30 يوليو 2006

 

 

 

 

 

 

(مديح الظل العالي) نشيد دامٍ من جديد

مروان سليم حمزة

 

بداية... عذراًَ من شاعرنا الكبير محمود درويش -  وعسى أن يغفر لي  ما فعلت -  وبالإذن من مقامه الرفيع -  ففي هذه الأيام العصيبة لا بد لنا من استذكار قصيدته (مديح الظل العالي) وترديدها كما لو انه يكتبها الآن. فمن بعد رائعته تلك التي كتبت قبل أكثر من عشرين عاماَ ليس لي إلا القول: (وعذراَ من كل الشعراء الأحياء منهم والأموات)... لا قصائد عند العرب؟؟ ولا كلام؟؟ ولاشيء أبقى لنا نحن أبناء الهزائم والذل المتجذر في العروق إلا مديح الظل العالي لنرثي من خلالها أنفسنا والزمان والمكان وكل شيء.. كل شيء.

 

شاء القدر أن نتذكر هذه القصيدة  في أيام المحن (خاصة) وما أكثرها؟؟ والنكسات  المتكررة التي تصنع من قبل الحكام العرب، ببراءة اختراع مسجلة لا يستطيع أحد أن ينافسهم على هذا (الشرف) المقزز على مر الأجيال..

 

- أصبنا منذ بدء الحرب الأخيرة، بحيرة وذهول وشتات بالتفكير لا نحسد عليه، نحاذر النظر في عيون بعضنا بعضاً، في السماء، في عيون أطفالنا، في الفضائيات، إلا خلسة خوفا من كل شيء، من الدمار، من أشلاء الأطفال، من لوعة أم مفجوعة تفتش عن أبنائها بين ركام وأطلال لحضارة شعب ما قبل التاريخ في لبنان أو غزة (لايمت لنا بأي بصلة)!!، من التصريحات والمقابلات، من الحوار، من التنظير، من المقالات، من التحاليل الكثيرة والتي تغرقك بالوحل أكثر مما أنت فيه، لتصل إلى :

))هي هجرة أخرى.. فلا تكتب وصيتك الأخيرة والسلاما. سقط السقوط، وأنت تعلو /  فكرة / ويدا /  وشاما! / لا بر إلا ساعداك / لا بحر إلا الغامض الكحلي فيك / فتقمص الأشياء كي تتقمص الأشياء خطوتك الحراما / واسحب ظلالك عن بلاط الحاكم العربي حتى لا يعلقها وساما / واكسر ظلالك كلها كيلا يمدوها بساطا أو ظلاما. ((

 

- هي حرب أخرى رسمت بألوان دامية، وانقسم الحكام العرب (على عكس شعوبهم) كالعادة كما في كل حروبهم السابقة، والتي لا يوجد فيها انتصار واحد للأسف، إلى فريقين، الأول يدّعي النصر الوهمي في كل خطواته طيلة أربعين عاما؟؟، ويشجع الحروب التي تبتعد عنه؟؟وكأنها لا تعنيه؟؟ ويدعي بأنه المدافع الوحيد والأخير عن الثغور العربية، ولكنه يخاف صوت الانفجارات حتى في ألعاب الأطفال أيام العيد؟؟... ويراهن في كل الحروب التي شهدتها العرب وكأنه ينظر إلى حلبة فيها صراع للديكة؟؟، يشجع ديكه بفخر واعتزاز في حال كانت الجولة له، ويشيح بوجهه عند اقتراب الهزيمة، ولا يعنيه َ من الأمر شيئاَ،  إلا تعليق النياشين وموسم مفتوح للشعارات والمسيرات والخطابات القومية الرنانة؟؟ عند انتصار ديكه!!، والهروب بعيداَ في الأمر (الآخر) مع نفس الترنيمة الجاهزة السابقة، ولكن مع تحميل الآخرين مسؤولية ذلك عند.........؟؟؟؟

)) كسروك، كم كسروك كي يقفوا على ساقيك عرشا / وتقاسموك وأنكروك وخبأوك وأنشأوا ليديك جيشا / حطوك في حجر.. وقالوا : لا تسلم / ورموك في بئر.. وقالوا لا تسلم / وأطلت حربك، يا أبن أمي، ألف عام ألف عام ألف عام في النهار./ فأنكروك لأنهم لا يعرفون سوى الخطابة والفرار ((..

 

- يكفينا ذلاً..؟؟  فالأنظمة التي لاتستطيع أن تبرز رجولتها إلا على مواطنيها؟؟ بكم أفواههم، والاستقواء عليهم بزيادة أعداد عناصر الأمن وإحداث  فروع جديدة لذلك، وتستخدم أحدث أساليب القمع المتنوع من الاعتقالات، وتفريق دام للاعتصامات السلمية، ومعاقبة الآخرين بشتى الوسائل، إن كان بالصرف من الخدمة، أو بالتضييق على باقي أفراد الشعب بلقمة العيش، متسلحة بذلك بحزمة كبيرة من قوانين الطوارئ والأحكام العرفية..؟؟   ومنع أي شكل ثقافي يتناول الهم العام الذي فيه إشراك للمواطنين بالقضايا السياسية الساخنة التي تواجه الوطن والمواطن،  وتستنزف من ميزانية الدولة  أكثر من 75 % لوزارة الدفاع على شكل ضرائب ومجهود حربي وتبرعات وهمية؟؟، والتي تذهب كلها على أرض الواقع هباءاَ منثورا،  وكأن هذه الوزارة (للأسف) أخر همها الدفاع عن الوطن !! وهذا ما نشهده من خلال التصريحات الكثيرة لمسؤولين في كل المستويات. حتى وزير الأعلام لدينا أصبح يفقه بالأمور العسكرية؟؟ (وذلك من خلال تصريحاته النارية الأخيرة؟؟)، أكثر من إبداعه الرائع،  بإتقان اللهجة المحكية، الأسهل على لسانه (العربي)، من عذاب  النحو والصرف في الفصحى؟؟؟ ليقول : إن أي اقتراب من الحدود السورية.... لن نقف مكتوفي الأيدي؟؟ والسؤال للسيد الوزير: كم هي المسافة المقررة لذلك؟؟؟؟

 

والآخرين من قبائل العرب التي ينتمي إليها الحكام و(تنحني القامات إجلالا عند ذكر أصلهم)، الذي يعود بالشرف العظيم إلى بكر وتغلب والبقية الباقية ممن يزالون أحياء من إرث داحس والغبراء والبسوس وتبع اليمن وغسان وعدنان وقحطان الذين يستقوون بالأعداء والأمريكان ليسجلوا لهم  نصراَ بهياَ كالسراب.. ماذا نقول فيهم؟؟؟......

 

)والآن، والأشياء سيدة ٌ وهذا الصمت يأتينا سهاما / هل ندرك المجهول فينا. هل نغني مثلما كنا نغني؟ / آه، يا دمنا الفضيحة، هل ستأتيهم غماما؟ / هذه أمم تمر وتطبخ الأزهار في دمنا / وتزداد انقساما. / هذه أمم تفتش عن إجازتها من الجمل المزخرف../ هذه الصحراء تكبر حولنا / صحراء من كل الجهات / صحراء تأتينا لتلتهم القصيدة والحساما./ هل نختفي فيما يفسرنا ويشبهنا / وهل.. هل نستطيع الموت في ميلادنا الكحلي / أم : نحتل مئذنة ونعلن في القبائل أن يثرب أجرت قرآنها ليهود خيبر؟ / الله أكبر / هذه آياتنا، / فاقرأ / باسم فدائي الذي خلقا من جزمة أفقا / باسم الفدائي الذي يرحل / من وقتكم.. لندائه الأول / الأول الأول / سندمر الهيكل. / باسم الفدائي الذي يبدأ / إقرأ : بيروت - صورتنا  / بيروت- سورتنا.(

 

- هل نحن حقاَ خير أمة أخرجت للناس؟؟ كم من التزوير قرأنا وحفظنا وعلمنا أبناءنا ذلك!! في عصر تحسب الإمامة للمال والنفط وعتبات البيت الأبيض والمؤتمرات والابتسامات الصحفية أمام الكاميرات في مواجهة رايس وكل من يمت إليها بصلة القربى؟؟  

)) نامي قليلا، ياابنتي، نامي قليلا / الطائرات تعضني. وتعض ما في القلب من عسل / فنامي في طريق النحل، نامي / قبل أن أصحو قتيلا./ الطائرات تطير من غرف مجاورة إلى الحمام، فاضطجعي على درجات هذا السلم الحجري، وانتبهي إذا اقتربت شظاياها كثيرا منك وارتجفي قليلا./ نامي قليلا / كنا نحبك، ياابنتي،/ كنا نعد على أصابع كفك اليسرى مسيرتنا / وننقصها رحيلا / نامي قليلا / الطائرات تطير / والأشجار تهوي، والمباني تخبز السكان، فاختبئي بأغنيتي الأخيرة، أو بطلقتي الأخيرة، ياابنتي / وتوسديني كنت فحما أم نخيلا.. / نامي قليلا./ وتفقدي أزهار جسمك، هل أصيبت؟ /  واتركي كفي، وكأسي شاينا، ودعي الغسيلا./ نامي قليلا./ ((...

))أشلاؤنا أسماؤنا / حاصر حصارك بالجنون / وبالجنون، وبالجنون / ذهب الذين تحبهم، ذهبوا / فإما أن تكون / أو لا تكون / سقط القناع عن القناع عن القناع، ولا أحد / إلاك في هذا المدى المفتوح للأعداء والنسيان،/ فاجعل كل متراس بلد / لا..لا أحد / سقط القناع / عرب أطاعوا رومهم / عرب وباعوا روحهم / عرب.. وضاعوا / سقط القناع / يا خالقي في هذه الساعات من عدم تجلّ/ لعل لي رباَ لأعبده، لعل ! علمتني الأسماء / لولا / هذه الدول اللقيطة لم تكن بيروت ثكلى !/ بيروت – كلا./ بيروت صورتنا – بيروت سورتنا / فإما أن نكون / أو لا تكون /.. ((

(وسأعترف، بجميع أخطائي، وما افترق الفؤاد من الأماني / ليس من حق العصافير الغناء على سرير النائمين،/ والإيديولوجيا مهنة البوليس في الدول الغنية : من نظام الرق في روما / إلى منع الكحول وآفة الأحزاب في ليبيا الحديثة. / كم سنة /  كنا هناك. ومن هنا ستهاجر العرب / لعقيدة أخرى. وتغترب / قصب هياكلنا / وعروشنا قصب / في كل مئذنة حاو، ومغتصب يدعو لأندلس / إن حوصرت حلب / بيروت صورتنا – بيروت سورتنا / ()

 

- لقد بلغ العار حداَ لا يوصف؟؟ !! (لبنان الآن – أخر الأخبار) : تستجدي الأمم المتحدة والدول الكبرى  بكل جبروتها ممراَ أمناَ لإيصال المؤن؟؟ والحمد لله  لم ينفع هذا الاستجداء، فمن الأفضل أن يموت الجميع جوعاَ وعطشاَ وقتلاَ  وتنتهي القضية،، والسلام !!!.. 

)يطلق البحر الرصاص على النوافذ. يفتح العصفور أغنية مبكرة. يًطيرً جارنا رف الحمام إلى الدخان. يموت من لايستطيع الركض في الطرقات : قلبي قطعة من برتقال يابس. اهدي إلى جارنا الجريدة كي يفتش عن أقاربه. أعزيه غداَ. أمشي لأبحث عن كنوز الماء في قبو البناية. / مازلت حياَ – ألف شكر للمصادفة السعيدة. / يبذل الرؤساء جهداَ عند أمريكا لتفرج عن مياه الشرب./ كيف سنغسل الموتى؟؟ / ويسأل صاحبي : وإذا استجابت للضغوط فهل سيسفر موتنا عن : دولة، / أم خيمة / قلت : انتظر ! لا فرق بين الرايتين / قلت : انتظر حتى تصب الطائرات جحيمها ! / يافجر بيروت الطويلا / عجل قليلا / عجل لا أعرف جيداَ : إن كنت حياَ أم قتيلا !. ((.)

 (يستمر الفجر منذ الفجر / تنكسر السماء على رغيف الخبز. ينكسر الهواء على رؤوس الناس من عبء الدخان ولا جديد لدى العروبة : / بعد شهر يلتقي كل الملوك بكل أنواع الملوك، من العقيد إلى الشهيد، ليبحثوا خطر اليهود على وجود الله. أما الآن فالأحوال هادئة تماماَ مثلما كانت. وإن الموت يأتينا بكل سلاحه الجوي والبري والبحري. مليون انفجار في المدينة. هيروشيما هيروشيما / وحدنا نصغي إلى رعد الحجارة، هيروشيما / وحدنا نصغي لما في الروح من عبث ومن جدوى./ وأمريكا على الأسوار تهدي كل طفل لعبة للموت عنقودية يا هيروشيما العاشق العربي أمريكا هي الطاعون، والطاعون والطاعون امريكا، نعسنا. أيقضتنا الطائرات وصوت امريكا لأمريكا../ وهذا الأفق اسمنت لوحش الجو / نفتح علبة السردين، تقصفها المدافع / نحتمي بستارة الشباك. تهتز البناية. تقفز الأبواب. أمريكا وراء الباب امريكا / ونمشي في الشوارع باحثين عن السلامة، / من سيدفننا إذا متنا؟؟ / عرايا نحن، لا أفق يغطينا ولا قبر يوارينا / ويا يوم بيروت المكسّر في الظهيرة / عجل قليلا / عجل لنعرف أين صرختنا الأخيرة؟؟)..

 

خبر عاجل : وكالات - وردنا الآن ما يلي :..  يقولون بعد الذي يجري من مجازر وتهجير وسحل للأطفال أثناء تجريف الأبنية المنهارة في كل المناطق اللبنانية بأن الحكام العرب يفكرون بعقد مؤتمر للقمة العربية، ومازالت (لله الحمد) المشاورات مستمرة لإتمام ذلك.. ولكن عسى أن يتم تجاوز نقطة الخلاف الوحيدة بينهم، وهي، هل يكون مشروب الضيافة في قاعات قمة القمم، نبيذ أحمر فاخر... أم... دم معتق للأطفال القتلى من لبنان أو فلسطين؟؟

 فمن يدري؟؟  قد يسوى الأمر وتنتهي هذه المأساة بمؤتمر القمة الخمسين؟؟ وما لنا نحن جموع القتلى والشهداء والجرحى والجائعين والتائهين والهاربين والنازحين والمشردين والمظلومين والمعتقلين والمنادين بالحرية إلا المغفرة والتضرع لصاحب الأمر... والانتظار !!

 marwanhamza@maktoob.com

 

شهبا- سوريا

 

 للتعليق على الموضوع