21 أبريل 2005

 

الواقع الافتراضي والنقاب والذات التي نريد ألا نَكُونَهَا

محمد عبد الجيد

 

 

تجربة الدخول إلى العالم الافتراضي، من خلال شاشة الكمبيوتر، وعبر شخصية إفتراضية، هي تجربة أن تحيا في غير ذاتك، في غير واقعك الثقافي وسياقك الاجتماعي، وبعيداً عن تأثير رؤية الآخرين لك. تجربة أن تولد من جديد بهوية أخرى، وفي عالم آخر، مخلفاً وراءك أى تأثير لعلاقات الجسد المادي، من شكل ولون وملامح، وانفعالات وجه، نائياً بنفسك عن جدلية تخيل صورتك لدى الآخرين، وكذا الخلفيات التاريخية والمجتمعية للذات، متخلصاً من حساب التبعات والاستحقاقات، معطياً الفرصة للتملص والتراجع، في أي وقت تختار. إنه غياب الحضور والحضور في صيغة الغياب، غياب الذات خلف حجاب ما، وحضور أخرى متوهمة، وكأنه نوع ما من الإماتة الإختيارية للذات ولعالمها معاً، والقيامة بذات جديدة في عالم آخر. التخلص من ثقل وجودك، وعبء الذاكرة، ومن مواجهة جحيم الآخرين. ولكنك ما تلبث بعد أن تتورط بالدخول إلى هذا العالم أن تكتشف مدى مغايرته للعالم الواقعي، أرضية مختلفة وأفق مباين، اختلاف الممنوعات والمسموحات، اختلاف الشعور بوعي وإدراك الذات، انهيارعوائق الرقابة الذاتية بالتبعية، تتغير المؤثرات والدوافع، وبالتالي تتغير ردود الأفعال. وتكتشف في النهاية مدى تباين العالمين، فلكلٍ بنيته وشروطه وخصائصه. تكتشف أنك صرت تحيا الذات الإفتراضية بالفعل، تفكر وتنفعل لها وبها وفيها، والأدهى أنك لن تستطيع أن تتخلص منها بسهولة. أضحت إحدى الشخصيتين عبئاًَ على الأخرى، تزاحمها وجودها وتحاول إقصاءها أوالتخلص منها، مما ذكرني بقصة للرائع محمد المخزنجي، اسمها المخالسة [i] تحكي عن طبيب نفسي يبحث فيما يسميه سيكولوجية التخفي، ويشغله ما يصيب بعض المنقبات، من أعراض تحول هستيري، وفي إطار بحثه وكتجربة- يرتدي زي المنقبات، ربما ليستشعر حالتهن. وهنا يحدث ما لم يكن في حسبانه، إنه لا يقدر على الخروج من هذا العالم مرة أخرى، ولا يتمكن من التعامل إلا من خلاله، بل ولا يستطيع أن يفتح باب الشقة ليواجه صديقه، الذي يعرفه ويمثل بالنسبة له العالم الواقعي، الذي يهرب منه وينظر إليه طوال وقوفه أمام باب الشقة من العين السحرية ولا يجيب. وعندما ينزل وسط الناس يكون مرتدياً النقاب، حتى يقبض عليه البوليس ويُودع السجن، فيلوذ بأحد الأركان جالساً القرفصاء، غير قادر على مواجهة الكشاف "مخيماً على نفسه ببطانية رمادية يطل من شق بين طرفيها". وعندما يزيح صديقه البطانية عن وجهه "يعيدها بشكل آلي .......ووجهه المحايد الشاحب لم يرد النداء". [ii] نعم إنه النقاب في دلالته السيميوطيقية، التى تمثل أكثربكثير من كونه موقفاً رجعياً من المرأة والمجتمع، إنه في دلالته الأبعد الإحساس بالعري والعار، عار الذات المهزومة المنكسرة، التي لا تستطيع أن تواجه العالم، ولا تستطيع رؤية نفسها في عيون الآخرين، فتخلق لها عالمها المغلق، ولا تكتفي فقط بإخفاء دلالات تمييز الهوية، المتمثلة في الوجه والشعر، بل تتعداه لطمس أى ملامح للشكل الإنساني عامة، عبر الملبس الفضفاض الثقيل، وعتمة اللون الأسود مُخفيةً أي ملامح للتمايز بين ذات وأخرى، لتذوب الذات في الآخرين وتتماهى معهم، كنوع من الهروب من نفسها، ولا يبقى لها من وسيلة تواصل مع العالم المحيط، غير شق للرؤية، التى يتم تشكيلها هى الأخرى عبر ذهنية مغيبة بدورها. وفي نفس الوقت، وبدلاً من إزاحة الآخر المغاير للأنا وإقصائه، تلك الرغبة المستبطنة في الوعي المهزوم، يجري إزاحة الذات وإقصائها، عن عالم الآخر برمته كنوع من التعويض.

والنقاب ما هو إلا التمثيل المادي، وجزء من كل من نقاب- معنوي- مجتمعي عام، يتجلى في عديد من الممارسات والظواهر السائدة في حاضرنا، فاستحضار الآخر المتوهم في الأغلب وتقمصه، وتَمَثُّل ثقافة مغايرة زمانياً ومكانياً، هو نوع من أنواع هذا النقاب الذي أعنيه، وطريقة من طرق عدة لتغييب الذات وإحلال أخرى محلها، سواء تمثل ذلك في تقديس السلف وجعل التأسي بهم، وتمثلهم هو الغاية المنشودة، أو استيراد ثقافة البادية، وإعادة تفعيلها وتسييدها في مجتمعات مغايرة، لها حظها من التحضر، وقطعت اشواطاً على درب الحداثة، بما لا يصح معه المقارنة. بل ولا يستثنى من ذلك التقليد الشكلاني للغرب، فهو في الكثير منه لايعدو أن يكون ككل هذه الظواهر، والتي وراءها نفس هذا الدافع والوعي التغييبي.

ويصاحب ذلك خلق أفق إفتراضي يلائم تلك الأنا المُتَقََمَصَة، وصراع متوهم مع آخر خلقته المخيلة المريضة، ومؤامرة تحاك خلف كواليس الوجود الوهمي، واستدعاء تاريخ المؤامرة إن أمكن وإن لم يسعف تم تلفيقه حسب الطلب لنصوغ لنا وللعالم، تاريخاً يلائم واقعنا المتوهم الجديد، وفكرتنا عن الآخر. والطبيعي ان يأتي إدراكنا للأمور بعامة، ومشاكلنا وقضايانا بخاصة، بعيداً كل البعد عن واقع الحال، معولاً على فاعل خارجي، ملقياً عليه بكل التبعات، ومعللاً به مسلسلة الفشل المستمرة، كأسلوب للهروب من مواجهة النفس، ومن تحمل المسئولية، وطبعاً تتوالى الخيبات والإنكسارات، دون أن نتعلم منها، و دون أن نعي أسبابها الحقيقية، والتي هي نحن، وذهنيتنا المريضة بالأساس، وبلا أدنى شعور بالمسئولية، أوإحساس بالخزي، ولمَ؟ طالما نرتدي ذاتاً أخرى، تركب حماراً أعرجاً، وتستغرقها محاربة طواحين الهواء طول الوقت، ولا يهم ماذا يحدث لنا فنحن طلقنا ذواتنا، ونعيش في أخرى، ونستطيع أيضاً أن نغيرها، وبكل بساطة إذا لزم الأمر، المهم ألا نكون نحن، وتلك هي المشكلة، تلك هي المأساة.

 

 

 

للتعليق على هذا الموضوع



[i] - محمد المخزنجي مجموعة (الموت يضحك ) دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع ط.1 ، 1988.

[ii] - الجمل بين علامات التنصيص منقولة من المرجع السابق ص 46.