5 ديسمبر 2005

 

 

بالحرية والعيش الكريم تُبنى الأوطان

ميشال شماس

   

 

   مضى أربع سنوات على احتلال العراق، ولازال الكثير من المحللين والمهتمين يدرسون ويحللون أسباب السقوط السريع لنظام صدام حسين، ويسألون بتهكم أين ذهبت تلك الملايين السبعة من العراقيين الذين حشدهم نظام صدام قبل الحرب بأيام ؟! ولماذا لم تدافع تلك الحشود عن بغداد التي فتحت أبوابها للمحتل الأمريكي دونما أية مقاومة؟!

   والجواب بتقديري بسيط وواضح ، فعلى مدى أكثر من عشرين عاماً ، حكم صدام حسين العراق وشعبه بالحديد والنار ، واستنزف خيرات العراق النفطية بحروب عبثية مع جيرانه أنهكت شعبه ،وكأن تحرير فلسطين يمر عبر" تحرير الكويت" وأنشغل عن شعبه في بناء القصور والملذات الشخصية للنظام وأزلامه ..الخ، وقتل وسجن وهجّر الكثير من أبناء شعبه ، ومن بقي في العراق ارتضى العيش مرغماً مسلوب الإرادة بفعل الاستبداد والقمع  والفقر والجوع والحرمان.. الذي مارسه نظام صدام حسين طيلة فترة تسلطه على مقدرات العراق وشعبه.

  ومن هنا لم يكن أمام الشعب العراقي الذي أنهكه استبداد نظام صدام حسين وتسلطه، سوى الوقوف متفرجاً على هذا النظام وهو يسقط، ويبدو أن صدام حسين شعر متأخراً أن الشعب العراقي لن يقف بجانبه، لذلك أخذ يلعب على الوتر الديني وفتح أبواب العراق أمام "المتطوعين الإسلاميين" من الدول العربية والإسلامية على أمل صمود نظامه بوجه الجيوش الأمريكية وحلفاؤها. ونسي صدام أنه إذا لم يدافع أبناء البلد عن بلادهم ، فلن ينفعه أي شخص من غير أهله. ونسي أن المثل قد قال :"لا يحن على العود غير قشره".   

  وفي صورة معاكسة لما حصل في العراق ، هب الشعب في فنزويلا بفقرائه وعماله وفلاحيه للدفاع عن رئيسهم الذين انتخبوه بحرية وديمقراطية ، عندما دبر أصحاب الشركات وأرباب العمل  وبدعم من السي أي إي انقلابا ضد الرئيس المنتخب لفنزويلا هوغو تشافيز الذي لم يدم سوى 72 ساعة، حيث عاد الرئيس إلى قصر الرئاسة محمولاً على أكتاف الجماهير  ، وحاول أرباب العمل والشركات وبدعم واضح ومعلن من الولايات المتحدة الأمريكية إسقاط تشافيز ولكن هذه المرة  عبر إجراء استفتاء بهدف تقصير ولايته ، فكان جواب الشعب الفنزويلي أن أعاد تثبيت رئيسه شافيز في منصبه كرئيس للبلاد. وقد شككت الولايات المتحدة بنتيجة الاستفتاء بالرغم أن الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر الذي راقب وفريقه عملية الاستفتاء أكد أن نتيجة الاستفتاء تعبر عن رأي الشعب الفنزويلي.

وما كان للشعب الفنزويلي أن يفعل ما فعل لولا أن رئيسه هوغو شافيز وقف معه ونفذ ما وعد به شعبه خلال حملته الانتخابية من احترام حريات الناس والمشاركة في صنع القرار والاستفادة  من عائدات النفط ، حيث بدأ يشعر الفنزويلين بتحسن وضعهم المعيشي والاجتماعي والسياسي في عهد شافيز ، بخلاف ما كانوا يشعرون به من ظلم وقمع وفقر في العهد السابق  بالرغم من أن فنزويلا تحتل المرتبة الخامسة في العالم في إنتاج النفط ، إلا أن شركات النفط المدعومة من أمريكا كانت تتسلط على عوائد النفط  حارمة غالبية الفنزويليين من هذه الثروة الوطنية.  

   وهكذا يتضح من دراسة تلك التجربتين اللتين مازالتا ماثلتين في أذهاننا، أن السلطة في أية دولة كانت، بقدر ما تهتم بحرية وكرامة مواطنيها من خلال توفير وسائل العيش الكريم، وإفساح المجال لهم بحرية المشاركة الحقيقية في صياغة وإقرار كل ما يتعلق بمختلف شؤونهم السياسة والاقتصادية والاجتماعية والثقافية..حاضراً،ومستقبلاً. بقدر ما يتمسك رعايا تلك الدولة بسلطتهم  تلك، وحمايتها من أي تهديد أو اعتداء قد تتعرض له ، طالما أن هذه السلطة قريبة من مواطنيها تتحسس أمالهم وآلامهم ، مستمرة في تأمين وحماية مصالحهم في الحرية والعيش الكريم والمشاركة الحقيقة في تقرير حياتهم .

   أما إذا استبدت تلك السلطة في قرارها وصادرت حرية مواطنيها وصمت أذانها عن مطالبهم، فسوف لن تجد من يدافع عنها في وقت الشدة، حتى أولئك اللذين انتفعوا منها سوف ينفضون عنها يبحثون عن مكان آخر أو سلطة أخرى يجدون فيها ضالتهم.

  باختصار يمكن القول  إن الدولة أية دولة، تسمو وترتقي إلى أعلى ، كلما تمتع أبناؤها بقدر واسع من الحرية والكرامة والعيش الكريم والمشاركة ، فالإنسان الحر الكريم هو الذي يبني دولةً سيدةً حرةً مستقلةً  ، وهو القادر في النهاية على حماية بلاده والدفاع عنها ضد أي خطر يتهددها ومهما عظم هذا الخطر.

 

للتعليق على هذا الموضوع