Middle East Transparent

28 اكتوبر 04

شفــــاف الشــــرق الأوســــط

 

 

 

 

في حديث مع "هأرتس":

لم نكن مسؤولين عن موت وديع حّداد، ربما الموساد..

ماركوس وولف يقول أنه لم يقبل يوماً بالتجسّس على إسرائيل

 

 

كان معروفاً عن جهاز "ستازي" الألماني الشرقي، الذي ترأس ماركوس وولف حتى العام  1986 قسم الإستخبارات الخارجية فيه، أنه كان نشيطاً في ميدان العلاقات مع المنظمات الفلسطينية (الجبهة الشعبية وغيرها) وأنه لعب دوراً أساسياً في التركيبة الأمنية لليمن الجنوبي. ومع ذلك ماركوس وولف يقول في مقابلة مع جريدة "هآرتس": "لم أتجسّس يوماً على إسرائيل. لقد فاتحني جهاز "كا جي بي" مراراً وطلب منّي أن أرسل عملاء وجواسيس لجمع معلومات حول إسرائيل، وفي إسرائيل. كألمان، كان أسهل علينا  من الروس، أو البولونيين، أو التشيك، أن نعمل في بلدكم. ولكنني كنت دائماً أرفض طلباتهم".

وكان "وولف"  أحد أجرأ وألمع مسؤولي هيئات التجسّس في الكتلة الشرقية السابقة. وهو النموذج الذي بنى عليه "جون لو كاري" أبطاله في روايات مثل "الجاسوس القادم من الجليد" (الذي يصبح روسياً، وليس ألمانياً، في رواية جون لو كاري John le Carre التي تحوّلت إلى فيلم سينمائي).

هل هذا الكلام صحيح؟ في أي حال، يضيف "ماركوس وولف": "حينما أنظر للأمور من اللحظة الراهنة، فإنا سعيد بأن أقول أن جذوري اليهودي ربما لعبت دوراً في عدم رغبتي بالعمل ضد إسرائيل، ولكن الواقع أن معظم رفضي كان ناتجاً عن أسباب مهنية. فقد فضّلت أن أركز كل جهدي لتجميع المعلومات حول ألمانيا الغربية وحلف الأطلسي".

 

وقد اخترق جواسيس ماركوس وولف، أو "ميشا"، كل جوانب مجتمع ألمانيا الغربية، بما في ذلك الهيئات الحكومية الفيدرالية، وجهاز الإستخبارات الخارجية BND  في ألمانيا الغربية، والشركات الألمانية الغربية الكبرى، ومقرّ قيادة حلف الأطلسي في بروكسيل. ونجح عدد من عملائه في التسلّل إلى ألمانيا الغربية، بعد بناء "جدار برلين"، بصفتهم "لاجئين سياسيين".

 

وكان "ميشا" مسؤولاً عن وحدة من العملاء "صائدي النساء" الذين كانوا يتخصّصون بتجنيد "السكرتيرات" في المكاتب الحكومية الحسّاسة في ألمانيا الغربية.  ولكن أهم عملية قام بها كانت إختراق مكتب المستشار الألماني "فيللي برانت" بواسطة الجاسوس "غونتر غويلويم". وقد اضطرّ فيللي برانت، الذي كان صاحب خط "التقارب" مع ألمانيا الشرقية للإستقالة حينما اكتشف أن أقرب مساعديه كان جاسوساً ألمانياً شرقياً.

 

وقد ولد ماركوس وولف في العام 1923، من أب يهودي وأم غير يهودية. وكان والده كاتب مسرحيات، إحداها كانت حول اضطهاد اليود في ألمانيا. وفرّت عائلته إلى موسكو بعد أن استولى النازيون على السلطة في ألمانيا، في العام 1933. وأصبح ماركوس وولف شيوعياً في موسكو، وعاد إلى برلين بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث أصبح عضواً في الحزب الشيوعي الألماني، ثم انضم إلى جهاز "ستازي" حيث ترقّى إلى رتبة "جنرال".

 

ويصرّ ماركوس وولف في المقابلة التي أجراها مع الصحفي الإسرائيلي "يوسي ميلمان" على أنه لم يشارك على الإطلاق في "قمع" مواطني ألمانيا الشرقية لأن كان يركّز على جمع الإستخبارات الخارجية. وهذا زعم يصعب تصديقه.

 

وأصبح ماركوس وولف، بعد تقاعده في العام 1986، أحد الأصوات الأكثر "ليبرالية" في النظام الشيوعي السابق، ودعا إلى إصلاحات في سياسات ألمانيا الشرقية ومؤسّساتها. وفرّ ماركوس وولف إلى موسكو في العام 1989 حينما بدأ النظام الألماني الشرقي، بقيادة إريك هوينكر، بالإنهيار.

 

ويزعم وولف في المقابلة الصحفية أنه فكّر في الفرار إلى إسرائيل وفي الإستفادة من "حق العودة" لليهود. ويقول أنه تشاور مع أصدقاء يهود، ولكنهم نصحوه بأن إسرائيل قد لا تقبله، أو قد ترحّله فوراً إلى ألمانيا الغربية حتى لو قبلت به. وفي أي حال، فقد عاد وولف إلى برلين بعد توحيد الألمانيتين، وما يزال يعيش فيها مع زوجته.                                               

 

وقد سعت حكومة ألمانيا مرتين لوضعه في السجن، في سنوات التسعينات. وخضع للمحاكمة في العام 1993 بسبب نشاطاته في جهاز "ستازي"، وخصوصاً بسبب دوره في قضية "غونتر غويليم". ثم حوكم في العام 1997، حيث اتهم بأن عملاءه اقتادوا سكرتيرة ملحق عسكري أميركي في برلين الغربية، في العام 1995، في محاولة لـ"تجنيدها". ويعلّق وولف بأن "صديقاً في السي آي أي" قال له أن هذه التهمة، لو أخذت بها المحكمة، كانت ستجعل كل ضباط المخابرات في العالم "مجرمين". ويضيف وولف أن حكومة ألمانيا كانت ترغب في الإنتقام منه لأنه نجح في اختراقها وفي كشف نقاط ضعفها.

 

ويوجّه وولف الإتهام بصورة خاصة إلى "كلاوس كينكل"   Klaus Kinkel، الذي شغل منصب مدير جهاز الإستخبارات الخارجية BND في ألمانيا الغربية  قبل أن يصبح وزير خارجية ألمانيا. ويقول أن والد كينكل ووالده هما من مواليد نفس المدينة الصغيرة.

.

ويقول وولف أن أكبر نجاحاته تحققت حينما كان "كينكل" مديراً للجهاز المضاد له. وقد أصدرت المحكمة العليا في ألمانيا الموحّدة عفوا عن وولف بعد آخر محاكمة، ونقضت حكماً عن محكمة أدنى يقضي بسجنه 8 سنوات. وبعد تبرئته كتب 6 كتب، بينها كتاب "رجل بلا وجه"  "A Man Without a Face".

 

وزار ماركوس وولف إسرائيل في العام، بدعوة من الصحفي في جريدة معاريف  "غاد شيمرون"، واغتنم الفرصة للإجتماع مع مسؤولي الإستخبارات الإسرائيليين.

 

"كارلوس كان رجلاً متهوّراً"

يقول وولف أنه، أثناء هذه الإجتماعات، وكذلك في اجتماعات سابقة مع المسؤول الكبير السابق في الموساد "رافي إيتان" (الذي طلب منه مساعدته لترويج أعماله في كوبا!)، قد أكّد على أن جهازه لم يكن يوماً على صلة مع منظمات الإرهاب الفلسطينية. ولكنه يقرّ بأن ألمانيا كانت تقدّم "المشورة" و"التدريب" للمنظمات الفلسطينية في إطار دعمها لـ"حركات التحرر الوطني". ويقول بأن الإتصالات مع المنظمات الإرهابية كان يتم بواسطة قسم في ستازي يسمّى "رقم 22".

 

ويكشف وولف أن الإرهابيين الفلسطينيين الذين قاموا بعملية ميونيخ ضد الرياضيين الإسرائيليين، في العام 1972، وصلوا إلى ألمانيا الغربية عبر برلين الشرقية. ويقول: "فعلوا ذلك بدون علمنا، أو على الأقل بدون أن نعلم ماذا كانوا ينوون القيام به. وكانت هذه الحادثة محرجة جداً لنا. وبعد هذه الحادثة، أفهمنا منظمة التحرير الفلسطينية بأننا لن نقبل بعد الآن بأن يستخدموا ألمانيا الشرقية كمحطة في طريق الإرهاب".

 

ويقول ماركوس وولف أن برلين الشرقية تحوّلت إلى ما يشبه الفندق للإرهابيين المعروفين، بما فيها "كارلوس"، الموجود حالياً في سجن فرنسي، و"أبو نضال". ويقول بأن السلطات كانت دائماً تطالب كارلوس بالبقاء في غرفة الفندق أو "بيت الضيافة" المخصص له، "ولكنه كان رجلاً متهوّراً، ولم يكن يستمع لنا. وكان يقوم بجولات كل ليلة في النوادي الليلية والبارات، ويدعو فتيات إلى غرفته. وفي النهاية، اضطررنا لطرده، وأخرجناه إلى هنغاريا".

 

أخيراً، يقول ماركوس وولف أنه كان على علم بوجود الدكتور وديع حدّاد في ألمانيا الشرقية. وقد مات وديع حدّاد رسمياً بسرطان الدم في مستشفى ألماني شرقي في أواخر السبعينات أو مطلع الثمانينات. ويقول وولف أنه على علم بوجود إشاعاغت بأن وديع حدّاد مات مسموماً ولم يمت ميتة طبيعية. ولكنه يضيف مبتسماً: "لم نكن مسوؤلين عن موته. ربما كان جهاز الموساد هو المسؤول".

 

 

 

للتعليق على هذا الموضوع