوطنيين إياهم (سيريا نسوز) فيظهرون للقراء عكس الواقع، مظهرين أن الأوضاع هادئة وأن الإقتصاد السوري بألف خير، وأن الأوضاع الصحية في البلاد ممتازة، وأن إنفلونزا الطيور لم ولن تصل إلى سوريا لأنها "قلعة الصمود والمقاومة" حتى بالنسبة للأمراض، وبالإذن من عادل إمام أن (المواصلات فاضية، والشقق كتيرة والرغيف كبير، والحكومة عمال تقول للناس: فكوا الحزام، فكوا الحزام، وإن الشعب مبسوط أوي من الحكومة). وطبعا لا مانع لدى الموقعين الإلكترونيين من بعض التعليقات البذيئة من أشخاص وطنيين من نفس العيار (وطنيين زيادة عن اللزوم) تجرح الحياء العام، وتشحن الطائفية أحيانا (استخدام أسماء وهمية ذات دلالات طائفية من قبيل: السني، أحفاد علي، الساحلي الوطني، يتقاذف أصحابها إتهامات التخوين والعمالة وطبعا تمر عبارات "الوطنيين" دون رقابة، فيما يعمل المقص الوطني على تهذيب تعليقات الــ "وطنيين درجة ثانية" حتى تصبح وطنية، وقد يعلكها ويحذفها عن بكرة أبيها إذا شعر باللاوطنية الزايدة عن اللزوم لصاحبها، وهذا ما حصل معي)، ولا مانع من مهاجمة المعارضة في الداخل أو الخارج، مع كيل الشتائم "بالجملة وبالقطاعي" لكل من "يهدر الموقع دمه" وتنشر له مقالة غير وطنية (لا تؤيد الحكم وأزلامه ويكون من المفيد بل من الواجب دائما إغداق بعض الصفات الوطنية على البعث وأزلامه مما نسيه الموقع وأربابه.

 

لكني بعد توقف طويل أمام هذه المواقع والوقائع منحت المقص عذرا (عذر أقبح من ذنب)عندما تذكرت أن المقص تخرج - دون شك - من مدرسة البغاة نفسها تلك المدرسة التي همشت الشعب السوري وأبعدته عن الحياة السياسية وجعلت الخوف "رفيق درب" لمعظم الشعب السوري، فالأستاذ محمد حسين هيكل منح البغاة هذا العذر في كتاباته:

"أما أن يحارب البغاة القلم وحرية أربابه فلهم في ذلك العذر كل العذر لأن حرية القلم هي أسمى أشكال الحرية على وجه الأرض".

 

للتعليق على هذا الموضوع