Middle East Transparent

23 اكتوبر 04

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

 

تحديث قوانين الأسرة في العالم العربي

"مجلّة الأحوال الشخصية التونسية أنموذجا"

 

تمهيـــــد :

         تمثّل الأسرة العربية النواة الأولى للمجتمعات الإنسانية عامة، وللمجتمعات العربية المسلمة خصوصا بما أنها الأساس في النسيج الإجتماعي. ولا يمكن تحديث الأنظمة والقوانين العربية إلا بتحديث قوانين الأسرة في الوطن العربي، ووضع استراتيجيا لرؤية مستقبلية تتلاءم والظروف الزمكانية (الزمان + المكان) ، ولا يتحقق ما نصبو إليه من إصلاح إلا بمراعاة ما جاء في المواثيق الدّولية وحقوق الإنسان مع الحفاظ على اصولنا وقيمنا العربية الإسلامية، واحترام خصوصياتنا في الأوطان العربية والإسلامية.

        

في هذا الإطار يتنزّل اختياري لهذا العنوان، ولمجلّة الأحوال الشخصية التونسية كنموذج لتحديث قوانين الأسرة، وقد قسمت هذا البحث إلى محورين كبيرين يضم كل محور جملة من العناصر :

I-       مجلّة الأحوال الشخصية التونسية وتحديث القوانين

II-      أثر تحديث قوانين الأسرة على المجتمع التونسي

 

 

-        مجلّة الأحوال الشخصية التونسية وتحديث القوانين :

1)      نشـأة المجلّـة :

قبل الحديث عن قوانين المجلّة نقف عند نشأتها :

طُرحت حقوق الأسرة في نطاق حركة فكرية قادها رواد الإصلاح التونسيين، وأبرزهم حسن خوجة الّذي كتب افتتاحية في جريدة "الحاضرة"(1) عنوانها "النساء والكتابة"، نادى فيها بضرورة تعليم المرأة لأنه فرض ديني، وألّف محمد السنوسي رسالة "تفتق الأكمام" وقدّم فيها دراسة عن المرأة في الإسلام مالها وما عليها، والرسالة موجودة في أصلها الفرنسي"Etude sur la femme dans l'Islam " ترجمها محمد محي الدّين السنوسي ابن المؤلّف، وصهره عبد القادر القبائلي، وطبعت بتونس سنة 1897، ثم ظهر كتاب الطاهر الحدّاد سنة 1930"امرأتنا في الشريعة والمجتمع"، ودعا إلى تحديث قوانين الأسرة وإعطاء المرأة حقوقها بجرأة لا يقدر على نتائجها إلا الطاهر الحدّاد وأمثاله (2) . ولكن هذه المحاولات لم تتحقق على أرض الواقع إلا بميلاد مجلّة الأحوال الشخصية في 13 أوت 1956 على يد الرّئيس الرّاحل الحبيب بورقيبة.

 

2)      مجالات التحديث في المجلّة: 

تضمّنت مجلّة الأحوال الشخصية تحديثا وتطويرا لقوانين الأسرة وفق رؤية مستقبلية انعكست إيجابيا على المجتمع التونسي بعد حين من الزّمن. وقد اهتم ذلك التحديث بالأسرة كبنية اجتماعية وكأفراد، فتعدّدت مجالات التحديث ودعمه تنقيح المجلّة بمقتضى القانون 74 لسنة 1993 المؤرّخ في جويلية 1993، والمتعلّق بتنقيح بعض فصول مجلّة الأحوال الشخصية بما يواكب التطوّر الزّمني، ومن مجالات التحديث في هذه المجلّة :

 

أ‌-       الــــزواج :

نص الفصل 2 من مجلّة الأحوال الشخصية (م.أ.ش) على حق الخطيب في استرداد الهدايا ما لم يكن العدول من قبله وجاء تنقيح 1993 لهذا الفصل ليدخل المساواة بين الخطيبين في استرداد الهدايا، إلغاء لكل أشكال التمييز ضدّ المرأة، ومراعاة للواقع الّذي أصبح يفيد خلاف العادة في عديد الحالات تبعا لاستغلال المرأة واستقلال ذمّتها المالية ، وتغيّر العقليات والأعراف، ومساهمة الخطيبة في تقديم هدايا للخطيب .

وإذا اتفق الخطيبان ووصلا إلى تحقيق الزواج،  فإنه لا ينعقد إلا برضا الزوجين كما أقرّه الفصل 3 من مجلّة الأحوال الشخصية. وللزوج والزوجة أن يتولّيا زواجهما بأنفسهما، وأن يوكلا من يشاءا وللوليّ حق التوكيل أيضا حسب عبـارة الفصل 9 من مجلّة الأحوال الشخصية. ويؤكّد ما جاء في الفصل الثالث والتاسع من مجلّة الأحوال الشخصية مدى تطوّر القانون الأسري حيث لا يتمّ الزّواج إلا برضا الطّرفين قبل عقد القران وهو شرط مهمّ يحافظ على كيان الأسرة ويرفع القهر عن المرأة والرّجل، لأن كثيرا من الزّيجات في الوطن العربي تتمّ اليوم عن طريق الإكراه وخاصّة إكراه البنت، وكذلك إمكانية أن يتولّى الزوجان زواجهما بأنفسهما فيه رفع لكثير من الإشكالات الّتي قد تتعرّض لها البنت أو الرّجل.

 

ب‌-     في العلاقات الزوجية :

         سنّ المشرّع التونسي جملة من القوانين في هذا المجال تحمي العلاقة الزوجية من النزاعات والإنفصام، وتبنيها على مبادئ الاحترام المتبادل اختزلها الفصل 23 من مجلّة الأحوال الشخصية في أن يعامل الزوج زوجته بالمعروف ويحسن معاشرتها فلا يلحق بها ضررا مادّيا ولا معنويا، ويتحمّل مسؤوليته إزاءها وإزاء الأبناء، وأوجب على الزوجة أن ترعى زوجها وتحترمه،  وطور التنقيح الّذي طرأ على هذا الفصل سنة 1993 ليستبدل مبدأ طاعة الزوجة فيما يأمرها به بمبدأ الاحترام مع بقاء الزوج رئيسا للعائلة. وأوكل للمرأة دورا أكثر فاعلية في تسيير شؤون الأسرة، والإشراف على مصالح الأولاد، وركّز مفهوم "التعاون بين الزوجين".

        

وجعل مساهمة المرأة في الإتفاق على الأسرة وجوبية إن كان لها مال، تبعا لتطوّر وضعية المرأة الاقتصادية والاجتماعية، ودعما لمفهومي التعاون والتكافل الأسري فإذا كانت المرأة تشتغل فلا أقلّ من أن تساهم في مصاريف البيت مع الزوج.

        

وقد رفع هذا التنقيح من مكانة المرأة في الأسرة وزاد من اعتبارها ككائن فاعل في نظر زوجها وأبنائها والمجتمع (3).

         ومكّن تحديث قوانين الأسرة الأمّ من إعطاء رأيها في قضايا تخصّ أبناءها القصّر يوضّحها لنا تنقيح الفصل 6 من مجلّة الأحوال الشخصية سنة 1993 ونصّه "زواج القاصر يتوقّف على موافقة الوليّ والأمّ وإن امتنع الوليّ أو الأمّ عن هذه الموافقة وتمسّك بالزواج القاصر برغبته لزم رفع الأمر إلى القاضي والإذن بالزواج لا يقبل الطعن بأي وجه".

 

وقبل هذا التنقيح لا يتمّ زواج القصّر من الأبناء إلا بموافقة الأب أو الوليّ فقط ولا يؤخذ برأي الأم وكأن الأمر لا يعنيها والحال أن الابن ابنها أنجبته عن تعب.

 

وتشريك الأم في مثل هذه القضايا دليل على تطوير لما جاء في المجلّة وردّ الاعتبار لها داخل الأسرة.

 

ج- النفقــــة:     

ولكي يتحقّق التوازن الأسري حدّدت مجلّة الأحوال الشخصية الّذين يستحقّون النفقة داخل الأسرة وصنفتهم إلى ثلاثة :

 

* نفقة الزوجة :

يجب على الزوج أن ينفق على زوجته المدخول بها وعلى مفارقته مدّة عدّتها كما ينص عليه الفصل 38 من مجلّة الأحوال الشخصية ، وإن كانت الزوجة تتقاضى مرتّبا شهريا. ولا يترك الإنفاق عليها إلا إذا أخلت بواجباتها الزوجية، أو أعسر الزوج. ووجوب مشاركة الزوجة في الإنفاق على العائلة، إن كان لها مال، لا يعفي الزوج من واجب النفقة حسب الفصل 39 من مجلّة الأحوال الشخصية،ولكي يحفظ المشرّع كرامة الأسرة ويحمي الحرمة الجسدية لأفرادها من ظاهرة العنف نصّ الفصل 218 من المجلّة الجنائية على أن الرّباط الزوجي يعدّ ظرف تشديد عند الاعتداء بالعنف، إذا تمسّك المتضرّر بدعواه، ويقع الترفيع في العقوبة من عام سجن إلى عامين وبخطيّة 2000 دينار، دون تميّز بين الرّجل والمرأة.

 

ويقف التتبع والمحاكمة والتنفيذ إذا أسقط المتضرّر دعواه حسب الفصل 218 من المجلّة الجنائية.

 

والملاحظ أن إسقاط الدعوى من القرين المتضرّر فيه حفاظ على تماسك الأسرة، وفسحة للعودة إلى الحياة الطبيعية بين الزوجين وهو الأصل في العلاقة الأسرية.

 

* النفقة على الأقــارب :

-        الأبواب وأصولهما : تجب النفقة على الابن للأبوين وأصولهما من جهة الاب وإن علوا، ومن جهة الأم في حدود الطبقة الأولى كما عبّر عنه الفصل 43 من مجلّة الأحوال الشخصية ، وقد متّع تنقيح 1993 لهذا الفصل أبوي الأم بحق إنفاق حفيدهما أو حفيدتهما عليهما وذلك قياسا عكسيا وعلى استحقاق الأحفاد من جهة البنت في تركة الأجداد والجدّات بوجه الوصيّة الواجب في الفصل 129 من مجلّة الأحوال الشخصية، ودعم هذا الحق الفصل 44، والفصل 45 من نفس المجلّة اللّذان أوجبا على الموسرين من الأولاد الإنفاق عليهم، وتوزّع النفقة على اليسار على لا  الرؤوس . وفي هذا التطوير دليل على مراعاة التماسك الأسري والتكافل الاجتماعي الّذي حرض عليه الإسلام في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.

 

         *الإنفاق على الأبناء :

         حكم الفصل 46 من مجلّة الأحوال الشخصية باستمرار النفقة على الأبناء الصغار والعجّز والبنت حتى تتزوّج، وأدخل تنقيح 1993 على هذا الفصل ما ينفع الأسرة فمدّد في فترة استحقاق الابن للنفقة إلى سنّ الرّشد أي بلوغه عشرين سنة من العمر، عوضا عن ستة عشر عاما قبل التنقيح. وإذا كان الولد طالب علم يتواصل الإنفاق عليه إلى بلوغه خمسة وعشرين عاما. ومتع الأبناء المعوّقين العاجزين عن الكسب بحق النفقة دون تحديد زمني، وتحقّ النفقة للبنت دون تحديد للسنّ إذا لم تتزوّج، أو لم يتوفّر لها كسب. وقدّم الفصل 47 من مجلّة الأحوال الشخصية الأم في حال عسر الأب عن الإنفاق على ولدها على الجدّ.

        

وتشمل النفقة الطعام والكسوة والسكن والتعليم وما يدخل تحت الضرورات في العرف والعادة حسب الفصل 50 من مجلّة الأحوال الشخصية. وإذا تعددّ المستحقّون للنفقة وعجز المنفق عن القيام بالإنفاق عليهم جميعا تُقدَّم الزوجة على الأولاد، والأولاد الصغار على الأصول ، كما حدّد الفصل 53 من مجلّة الأحوال الشخصية(4).

        

هذه جملة  القوانين الأسرية التي جاءت في مجلّة الأحوال الشخصية التونسية سنة 1956، وخضعت لتنقيح جديد سنة 1993، وتهمّ الأسرة المتوازنة التي يعيش أفرادها تحت سقف واحد.

        

وننظر الآن في القوانين التي ضمنت حقوق الأسرة في حالة التنازع .

 

3)      في حالة التنازع :

أ‌-       الطلاق بيد المحكمة :

أسندت مجلّة الأحوال الشخصية الطلاق للمحكمة، وفي رأيي أن هذا من أبرز مظاهر التحديث التي أقدم عليها المشرّع التونسي عندما أصدر مجلّة الأحوال الشخصية في 13 أوت 1956. فجعل الزواج رسميا والطلاق قضائيا، بعد أن كان الطلاق قبل الاستقلال (20 مارس 1956) عرضيا وكذلك الزواج.

ويبرز هذا التحديث في هذه النقطة بالذّات مدى الحرص على حماية الأسرة من الآثار السلبية للطلاق العرضي لما يسببه من تفكّك أسري، ولما يلحقه بالمرأة والأطفال القصّر من أذى.

ولقانون التقاضي في الطلاق فوائد عديدة، وأبعاد مفيدة منها:

 

* صيانة الأسرة :

كان الطلاق بيد الزوج يستطيع إنشاءه في أي وقت لأن العصمة الزوجية بيده، فيصرف  حسبما يريد وربّما تبعا لأهوائه ونزعاته وانفعالاته.

وبفرض التقاضي في الطلاق أتيحت الفرصة للزوجين حتى يفكّرا مليّا في نتائج الفراق، ويساعدهما في هذا المضمار قاض من القضاة ومحامون تحقيقا لأكبر قدر من التروّي والتدبّر والتفاهم من خلال النصائح والمساعي الصلحية، وبذلك تنجو عائلات عديدة من ويلات الطلاق ومخاطر الفراق.

 

* حماية المرأة :

         هدف المشرّع التونسي بإصدار مجلّة الأحوال الشخصية إلى تحقيق المساواة بين الجنسين، وتخليص المرأة ممّا كان يحيط بها من تقاليد تكرّس دونيتها وتهدر حقوقها، ولقد برزت هذه السياسة التشريعية الحمائية على عديد الأصعدة ومنها ميدان الطلاق حيث أصبحت المرأة تتمتّع بحقوق إضافية يفرضها وضعها العائلي والاجتماعي كجراية الطلاق ونفقة العدّة ومسكن المطلقة.

 

* حماية الطفل :

         يعاني الأطفال دائما من آثار الطلاق وكثيرا ما يقع استعمالهم لينكل أحد الطرفين بالآخر، فهم أكبر ضحايا معركة الطلاق. وبالنظر لأهمية النموّ السليم للأطفال على مستقبل البلاد حققت الدولة بواسطة فرض التقاضي في الطلاق رقابة قضائية دقيقة على مصلحة الأطفال القصر، فيبت القضاء منذ الأطوار الأولى لسير دعوى الطلاق- بصفة فورية فيما يتعلّق بحضانتهم وزيارتهم ، ونفقتهم وسكناهم (الفصل 32 من مجلّة الأحوال الشخصية) وتراعي المحكمة في كل هذه القرارات مصلحة الأطفال قبل أي اعتبار آخر. ولقد تأكّد هذا المنحى التشريعي بصدور مجلّة حماية الطفل في 9 نوفمبر 1995، حيث أصبحت حماية الطفل (كل من لم يبلغ 18 سنة كاملة) من صميم النظام العام الاجتماعي، سواء كان ذلك الطفل متّهما بموجب عقابا جزئيّا، أو مهدّدا  بأي وجه كان، أي سواء كان فاعلا أو معتدى عليه.

 

* توحيد القانون والقضاء :

         قبل صدور مجلّة الأحوال الشخصية كان التونسيّون في قضايا الأحوال الشخصية خاصة، وفي قضايا الطلاق بصفة أخصّ يخضعون لقوانين مختلفة ، ويرجعون بالنّظر لمحاكم تتنوّع حسب اختلاف معتقداتهم ومللهم.

         فكان المسلمون يتقاضون لدى المحاكم الشرعية والمسيحيّون لدى المحاكم الفرنسية المنتصبة بالتراب التونسي واليهود لدى محاكم  الأحبار.

         ولمّا صدرت مجلّة الأحوال الشخصية، وتبعها قرار توحيد القضاء في 1957، أصبح كافة التونسيين على اختلاف أديانهم ومللهم يتقاضون أمام المحاكم الوطنية وخاضعين لأحكام مجلّة الأحوال الشخصية.

 

         * تنظيم الحالة المدنية :

         كان إنشاء الطلاق من الأزواج، بصفة  خاصة كثيرا ما تكون مسرعا وارتجاليا، دون إمضاء أي كتب في ذلك، مما كانت تستحيل معه كافة الإحصائيات والدّراسات الموضوعية، وهو ما لا يتماشى ومقتضيات العصرنة الخاضعة لدراسات اجتماعية وديمغرافية وسياسية ومخططات تنموية دقيقة. وتلعب الصبغة القضائية للطلاق دورا هامّا في هذا المجال ممّا جعل المشرّع يسارع منذ أوّل أوت 1957 بإصدار قانون الحالة المدنية حيث خصّص الباب الرابع (الفصول 140-142) لمسألة ترسيم الأحكام التي تصدر بالطلاق أو تعلن بطلانه(5) .

         ولا يحكم بالطلاق إلا بعد أن يبذل قاضي الأسرة جهدا في محاولة الصلح بين الزوجين ويعجز عن ذلك. ويمكنه أن يعين حكمين ينظران في التنازع بين الزوجين ، فإن قدرا على الإصلاح أصلحا، ويرفعان الأمر إلى الحاكم في كل الأحوال كما نصّ عليه الفصل 25 من مجلّة الأحوال الشخصية.

         وعند وجود ابن قاصر أو أكثر تتكرّر الجلسات الصلحية ثلاث مرّات على أن تعقد الواحدة منها 30 يوما بعد سابقتها على الأقل علّ القاضي يتوصّل إلى الصّلح، وكثيرا ما تمّ الصلح إثر هذه الجلسات.

 

ب- حدوث الطلاق :

         إذا أصرّ الزّوجان على الفراق يحكم بالطلاق كما بيّنه الفصل 31 من مجلّة الأحوال الشخصية وحسب نوع الطلاق الّذي اختاره الزوجان بالتراضي، أو بناء على طلب أحد الزوجين لضرر حصل له، أو بناء على رغبة الزوجة إنشاء الطلاق أو مطالبة الزوجة به.

         فما هي حقوق الأسرة بعد الطلاق؟

         تتمتّع المرأة المظلومة بعد الطلاق بجراية عمرية ضبطها الفصل 31 من مجلّة الأحوال الشخصية، تدفع لها بعد انقضاء العدّة على قدر ما اعتادت من العيش في ظلّ الحياة الزوجية بما في ذلك السكن ، وتنفرد المرأة المطلقة إنشاء بحق الاختيار في تعويض الضرر الناتج عنه في شكل رأس مال يسلّم لها دفعة واحدة أو في شكل جراية عمرية، ومقدارها قابل للمراجعة، وتستمرّ إلى وفاة المطلّقة أو زواجها، وإذا توفّي زوجها تؤخذ من ورثته.

         والجراية العمرية من حق المفارقة سواء كانت عاملة أم لا، كما جاء في الفصل 53 مكرّر من مجلّة الأحوال الشخصية.

         والتعويض المادّي والمعنوي يقضى به للمتضرّر من الزوجين ، الرّجل والمرأة سواسيا، ويحكم على الأب بالنفقة على أبنائه التي وضّحها الفصل 53 مكرّر الّذي أضيف إلى المجلّة بمقتضى قانون 18 فيفري 1981، ونقّح سنة 1993، فسنّ قانون صندوق ضمان النفقة، وجراية الطلاق، وابتكر نظرية إيقاف التتبعات أو المحاكمة أو تنفيذ العقوبة في صورة آداء دين النفقة حفاظا على الروابط العائلية وإعلاء لروح الصفح والتسامح بين أفراد الأسرة الواحدة. وفي حالات طلاق عديدة ساهم صندوق النفقة في إنقاذ عديد الأطفال من الجوع والتشرّد.

         واهتمّ المشرّع التونسي بالحضانة والولاية وهي حفظ الطفل في مبيته والقيام بتربيته والتعهّد بما يصلح حاله، وحمايته ممّا يؤذيه ورعايته نفسيا وعقليا وجسديا ، والولاية عليها من طرف وليّه.

         وتكون الحضانة لأحد الأبوين حسبما اقتضى الفصل 57 من مجلّة الأحوال الشخصية ، والأم أحقّ بها ما لم يوجد مانع، لأنها الأولى بابنها والأصبر عليه والأقدر على تربيته، ولها من الحنان والرأفة ما ليس للرجل أو لغيره من الأجانب ، أو الأقارب.

         وحقّ المحضون أقوى من حق الحاضن ، ولذلك تجبر الأم على الحضانة إذا أسقطتها، وثبت أن الأب مسافر وليس له نساء تتولّى إحداهنّ حضانة ابنه(6).

         ووضع الفصل 57 من مجلّة الأحوال الشخصية شروطا في مستحق الحضانة صيانة للمحضون وحماية لشخصه ، وهي :

         أن يكون الحاضن مكلّفا، أمينا قادرا على القيام بشؤون المحضون، سالما من الأمراض المعدية، وإذا كان الحاضن ذكرا يشترط أن يكون عنده من يحضن من النساء، وأن يكون محرما بالنسبة للبنت.

         وإذا كان الحاضن أنثى ، يشترط أن تكون خالية من زوج دخل بها ما لم ير الحاكم خلاف ذلك اعتبارا لمصلحة المحضون، أو إذا كان الزوج محرما للمحضونة أو وليا لها، أو يسكت من له حق الحضانة مدّة عام بعد علمه بالدخول، ولم يطلب حقّه فيها، أو أنّها كانت مرضعا للمحضون، أو كانت أمّا ووليا عليه في نفس الوقت (7).

         وبيّن الفصل 59 من مجلّة الأحوال الشخصية أن الأم تسقط حضانتها إذا كانت من غير دين الأب، إلا إذا كان سنّ الولد دون خمس سنوات، ولا يخشى عليه أن يألف دين غير أبيه.

         ولا تنطبق هذه الأحكام على الأم إذا كانت هي الحاضنة.

         ومراعاة لمصلحة المحضون، وقع تحديث الفصل 60 من مجلّة الأحوال الشخصية بقانون 1993 فسمح للأب والأم وغيرهما من الأولياء النظر في شأن المحضون وتأديبه وإرساله إلى أماكن التعليم، لكنّه لا يبيت إلا عند حاضنه. ويطبّق كل هذا ما لم ير القاضي خلافه لمصلحة المحضون.

         ولذلك إذا سافرت الحاضنة سفرنقلة يعسر معها على الوليّ القيام بواجباته نحو منظوره تسقط حضانتها ، كما نصّ عليه الفصل (60 من مجلّة الأحوال الشخصية)، وكذلك يمنع الأب من إخراج الولد من بلد أمّه إلا برضاها ما دامت حضانتها قائمة وما لم تقتض مصلحة المحضون خلاف ذلك كما عبّر عنه الفصل (62 من مجلّة الأحوال الشخصية) (8)، ويمكن للحاضنة أن تأخذ ابنها معها حيثما انتقلت في حالة واحدة وهي أن يسقط الولي حقوقه في الحضانة (9).

         ولمصلحة الولد ولتربيته تربية متوازنة لا يمكن لأحد الأبوين منع الآخر من زيارة ولده ومن تعهّده، وإذا طلب زيارته إليه في مكان بعيد يسكنه أحد الأبوين فكلّفة السفر والزيارة عليه حسبما حدّده (الفصل 66 من مجلّة الأحوال الشخصية).

         وبفضل تحديث الفصل (67 من مجلّة الأحوال الشخصية)، أصبحت الأم تتمتع في حالة إسناد الحضانة إليها، بصلاحيات الولاية فيما يتعلّق بسفر المحضون ودراسته والتصرّف في حساباته المالية، ويمكن أن يسند القاضي مشمولات الولاية الى الأم الحاضنة إذا تعذّر على الوليّ ممارستها أو تعسف فيها أو تهاون في القيام بها وبالواجبات التابعة لها، أو تغيب عن مقرّه أو أصبح مجهول المقرّ، أو لأي سبب بمصلحة المحضون.

         وبهذا التحديث للقانون فتح المشرّع للأم الحاضنة باب الحصول بموجب حكم على بقية صلاحيات الولاية.

         وهذا يؤكّد على توطيد حقّ الأم وسط الأسرة والإشراف على تربية أبنائها واحتضانهم في حالة تخلّي الوليّ عنهم، وهو يقوم أساسا على احترام حقّ الأم الطبيعي في ملازمة أطفالها أينما كانوا.

         واحترام الحقوق الطبيعية للإنسان يعدّ ركيزة ضرورية لتطوير حقوقه وتحسينها وإعطائها بعدا حضاريا يواكب الزّمن.

 

II-      أثر تحديث القوانين على الأسرة وعلى المجتمع :

ما هي انعكاسات تحديث قوانين الأسرة على الفرد وعلى المجتمع؟

 

من حيث الانعكاسات على الفرد نلخّصها فيما يلي :

 

1-      تأهيل البنت المتزوّجة وتشريك الأم في حياة الأسرة

يعدّ سن السابعة عشر سنّا أدنى سنّ لزواج البنت كما جاء في الفصل 5 من مجلّة الأحوال الشخصية إلا أن المسؤولية المدنية لا تتحقّق إلا ببلوغ عشرين سنة حسب الفصل 7 من مجلّة الالتزامات والعقود، ورفع تنقيح 1993 للفصل 153 من مجلّة الأحوال الشخصية عن المرأة هذا النقص بترشيد القاصر إثر زواجها رغم أنها تبلغ سبعة عشرة سنة من عمرها، فتصبح راشدة ومؤهّلة في حالتها الشخصية ومعاملاتها المدنيّة والتجارية ، وترفع عنها سلطة الوليّ الشرعي في معاملاتها وفي ممارسة حقّها في التقاضي. والمرأة المتزوّجة في أشدّ الحاجة إلى هاته الأهلية القانونية لتتمكّن من إدارة شؤونها وممتلكاتها بنفسها خاصّة وأن الفصل 24 من مجلّة الأحوال الشخصية ينصّ على أن الزوج لا ولاية له على أموال زوجته الخاصة بها عملا بمبدأ نظام الاستقلالية في الملكية بين الأزواج الّذي كان جاريا به العمل ببلادنا ثم نقح بمقتضى القانون عدد 94 المؤرّخ في 9/11/1998، وقضى بحق اختيار الزوجين عند إبرام عقد الزواج أو بعده نظام الاشتراك في الأملاك.

 

ومن ثمار تحديث قوانين الأسرة تشريك الأم في تقرير مصير أبنائها وعائلتها من ذلك تنقيح مجلّة الجنسية المؤرّخ في 23/06/1993 للفصل 12 الّذي يمكن من ولد بالخارج من أم تونسية وأب أجنبي ، من جنسية تونسية إذا طالب بها قبل سنة من بلوغه سنّ الرشد، ويصبح قبل بلوغه تسع عشرة سنة تونسيا بمجرّد تصريح مشترك من الأم والأب. وألغى التنقيح الثاني للمجلّة المؤرّخ في 25/01/2002 الفقرتين  3 و 4 وعوضها بهذا الحكم "وفي صورة وفاة الأب أو فقدانه أو انعدام أهليته قانونا يقع الاكتفاء بتصريح الأم وحدها ويقع التصريح في كل الحالات طبق الفصل 39 من هذه المجلّة ويصبح الولد تونسيا من تاريخ تسجيل التصريح.

 

وهكذا تشارك الأم في تحديد مصير أبنائها وتسيير شؤونهم بفضل تحديث القوانين وتطويرها، وأذكر كذلك منع تعدّد الزوجات في الفصل 18 من مجلّة الأحوال الشخصية  ومدى مساهمته في الاستقرار العائلي في المجتمع التونسي وحده من التباغض والضغينة بين الإخوة خاصة.

2-  تمتّع الطفولة بحقّها :

إن ما دخل على قانون مجلّة الأحوال الشخصية من تحديث تعتبر محاولة جذرية، ورؤية مستقبلية لتبديل النموذج التقليدي مع المحافظة على القيم العربية الإسلامية وتربية الطفل على احترام دينه، والتحلّي بقيمه الكونية كالودّ والرّحمة والتكافل وبرّ الوالدين وحبّ الوطن ونبذ العنف، وكل أشكال الميز، وتربيتهم على مبادئ الحوار.

 

وتتويجا لهذا التصوّر أصدرت تونس يوم 9 نوفمبر 1995 مجلّة حماية الطفل، لصيانة الطفولة وضمان حقوقها، وأوجدت هذه المجلّة عدّة آليات لحماية الطفولة من أبرزها "تركيز مؤسسة مندوب حماية الطفولة" في كلّ ولاية من ولايات الجمهوريةيساعد الأسرة على القيام بواجباتها التربوية نحو الطفل وفي أحسن الظروف وخاصة الطفل المهدّد والجانح.

 

وأحدث "مرصد الإعلام والتكوين والتوثيق والدّراسات" في شهر فيفري 2002، وأحدث "برلمان الطفل" بعد تنقيح "مجلة حماية الطفل" أفريل 2002، ودوره تمكين الطفل من التعبير عن آرائه، وتعويده على تحمّل المسؤولية، وتجذير الحس المدني والسلوك الحضاري لديهم، ونشر ثقافة حقوق الطفل.

 

الخاتمة:

بعد هذه المعلومات عمّا تحقّق للأسرة التونسية من مكتسبات في نطاق التشريع التونسي وما تبعه من تطوّر في حياة الأسرة، انعكس على المجتمع أقول إن ما تحقّق تمخّض عن تطوّر تدريجي في التشريعات القانونية وفي عقلية المجتمع التونسي وعن إرادة سياسية جريئة منذ نشأة المجلّة إلى حدود تنقيحها إرادة عازمة على تكريس مبدأ المساواة الإيجابية بين الجنسين، وتعميم مفهوم الجندر في ضوء مبادئ حقوق الإنسان والمصادقة على المواثيق الدولية التي تمنع التمييز ضدّ الجنس عموما وضدّ المرأة خصوصا .

 

 

 

للتعليق على هذا الموضوع