21 مارس 2005

 

 

 

تحريض الكراهية

فـــــي بدائية العصي

مشعل التمو*

 

بعد أن هاجمت جحافل بعض الطلبة المطعمين برجال الأمن، معتصمي قصر العدل في دمشق، استغرب شابان في مقتبل العمر هذا الاعتصام والحدث ككل، ودفعهما الفضول للسؤال، فأجاب أحد المعتصمين، بأننا اعتصمنا للمطالبة بألغاء قانون الطوارىء، والسلطة لم تستطع تحمل ذلك، فسأل أحدهما الآخر، هل تعرف ما هي قانون الطوارىء، فأجاب الآخر بعفوية   "يمكن طوارىء الكهرباء".

 

استقلّت سوريا عن فرنسا في 1946 وفي جعبتها نواة مؤسسات جماعية، والكثير من الحريات العامة، ومستوى جيد من تعددية حزبية، والى آخر ما هنالك من مرتكزات بتاء المجتمع المدني والنظام السياسي المفتوح الخاضع لمنطق قبول الاختلاف والايمان بالتداول السلمي للسلطة. وكان يمكن أن تكون تلك المرتكزات بداية تكوين مجتمع حر، فيما لو سارت الأمور في مسار قانون التراكم التاريخي. لكن إجهاضه بالأنقلابات العسكرية أولاً، ومن ثم بالسيطرة المطلقة لحزب البعث، نسف لحظة التكوين تلك وأخرج المجتمع السوري، بشراً وموارد من سياق التحول التراكمي الإيجابي، وزرع فيه كحصيلة تاريخية لمساره، تلازمات فكرية وأجتماعية وثقافية، لا مجتمعية، حيث اختُزِلَ المجال السياسي، وخنق المجال الاجتماعي، وعوم المجال الثقافي، ووطأ المجال الإنساني، وكل ذلك تم تحت يافطة الخصوصية القومية والثورجية. وهي التي لا زالت حتى اللحظة تسعى إلى إعادة إنتاج ذات الأنا الجمعية في مجالها الثقافي، لتعيد دورة إنتهاكها لكل المجالات الأخرى.

 

وسوريا أيضا من الدول التي ارتبط فيها النضال من أجل الاستقلال الوطني، بالنضال من أجل الديمقراطية. لكن الديمقراطية تلك لم تتجذر، وانهارت تحت اقدام الشمولية التي فشلت في تكريس إستقلالها الوطني، مثلما فشلت في مجالات التنمية الاقتصادية. وغاب بالتالي الوعي بالديمقراطية، ليحل بديلا عنه في عقل وسلوك أجيال متتابعة الوعي بتمجيد الشمولية، بحكم عموميتها وديمومة سيطرتها على المجتمع والدولة، وبحكم ايضا عدم وجود تعددية سياسية ناهيك عن القوانين والاحكام العرفية التي لم تختبر الاجيال الشبابية غيرها. فعندما تلتهم الدولة وتحل محلها سلطة حزب واحد، تتبعثر بنتيجة ممارستها، التكوينات الاجتماعية للمجتمع، ويصبح بالتالي القمع المتبادل هو الوضع السائد، وإن أختلفت نسبة هذا القمع بين هذا الطرف أو ذاك. فالأول مالك للسلطة والدولة ولا يعترف بوجود الآخر كإنسان، ويسعى دوما إلى تجريمه، بل ووسمه بالخيانة بمعنى التحريض على تصفيته، مثلما حدث في الإعتصام الاخير 10\3\2005 عندما عُبِّئَ الطلبة لمواجهة المعتصمين سلميا. والفعل هذا يدفع بإتجاه تكسير الروابط والانتماء الوطني.

 

العلاقة الملموسة بين السلطة والمجتمع، هي بعد أربعين عاما من قانون الطوارىء- الذي يحاسب على النية وليس الفعل، وينسف بالتالي إسس التعايش السلمي- هي علاقة الجلاد بالسجين، وفي احسن الأحوال النأي الكامل عن الإحتكاك بالسلطة. لذلك تصبح علاقة السلطة بالمجتمع،  اما في تضاد وتنافر، أو لامبالاة كاملة أو سبات خوف متفاوت، بحكم أن تدخّل السلطة في المجتمع جعله ضعيفا، ممـزقة شبكة علاقاته الإجتماعية، غير قادر حتى على الاحساس بوجوده. بمعنى تم تدمير المجتمع كبنية فاعلة وكقوة محركة وصاحبة مصلحة حقيقية في التغيير، حتى وصلنا إلى مرحلة باتت فيها الدولة ضعيفة والمجتمع ضعيفاً أيضا. وهي مرحلة حرجة ومفصلية يغيب عنها محدداتها وموجبات نهوضها أو تقدمها أو قدرتها على المواجهة.

 

اذا هناك اختلال كبير في المجتمع السوري. وزاده اختلالا الاحداث المتلاحقة التي تعصف بسوريا والمنطقة، وهي الاحداث التي ترتبط بالخارج ومدى قدرته على اعادة صياغة المنطقة، كما صاغها في بدايات القرن الماضي. وبالتالي ليس المطلوب الهروب إلى الأمام ودفن الرأس في الرمال، وإنما مواجهة استحقاقات المرحلة والعمل على تهيئة الداخل وتأطير تفاعلاته الايجابية، على أرضية استيعاب الاستراتيجية العالمية الجديدة والمبنية على ايجاد حواضن ديمقراطية تجفف منابع الارهاب وتقصي ثقافة الاستبداد وتدفع بالشعوب الى امتلاك زمام مبادرتها. ولا يفيد في هذا المجال عقلية المناورة الالتفافية التي تتبعها السلطة السورية. فلا الخروج من لبنان سيوقف الضغوط الدولية، ولا لعبة مقايضة الأوراق الأقليمية سيعيد دورة الإستبداد. فما هو قادم لا يترك خيارا للمساومة، سوى خيار الداخل، خيار التغيير الداخلي، وهو الوحيد الذي يلوح في الأفق لأنقاذ سوريا كوطن وشعب.

 

ما حدث أمام قصر العدل وتاليا في ساحة المرجة ترك العديد من الدلالات، حيث يمكن القول بأن النضال من أجل الديمقراطية لم يعد داخليا صرفا، بعد نصف قرن من الإخفاق، بل أصبح يمتلك شئنا أم ابينا بعدا خارجيا مؤثرا ومحددا للكثير من توجهاته. حتى أن المرحلة نفسها تساهم في تحديد واستنباط المهمات الوطنية، المتعددة، داخليا وخارجيا، في مستواها السياسي المتجلّي في الحرية والديمقراطية وتحرير الأرادة الوطنية من قوانبن الطوارىء، وبما يتوافق مع مستويات الارتباط الوطني ومكوناته القومية، وفي مستواها الأدواتي المجتمعي توفير أدوات قادرة على فعل التحقيق، بمعنى امتلاك جعبة فكرية قادرة على تجديد ذاتها، حتى تستطيع الدفاع عن شعبها وكسر دوائر الرعب والخوف التي أحيط بها، وبالضد من ممرات الأختراق الأمني في المجتمع.

 

وتحقيق المهام في مستوياتها يتطلب قوى تمتلك قوة الفعل وليس النقل، بمشروع تغييري عصري، لا شعارات نارية متهالكة، بل مهام واضحة المعالم، متكاملة ومتناسبة الأبعاد، تهدف بداية إلى ردم الهوة أو أيجاد الحلقة المفقودة لديها، التي خلفها الإستبداد. والحلقة التي اعني لها جناحان، الأول، إمتلاك وعي ديمقراطي يقبل الأختلاف والتعدد. والثاني، فهم المزاج الجماهيري وآليات تأمين أحتياطي جماهيري يمكن أن يكون عامل ضغط على السلطة لتغيير سياستها أو الغاء بعض مرتكزاتها، وأعتقد أنه بدون توفر الجناحين ستبقى قراءة السلطة لفعاليات المعارضة في أدنى مستوياتها. خاصة واذا علمنا بأن بعض القوى المعارضة " تُزايد " حتى على السلطة في بعض طروحاتها الخارجية، رغم فارق الفائدة المستوحاة للجانبين. وهذا التناغم يخلق في الشارع حالة من البلبلة والوهن ويضعف مصداقية العمل المعارض، وبالتالي يحدد خيارات مجتمعية السلطة أقدر على الأستفادة منها لفارق الأمكانيات الضخم، بمعنى إيجاد تمايز يكون أكثر حرصا على الأرادة الوطنية، يدفع بإتجاه التناغم مع متطلبات الجماهير وتعبير عن المسكوت عنه لديهم، عبر التخلي أو الأقلال ما امكن من شعارات ومسميات مرحلة النهوض الثوري أو القوموي، والأتساق مع الواقع الداخلي السوري، المختلف راهنا في حراكه ومتطلباته ونوعية أهتماماته عن المرحلة التي أنتجت هذه القوى نفسها.

 

إن تسارع الأحداث وتنوعها وحجم أمواجها العاتية، من المفروض أن يدفع السلطة السورية إلى التصالح مع مجتمعها، فيما لو كانت القراءة سياسية. لكن إنعكاسات الفعل السلطوي في الواقع، والذي هو إنعكاس لمستوى الوعي بالحدث، يذهب في الإتجاه التقليدي المبني على تكريس ثقافة الخوف وحجب الفضاء المفتوح عن المجتمع. وهو أمر بات موضع التندر ليس أكثر، بحكم انتهاء فعالية هذا النوع من التعامل. فلم تعد الأنساق المغلقة ومنطقها العقائدي قادرة على أعادة أنتاج ذات الدوائر القمعية، حتى وأن كانت أحدى الخيارات التي من المرجح اللجوء لها.

 

إذاً، المسالة ليست في تحريض بعض الطلبة ورجال الأمن على أستخدام وسيلة بدائية، هي العصي لضرب معتصمي المعارضة. وانما تكمن المأساة في العقل الذي أنتجها، لما تحمله من معان سياسية ومجتمعية وأنسانية، وما تتركه من آثار اجتماعية خطيرة. وأخمن بأن طبيعة المُنتج الأمنية لم تترك له خيار القراءة السياسية الصحيحة، ولا تقدير كارثيتها، لذلك لا ريب بأننا سنشهد أبداعات قبلية أخرى.

القامشلي 

*كاتب وسياسي كوردي، ناشط في لجان إحياء المجتمع المدني في سوريا

 

 

للتعليق على هذا الموضوع