11 مارس 2006

 

 

 

آذار نامه

مسعود عكو

 

كان لا بد للقدر أن يكتب هذه الرسالة حتى، ولو كان متأكداَ كل التأكد، بأن صاحبها قد يتألم كثيراً عليها. لكن! آبت أحرفه الخروج إلا للغناء على كل حزين، وبائس هتف الفزع له، وتحولت كل لحظاته إلى خلجات دامية، ودقائقه إلى آهات متأوهة من آلم، وحزن وفراق أليم على الكثير من أيامه الضائعة في متاهات هذا الزمن الغادر.

 

أية موسيقى حزينة تنهمر من عيني حجلنا البائس، وأي خمر إلهي ينسكب من مقلتيه الباردتين، وهو يذرف آهاته المبتورة بمدية الزمن الأسود، وأقلام رصاصات العسس الهائج يئن أزيزها القاتل عندما يخترق فلذات أكبادنا الدامية، وهي ما تزال ترعى شبابها، وهي تسير بسفينتها في بداية حياتها، ولم يبتعد العمر عن شاطئ اليم سوى أيام عدة، ولكن! اخترق ذلك الرصاص كل قلب كان ينبض، وقطف كل زهرة كانت تفوح بالحياة.

 

هذا هو آذارنا، هذه هي رسالة آذار التي يرسلها لنا في كل عام نفر من أقوام مبتورة، وممسوخة من بني البشر، وقد لا تنمني إلى جنس ذلك الآدمي لكنها تعتبر نفسها كل الكون، ولا مكان حتى للإله على أية ذرة تراب من أراضيها التي تدعي بأحقيتها فيها فترمي صاحب الحق بعيداً عن داره، ويتلذذ هو وغيره بكل خيراتها، ويمتص دماء أناسها، ولا يكتفي بذلك بل يلجأ إلى قلع كل عين ترنو بحزن إلى أيامها الخالية، وتأن من آلم فراق الحب، والحياة.

 

هذه رسالتك يا آذار تزيد من آهات ذلك العجوز البائس الذي انحنى ظهره فتكسرت عليها كل مواثيق، وعهود الإنسانية، ولا يمكنه حتى الأنين عليها فتلتهب كل جوارحه، ويقذف بآهاته ويلعق ما تبقي من آلامه فيخلد للحزن مرة أخرى، ويترك القاصي والداني يمرحون، ويستمتعون بكل ما لذ، وطاب من بستانه، وروضة زهوره فيقطف ما يشاء من ورودها، ويسحق أخريات تحت قدم لا زال مضرجاً بدماء الزهور التي قبلها.

 

هذه هي أيامك التي تزيد من أنين الأم الثكلى فتأبى كلماتها الخروج إلا مع العبرات، والدم فتهلهل لذكرى مولدها الذي مات، وهو في المهد وتبكي كل الآمال التي عقدتها على شبابه لكي يكون لها يوماً ما سنداً، ودعماً في كبرها ولكن! أبت جندرمة القمع، والظلم أن يتحقق هذا الحلم الرضيع أقسم على قد أوصاله عن دنياها، ولم يترك لها سوى ذلك الثوب الصغير، والذي لم تستطع أن تلبس جنينها منه، ومات حسرة على أمه الثكلى.

 

ذلك البلبل الحزين الذي بلغ رسالته بأغنية حزينة كانت كلماتها كوقع الصواعق على رؤوس الأوغاد في كل بقاع الكون كانت كسيوف تقطع رؤوس كل من يقمع الحجل البائس، وترك نوروز بكل حزن، وآلم ليبدأ برزخه بعيداً عن وطن كان يعز عليه أن يفارقه ومع ذلك تمنى أن نحييه في كل آذار، ولن ننسى هذا الأمنية ما دمنا أحياء وصلت رسالتك أيها البلبل، وانتظر رداً سريعاً عليها تريح روحك في مرقدك، وتقد مضجع القتلة.

 

هذه رسالتك يا آذار رائحة التفاح ما زالت تزكم أنوف الآلاف من أبناءك الشهداء الذين راحوا ضحية دكتاتورية همجية جبانة تلذذ فيها قاتلوها بخنق الزهور، ووأد الورود، وقتل كل ربيع يصبح، ويمسي على جبالنا فكانت تفاحاته ممزوجة بالخردل، والنابالم وأحرقت حلبجة بيابسها أما أخضرها فما زال يئن على فراق تلك الأرواح البريئة فأين كنت يا آذار لما لم تكتب رسالة لبارئك، وتتوسل إليه أن لا يقطف زهورك، ولا يرميك بماء النار فيتلذذ الساديون، ويتشفوا بقولهم ماذا تريدون أن يرموكم... بماء الورد؟

 

آذار نامه ستكون في هذه السنة بطعم أخر، ولون أخر، ورائحة أخرى فالربيع سيكون مزهراً بالنسرين، والياسمين وستزهر مكان كل وردة آلاف الزهور، وسينبض القلب من جديد معلناً نهاراً آخر، ونوروزاً جديداً للحجل الحزين فيه كل الفرح، ولتبعد سنين الخوف، وأيام الظلام، ولحظات الألم إلى غير رجعة، وهل كتب علينا أن نكون قرباناً لك في كل حول تقطف ما تشتهي من أعمار شبابنا، وأطفالنا وتزيد آلام الجروح التي لم تندمل بعد، وتحز بمدية ثلمة قلوب، وأكباد قد ملت الحزن، والبؤس، والبكاء تريد من اليوم نهاراً جديداً، وتتمنى من الشمس شروقاً بدون غيوم، ومن الليل قمراً ساطعاً لا يعكر صفوته غيوم الكآبة فإليك في هذا العام أبعث رسالتي يا نوروز، وتقبل مني هذه المرة قرباناً جديداً، وإليك هذه المرة... آذار نامه.           

messudakko@hotmail.com

 

* سوريا

 

 

للتعليق على هذا الموضوع