7 يوليو 2006

 

 

 

 

 

 

إلى المعلمين في يوم صرفهم

مروان سليم حمزة

 

 

- 1-

 

فاضت الدموع من عينيها حين قال لها :

 

- الأستاذ...... من المصروفين ( بقرار رئيس الوزراء ) من الوظيفة، مثل والدك.!!

 

- غصت الكلمات في فمها وهي تسلم عليَّ.

 

استغربت أمر البكاء بهذه الحرقة ؟؟.

 

- لماذا تبكين ؟.

 

- حرام عليهم.. بعد أكثر من خمسة وثلاثين عاماً موظفاً لديهم يصرف هكذا بكل بساطة، دون أي كلمة شكر حتى !!.

 

تأثرت لذلك. وتوضح الأمر الآن، ونسيت للحظة بأنني من هؤلاء المصروفين.

 

- صدّقي يا أختي، أن هذا القرار وكل المواد التي استند إليها، لا يستحق دمعة واحدة من عينيك. وأن أي واحد من هؤلاء المصروفين يكفيه شرفاً بأنه طوال مدة عمله كلها، لم يستجد أحداً مكاناً مريحاً ولم يتوسل من أي جهة خدمة فيها منفعة له، ولم يش بأحد من زملائه أمام أي مسؤول، ويكفيهم شرفاً أيضاً بأنه قد تخرج من بين أيديهم عشرات بل مئات من الطلاب، منهم الآن الطبيب والمهندس والمعلم. صحيح بأنه في كثير من الأحيان يصبح التلميذ الذي كان صغيراً يوماً ما مديراً على معلمه؟!! ولكن لا بأس في ذلك.

 

ويكفينا شرفاً جميعاً (السبعة عشر موظفاً وموظفة من مختلف الوزارات) بأننا لم نصرف بسبب يمس النزاهة أو أي شائبة أخرى تتعلق بالشرف المهني أو المسلكي لهذه المهنة أو تلك، قد يكون هذا ما أزعج السلطات التي أصدرت هذا القرار وبدون أن تعلنه في أي وسيلة من وسائل إعلامها المقروءة أو المسموعة ؟؟

 

ونفتخر بأننا طوال مدة خدمتنا تلك ( وقد أكون أقلهم في سنوات الخدمة)، لم نلوث أيدينا بالمال الحرام مثل الكثيرين الذين يتباهون باستمرار بأنهم إلى الآن يسرقون ويرتشون ولكنهم مداراة لذلك، كانوا طوال الوقت يصفقون، ويقولون نعم لكل شيء.

 

نعم  كنا في أيام المدرسة ننتظر مناسبة عيد المعلم بشغف،ونشعر بالفرح والحزن بنفس الوقت، حين نعرف بأن أحد التلاميذ قطع من مصروفه الشخصي مبلغاً صغيراً ليقدم لنا وردة جميلة في عيد المعلم، ولكن حتى هذه الهدية الثمينة بمعناها، كنا نعتبرها ليست من حقنا.

 

إننا نستحق التهنئة بصدق، (فمن يحاربك بقوت أولادك، ويقطع عنهم أرزاقهم حتما أنت أقوى وأكبر منه).

 

 - الآن... لسنا خائفين أو مترددين أو نادمين على ماحصل، وتوقيعنا على البيان الذي يطالب بالإفراج عن المعتقلين السياسيين لن يكون أخر المطاف، بل إننا متأكدين بأننا نحمل أحلاماً وأمالاً كبيرة بحجم الدنيا وما فيها، ولن نيأس، مادام في الأرض مواطنون شرفاء يقدرون ما قمنا به.

 

- 2-

 

طوال الأيام السابقة كنت أقرأ في عيون من أقابلهم عبارات شتى :

 

- أنتم قدوة حسنة عسى أن نتمثل منها يوماً ما.

 

- يا أخي ألم تحسب حساب معيشة أولادك؟ تعليمهم؟ مستقبلهم؟ ماذا ستفعل الآن؟؟!!

 

- كم مرة نصحناك، ولم تقبل، ماذا نفعل لك ؟؟ عنيد !! طول عمرك حامل السلم بالعرض!!

 

- هل صحيح ما حصل معكم؟؟  - نعم.  - معقول !!

 

-  كم عانيت حتى حصلت على هذه الوظيفة، تضيعها بتوقيع، يا حرام عليك 0

 

- يا أخي الوضع خطير، والتوقيت غير مناسب، لو أجلتم هذا التوقيع ؟!!

 

- أهنئكم على موقفكم، وعلى جرأتكم، نحن معكم بالقلب.

 

- عمي أنا حزين عليك، ومنك، (أنت تعرف إن الدجال والمساير والساكت هو الماشي بالبلد، يا عمي اليد التي لاتستطيع أن تعضها بوسها وأدعي عليها بالكسر).

 

هنا توقفت للأسف كل الأسئلة والمجاملات :

 

- ياعمي : بالله عليك، هل ترضى لي (الآن) أن أكون مثل هؤلاء ؟؟ لا... لن أكون...

 

ولتعلم أنت والجميع بأنني كنت موظفاً في الجمهورية العربية السورية،ولم أكن في يوم من الأيام فاسداً،أو مختلساً، ولن أكون (مرابع أيام زمان) عند أحد من المسؤولين!!! ( احتضنني بحنان شائحاَ بوجهه عني حتى لا أرى دمعة أخرى شاهدتها خلسة..!!)..

 

- ماذا أقول لك؟؟... الله معك، ودير بالك على حالك، من أجل أولادك ياعمي.

 

أمام هذا الطيف، بكل تلاوينه. ليس لنا إلا أن نقول :

 

- شكراً لكل من وقّع معنا في ذلك البيان، ولكل من تضامن معنا، وقال ذلك بصراحة. ولكل من تألم لما أصابنا ولم يستطع بسبب الخوف أن يعلن ذلك.

 

- شكراً لوالدتي الباكية دوماً، والمصابة بالسكري، والتي عالجتُ إخبارها بجرعات مخففة متناوبة من الألم والأمل.  ولوالدي المتغضن طوال الوقت،الذي مزقني بعينييه الدامعتين والذابلتين إشفاقاً عليَّ.

 

- شكراً لكل الهيئات والمنظمات الإنسانية والحقوقية ولكل من أوصل قضيتنا للعالم.

 

- شكراً لكل أعضاء النقابات الحرة ( محامين - أطباء- مهندسين).الذين ساندونا بجهودهم الرائعة.

 

- وشكر خاص لنقابة المعلمين( التي إلى الآن لم تفكر ماذا ستفعل ؟؟!!) فمن الواضح أننا أعداد فقط، ندخل في سجل أعضاء النقابة، بدفتر الصحة، وصناديق التكافل الاجتماعي، وصندوق الوفاة، وإكليل جميل من الورد مع كلمة تأبين جاهزة، تعدد مناقبنا، وبداية الخطاب ( قم للمعلم....) حين يتوفى أحدنا (بعد عمر طويل) لتتلى على مسامع المشيعين في أحد مواقف قُرانا المشتتة في هضاب هذا الجبل العظيم. والسؤال الآن : كوننا صُرفنا من الخدمة،هل ما زلنا نستحق شرف التأبين هذا ؟؟؟..

 

- شكراً لمديرية التربية في السويداء، التي أبت إلا أن تكرّمنا على طريقتها ( الخاصة ) وذلك بإبلاغنا ( قرار الصرف) عن طريق الشرطة. لأنها انزعجت من أحد الزملاء المصروفين، حين واجه المسؤولين بالتربية بأن هناك تقصير حصل ( بعدم الإخبار) بعد مضي أكثر من /12/ يوماَ على صدور القرار. 

 

- شكراً لكل من قال بأننا عملاء ومتآمرين على البلد، رغم انه في قرارة نفسه يعرف تماماَ من هم بدقة هؤلاء.

 

- شكراً لكل من تحمل عناء السؤال عنا بأي شكل كان.

 

ولكل هؤلاء نقول:

 

- عسى أن نكون أخر من يصرف بهذه الطريقة البربرية والتي لا تمت للأخلاق بصلة، وإن دفاعكم عنا الآن هو دفاع عن أنفسكم، عن أولادكم في المستقبل، ولن يكون ذلك إلا بإلغاء حزمة كبيرة من القوانين، منها المادة /137/ سيئة الذكر، والتي تخفي في ثناياها كل الحقد والكراهية لمن يقول لا، لمن يرفع رأسه فخراً برأي مخالف  قد يكون فيه مصلحة الوطن، مهما كان نوعه، أو حجمه، أو مكانه...

marwanhamza@maktoob.com

 

شهبا - 3 تموز 2006

 

مواضيع ذات صلة:

النخبة التي صرفها نظام بشّار الأسد من العمل: الصور والسير الشخصية

 

 للتعليق على الموضوع