23 يوليو 2005

 

تعقيباً على مقالة عباس بيضون

 "اليسار الديموقراطي",,  الهمّ الوطني أولاً

مارك ضو

 

 

أثارت اهتمامي دقة وصف وتحليل السيد عباس بيضون لتطور الأحداث المتعلقة بحركة اليسار الديموقراطي. وذلك شجّعني على محاولة استكمال مجهوده من خلال حوار الأفكار والتساؤلات التي طرحها في مقاله "اليسار الديموقراطي... مهلاً ايها الرفاق"،  في جريدة السفير بتاريخ 7 تموز 2005.

 

يدور المقال حول مجموعة من الافكار. أولاً ان اليسار الديموقراطي قد حقق انجازات من خلال انخراطه في حالة المعارضة التي ساهمت في الانسحاب السوري وتفكيك النظام اللبناني السوري (رغم بقاء أجزاء منه). ثانياً اندفع اليسار الديموقراطي في ركب الاحداث المتسارعة، والموقع والسياسة التي اختارهما دون ان يكون له سوى تأثير طفيف في المجريات والاحداث. وفي ضمن هذا النسق، يرى الكاتب، خوض اليسار للانتخابات. والنقطة الثالثة هي أشبه بتحذير من ممارسة رسخت لدى اليسار اللبناني وهي الخوف من التفرد واستتباع الموقف بالحليف القوي.

 

أرى أن السيد بيضون قوم منجزات حركة اليسار، وبالاخص خطوتها الجريئة بتحالفاتها، والتزامها، واندفاعها، وعملها، في الغوص في الصراع السياسي في وجه النظام السوري والاجهزة الامنية. ولكن صميم المقال، كما بدا لي، ان السيد بيضون يسأل: لماذا ركب اليسار، بعد تلك المنجزات، وبعد 14 آذار، موجة البريستول وتابع في انجرافه وتكوينات ذلك التحالف؟ وايضا لماذا ترشّح اليسار الديموقراطي الى الانتخابات؟ وما كان الهدف والإفادة؟

 

شكوك الكاتب بمكامن الأجوبة، توصله ليقول إن الخيارات التي اتخذها اليسار الديموقراطي هي في جزء منها نتيجة وراثة من ممارسات اليسار اللبناني والحزب الشيوعي خاصة. فترشح اليسار الى النيابة هو بسبب "تشهّي" و"طمع" بمقعد نيابي. والاستمرار في مواكبة تحالف البريستول هو بسبب عقدة اليسار اللبناني وخوفه من التفرّد.

 

في الفكرة الأولى أوافق والسيد بيضون أن اليسار حقق إنجازات للوطن مع شركائه الذين ساهموا في تحقيق حرية وسيادة واستقلال لبنان، وضرب الاجهزة الامنية التي استباحت الدولة. ولكن اليسار الديموقراطي ايضا حقق إنجازات على صعيد تنظيمه، اذ اصبح في رصيده مساهمة في مواجهة نضالية تاريخية، وحضور سياسي ذي شرعية، وبروز اعلامي، وعضوية في التنظيم امتدّت على مساحة الوطن. غير أن هذا أتى ايضا بأثمان وأغلاها اغتيال سمير قصير.

 

لماذا اذن استمرّ اليسار في تحالف البريستول بعد تلك الانجازات الوطنية؟ وخاصة بعد بدء الطبخات الانتخابية التي تشظى بسببها عقد تحالف 14 آذار؟ تسهل قراءة موقف اليسار الديموقراطي من خلال فهم نظرة غالبة فيه وهي ان الهم الوطني هو فوق اي هم آخر. والصراع من اجل مصلحة البلاد وشعبها لا يعلو عليه ولا يتقدمه اي هم آخر. المتابعة في ذلك التحالف، في رأيي، هو لسببين، الحفاظ على جبهة عريضة لقوى فاعلة في الواقع اللبناني لتحصين القرار الوطني من الاستتباع الكلي للخارج ورغباته. ثانياً، المساهمة في حوار وطني جدي وجامع، منطلقاً من المصلحة المشتركة لمكوّنات تلك المعارضة في الأساس، وخاصة بعد الأشواط العديدة التي تخطوها مجتمعين. وهذا الحوار قد برهن عن قدرته على مخاطبة الفرقاء الآخرين، من خارج التحالف، الفاعلين في لبنان. لهذه الأسباب وجبت المتابعة في ذلك التحالف ومن ثم الانطلاق منه، إن أمكن، الى وضع برنامج او أقلّه أسس جديدة لمسار مغاير للسياسة في الدولة اللبنانية. وهذا مسعى ما زال مستمراً، ولكن وجود اليسار فيه يجب أن يكون من موقعه اليساري من الآن وصاعداً وليس موقع التماهي مع الأكثرية. كما على اليسار أن يكون ملتزماً بالقضايا السياسية التي تحكم وتتحكّم بمسار بناء الدول والصراعات التي تمرّ بها الشعوب، دون ان يهمش نفسه او يمارس إسقاطات خطابوية ايديولوجية على الواقع. انها حالة من التوازن بين التمايز والمعارك التي تفرض نفسها على واقع المشهد السياسي.

 

يسأل السيد بيضون في سياق مقاله، لماذا الترشح الى الانتخابات؟ وما الفائدة منه؟ تصعب الإجابة على هذا السؤال دون توضيح جوهري، إن عرض الترشح عن المقعد النيابي في طرابلس جاء بفرمان من القوى الفاعلة والمقررة بتشكيل اللوائح. وقرار اليسار الديموقراطي كان خيارا بين اثنين، اما القبول او الرفض. فكان القبول هو الجواب.

 

الترشح الى الانتخابات والفوز بمقعد له فوائد عديدة، لن ادخل في العموميات ولكنني سأذكر الفوائد لحركة اليسار الديموقراطي. أولاً حضور في مركز اساسي من مراكز صنع القرار السياسي اللبناني، وهذا سيساهم في نضوج تجربة اليسار الديموقراطي السياسية والبرنامجية. ثانياً شرعية تمثيلية بالإضافة للمعنوية في طرح القضايا والمشاريع التي تعنى ببرنامج حركة اليسار ليس من خلال وسطاء، ولكن من خلال من يمثل الحركة. وهذا سيخوّل حركة اليسار الديموقراطي إلى أخذ مبادرات تشريعية وليس مجرد الاعتراض لدى فلان والضغط على فلان. ثالثاً في ظل الوضع الإعلامي اللبناني والتنظيم الحالي لهذا القطاع الحيوي في تشكل الرأي العام، إن موقع النائب يستقطب إعلامياً ما لن تستطيع حركة اليسار أن تستقطبه ولو حاولت المستحيل.

 

هذا ما استطيع أن أسهم به من محاولة اجابة على السؤالين اللذين طرحهما السيد عباس بيضون في مقاله. تبقى ملاحظة في مسألة الوراثة من اليسار اللبناني والحزب الشيوعي والذي استرسل السيد بيضون في شرحها ولربما كان يقصد الاصرار عليها. اعتقد ان حركة اليسار الديموقراطي مرتبطة عضوياً باليسار اللبناني التي هي جزء منه. اما تشكلها كقوة قادرة على تثبيت ممارسات سياسية جديدة هو موضع اختبار وترقّب. لربما كان هناك خوف من التفرّد ولكنه مفهوم الى حد ما، في رأيي، من حركة فتية غير عقائدية. لا بل حركة تزخر بالافكار التي لم تتكلل حتى الآن ببرنامج متطور فكري، وثقافي، واجتماعي، واقتصادي. رغم إمكانية ان ندّعي لحركة اليسار تطورا ملحوظا في طرحها لمشروع سياسي.

يبقى على حركة اليسار الديموقراطي أن تبرهن انها قادرة على الاستفادة من القدرات الشبابية وأصحاب الخبرة الذين ينضوون تحت لوائها الابيض والاحمر، وأنجزوا، وابدعوا، واثبتوا في ساحة الحرية وكل انتفاضة الاستقلال. وما المغدور سمير قصير الا مثال وشاهد على المقدرات الضخمة لحركة اليسار الديموقراطي. ولكن هذا يتطلب الحذر من الوقوع في أخطاء سبق لليسار أن عانى (وما زال يعاني منها). اعتقد أن ملاحظة السيد بيضون في محلها عندما يتكلم عن <<اختلال عطّل تقريباً التنظيم وغيّبه>> وانه لم يكن هناك من اثر واضح لليسار الديموقراطي سوى <<صورة الياس عطا الله وكلمته>>.

 

للتعليق على هذا الموضوع