Middle East Transparent

1 سبتمبر 2004

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

 

 

لا لدولة الإستثناء
ميشال كيلو

لا ارى ما يمنعني، كوحدوي عربي، من قول رأيي في مشكلة الرئيس لحود، الذي وعد في خطاب القسم بانجازات اعترف في آخر تصريحاته انه لم يحققها خلال السنوات الست الماضية، لكنه وعد بتحقيقها اذا ما تم تعديل المادة 49 من الدستور اللبناني ومنحه فرصة رئاسية جديدة. لم اتشرف شخصيا بمعرفة الرئيس لحود، وان كنت اعرفه شأن بقية المواطنين السوريين والعرب من التلفاز والصحف(...)

لكن اكثر ما عرفني على سيادته، كان تصريحه الاخير، الذي اعلن فيه استعداده لقبول فترة رئاسية جديدة، بعد تعديل الدستور اصوليا (بطلب من سوريا التي سجنت بعض من طالبوا من مواطنيها بتعديل اي بند في دستورها وخاصة مادته الثامنة رغم ان حزبها الحاكم غيّر الدستور ثلاث مرات وعدله خلال دقائق قليلة في واقعة مشهودة واتهم نائب رئيسها في حديث أخير المطالبين بتعديل الدستور بالسذاجة او بالعمالة) لأسباب وجيهة منها تحقيق ما فشل في تحقيقه خلال فترة رئاسته الاولى، وذلك حباً بلبنان والمبادىء وليس من اجل شخصه. لا يريد الرئيس ترشيح شخصه، فشخصه لا يهمه بل هو يرشح المبادىء التي جسدها كرئيس خلال ولايته الاولى، ويبدو انها لا تتوفر الا فيه وحده وان احدا غيره لا يستطيع حملها.

اما مبرر الترشيح الاقوى فيكمن في حقيقة باهرة هي ان سيادته حقق خلال فترة حكمه الحالية ما سماه انجازات استراتيجية، فمن حقه اذن ان يعطى فرص اضافية لتحقيق ما يريده من انجازات تكتيكية، قال انها ستتركز على وضع لبنان الداخلي، وخاصة منه المعركة الداخلية، التي لم تحسم خلال فترة ولايته الاولى ضد الحريري والحريرية تحديدا -، ومن الضروري ان تدور بزخم حاسم خلال السنوات الثلاث المقبلة، ليكتمل بذلك عمله الكبير، الذي تحقق شقان رئيسان منه هما تحصين لبنان ضد العدو الصهيوني، وترسيخ وحدته الوطنية وجعلها عصية على الانفراط يكرر مترنيخ الديبلوماسية السورية الاستاذ فاروق الشرع بمناسبة وبلا مناسبة ان سلم لبنان الداخلي سينهار حتما، بمجرد ان يخرج الجيش السوري منه ولم يعد ينقصه غير الانتصار في المعركة التاريخية الكبرى ضد الحريري.

لماذا يريد الرئيس لحود تمديد ولايته او تجديدها؟ يقول مؤيدوه في سوريا ولبنان: ان هذا ضروري بسبب الوضع الاستثنائي الذي تجتازه المنطقة، ويفرض التمسك به كرجل استثنائي. تُرى الم تكن السنوات الست الماضية كافية لتحقيق ما يريد فترة جديدة لتحقيقه: تطبيع وضع لبنان الداخلي واخراجه من استثنائية حاله الخارجيةـ التي يبدو انها تملي عليه خياراته وتقرر سياساته ومصالحه وحتى اسماء حكامه؟ ثمة وضع استثنائي يتطلب طريقة استثنائية في الحكم ينفذها رجل استثنائي، اثبت خلال فترة حكمه الاولى التزامه المطلق بالسياسة السورية، التي تعيش بدورها بفضل طابعها الاستثنائي، المستمر منذ نيف واربعين عاما وصارت جميع مفرداتها الاستثنائية طبيعيةـ بما فيها احتلال الجولان وكذلك الاحكام العرفية وحال الطوارىء الموقتة!

هل من المحال ترتيب اوضاع لبنان وسوريا بطريقة تخضع مشكلاتها الداخلية والخارجية لمعايير واساليب عمل يحددها القانون ونمط توافقي وشرعي من التوازنات والتفاعلات السياسية بين قوى السلطة والمجتمع؟ واذا كان الرئيس لحود قد اقر بالفشل الداخلي والخارجي، حين اقر باستثنائية الوضع اللبناني، الا يكون من واجبه التخلي عن الرئاسة بدل المطالبة بفرصة جديدة يجعلها الفشل لا النجاح ضرورية؟ ومن يضمن ان لا يلغي هو اليوم او غيره غدا بحجة الحالة الاستثنائية التي نعرف ويعرف ان تغييرها ليس في يده او يد دمشق- تداول الرئاسة، ليجعل من نفسه رئيسا الى الابد، بعد ان جعل شخصه مصلحة وطنية عليا وضرورة للسلم الداخلي والامن الخارجي تسمو فوق اية ضرورة على ارضية تجسدها بنية سلطوية لعب دورا كبيرا خلال ولايته الاولى في تحويلها الى الشمولية وجعلها بنية ذات طبيعة امنية وقمعية متزايدة؟

اخيرا هل سيأخذ لبنان بخط الاستثنائية باعتباره الخط الطبيعي الذي سيقرر من اليوم فصاعدا مصيره، مع ما يعنيه ذلك من مخاطر على بقايا الديموقراطية والحرية الموجودتين فيه، ومن ترسيخ لدولة الاستثناء ضمن لحظة خارجية وداخلية تتعارض معه، من المحتم ان يلحق قيامها ضررا فادحا بشعبه الذي يجب ان يعمل كل ما يسمح به الدستور والشرعية للحيلولة دونها؟ تَعد نظم المنطقة - وبعض النظام السوري بالانتقال الى حالة استثنائية لن تعيش! اما المبادىء التي تحدث عنها وقال انه يريد التمديد من اجلها، فكان يجب ان تدفعه الى وضع الدستور فوق شخصه، والى اعتبار القانون رئيس لبنان الوحيد، الذي يجب ان يُجدّد ويُمدّد له، وأن يخضع لسيادته الجميع، بمن في ذلك رئيس الجمهورية، لأن في احترامه والتقيد به ضمان سلمهم الداخلي وامنهم الخارجي، وتطبيع اوضاعهم!

(دمشق)

------------

كاتب سوري
"النهار"

 

للتعليق على هذا الموضوع