20 ديسمبر 2005

 

 

 

 

حين الحاجة يتذكرون شعوبهم

المحامي ميشال شماس

 

اعتاد الناس ليس في سورية وحسب، بل في جميع البلاد العربية أن المسؤولين سواء المنتخبين منهم أو المعيَّنين في الحكومات والبرلمانات والمحافظات وحتى البلديات، لايتذكرونهم إلا في مناسبات محددة يحتاجونه فيها ثم يتجاهلونه بمجرد الانتهاء من قضاء حاجتهم منه.

 

   فلا يتذكرون إلا حين يأتي موعد الاستفتاء الذي يسمونه "انتخاب" فينصبون الخيام ويقيمون المضافات، المحاطة بالمنافقين، ويطلقون الخطب الحماسية المليئة بالوعود الطنانة الرنانة، والتزلف لهذا الشعب طالبين كسب صوته. وبعد أن تنتهي الحفلة، ويتلقى الفائزون التهاني، يذهب كل واحد منهم للتعويض عما صرفه في حملته الانتخابية "الاستفتائية"، بينما الشعب ينتظر تنفيذ وعودهم، فلا يسمع منهم وعنهم إلا القصص والحكايا عن قصورهم ومزارعهم وفيلاتهم التي شيدوها بغمضة عين، والثروات الطائلة التي هربوها إلى خارج البلاد.

 

ولا يتذكرون هذا الشعب العظيم، إلا عندما يشعرون بالخطر في الأوقات العصيبة التي تشتد فيها المخاطر والضغوطات الخارجية فيخطبون وده، ملتمسين منه التوحد وتناسي الخلافات، وأن يعبّر عن غضبه بوجه تلك المخاطر والتهديدات بالمشاركة في تلك الاعتصامات والخيام التي نصبوها له خصيصاً في الساحات والحدائق، والمشاركة في حلقات الدبكة والعتابا، والاستماع إلى شعبولا وعلي الديك، بدل الاستماع إلى سميح شقير وشاميات فيروز والأخوين رحباني وسيد درويش أو زياد الرحباني أو مارسيل خليفة.

 

   حتى أن بعض رجال الأعمال أخذوا يعزفون على "أوتار الوطنية" حين تسابقوا  إلى نصب الخيام وإقامة المضافات المحاطة بسيارتهم الفارهة، والتي اتخذوا منها مكاناً لإدارة أعمالهم. وكأن الدفاع عن الوطن لايحتاج إلا إلى اعتصاماتهم ومضافاتهم، إلى خطبهم وسيارتهم وربطات عنقهم الأنيقة، في الوقت الذي يستمرون فيه بنهب المال العام والخاص وتهريبه إلى خارج الوطن، بالتعاون والتحالف الوثيق مع بعض من هم في مركز المسؤولية، والذين يكثرون من حضورهم في تلك الخيم، لعلهم يضللون الشعب فينساهم. لكن هيهات أن ينسى الشعب من أمعن في سرقة ونهب أمواله، وساهم في إفساده وانتهاك حرياته، مهما تلونوا أوغيروا جلودهم.   

 

   تُرى كم كان سيكون الموقف رائعاً بمعناه، عظيماً بنتائجه، لو أن هذه الخيام وتلك المضافات تحولت إلى ملتقى للحوار الوطني وتبادل الرأي والرأي الآخر بين مختلف ألوان وأطياف هذا الشعب العظيم الذي لولاه لما أصبح هذا النائب نائباً، أو ذاك المسؤول مسؤولاً أو ذاك الشخص رجل أعمال..؟!  

 

   لقد علمنا التاريخ ومازال يعلمنا أن الدول التي تكون فيها السلطة قريبة من العدالة بعيدة عن الظلم، ويقل فيها الفساد على اختلاف أنواعه، وتمنح مواطنيها قدراً معقولاً من الحرية والديمقراطية، تكون أقل عرضة للخطر الخارجي، فكلما كانت السلطة وفي أي دولة كانت أكثر تحسساً لمشاكل مواطنيها وأكثر استجابة لحاجاتهم ومطالبهم، كلما استطاعت عند تعرضها لخطر حقيقي أن تحتمي بمواطنيها الذين لن يبخلوا في الوفاء ورد الجميل بالدفاع عمن أكرمهم وأعطاهم. ومثال فنزويلا ما زال ماثلاً أمامنا، عندما دافع الشعب الفنزويلي عن رئيسه هوغو تشافيز وأعاده إلى قصر الرئاسة محمولاً على الأكتاف، ودافع عنه مرة ثانية في الاستفتاء الذي جرى بهدف تقصير ولايته. وما كان للشعب الفنزويلي أن يفعل ما فعل لولا أن رئيسه هوغو شافيز وقف معه ونفذ ما وعد به شعبه خلال حملته الانتخابية من احترام حريات الناس والمشاركة في صنع القرار والتوزيع العادل نسبياً للثروات وبخاصة النفط، حيث بدأ يشعر الفنزويليون بتحسن وضعهم المعيشي والاجتماعي والسياسي في عهد شافيز، بخلاف ما كانوا يشعرون به من ظلم وقمع وفقر في العهد السابق.

 

فالوطنية لا تأتي من خلال الدروس أوالخطب والمقالات، ولا بكثرة الاعتصامات والمضافات. بل هي أكبر من كل ذلك. فهي حالة وجدانية يعيشها الإنسان، تتوهج في أعماقه وتتجلى بأبهى صورة لها عندما يكون هذا الإنسان معززاً مكرماً حراً سيداً في وطنه. وبالعكس تماماً من ذلك فإن الشعور بالوطنية يضعف إلى حد كبير إن لم يتلاش، عندما يكون ذلك الإنسان مهمشاً مقهوراً ومقموعاً لا إرادة له، تماماً كأي شجرة مثمرة عندما نهتم بها ونسقيها ونحميها، فإنها سوف تجزي في العطاء، أما إذا أهملت دون رعاية أو عناية،  ستضعف قدرتها على العطاء لا بل قد تذبل وتموت.

 

  باختصار، الوطن ليس بحاجة إلى تلك الاعتصامات والمضافات لتأكيد وطنية أبنائه في الدفاع عنه، بل جل ما يحتاج إليه هو أن يكون أبناؤه شركاء حقيقيون في إدارة شؤونه، وقيادته عبر أطر ديمقراطية مشروعة، يناقشون قضاياه بلا خجل أو وجل، لا أن يتم إهمال هذا الشعب في الرخاء وتذكره في أوقات الشدة أو عند الحاجة إليه فقط.

* دمشق

 

 

 

"schehade" <schehade@scs-net.org> 

Date: Thu, 22 Dec 2005 00:32:19 +0300

   

أستاذ ميشيل شماس. كعادتك، كتبت فأبدعت. وعلى أمل أن يقرأ المعنيون بالأمرمقالك الرائع هذا.

مع أطيب التحيات.

المحامية ركنية الشحادة