21 يناير 2005

 

أنا و هو
مجد يونس أحمد

يعجبني فيكَ , ويثير غيظي
أنك تعيش وبشكل عفوي , ما أتحرق شوقا لفعله
لذا سنبقى دائما ذلك النقيض.
توأمان في جسد واحد , الأول لايجيد سوى
صراخ الإستغاثة , والآخر يعمل بكل ما
أوتي من قوة لإنقاذ ما لا يمكن إنقاذه ,
ولا يرغب , حتى في معرفة ما هو عليه


من أجمل وأمتع الموضوعات الحديث عن الإبداع , حيث هو القدرة على إنتاج أفكار أصيلة وطرق جديدة للنظر الى الأشياء القائمة , وخلق إرتباطات بين أفكار غير مترابطة مع بعضها معتمدة على طرح مفهوم: ان المشكلات يمكن ان تُواجه بأكثر من طريقة وهناك دائما أكثر من إجابة , مما يوسع دائرة الحلول المتاحة سواء أكانت منطقية أم غير منطقية مما يتيح مادة أغزر للتفكير بدون التقيد بأنماط محددة أو تقليدية , مما يجعل العقل أكثر انفتاحا لتقبل أفكارا جديدة وارتباطات جديدة بين أفكار قديمة ...

نحن لانتبادل الكلام :

تجربة إبداعية شعورية .. تصوير للمشاعر والأحاسيس التي تختلج بنفس الشاعر ومحاولة مشاركة القارئ بها عبر النصوص التي يميزها سياقها الفلسفي خلف تداعي الذاكرة الحاضرة الآن .. متأرجحة ( الذاكرة ) بين صور الماضي وعيش الحاضر واستنباط المستقبل .. ذلك التداعي الحر الذي خلق تراكم من الأفكار احتضنها اللاشعور وتبنّاها العقل الباطن أو الشاعر اللاشعوري في ذاكرة حسين عجيب محاولا ربطها بخيط وهمي ممزقا القيود باحثا عن طرق لإلقاء القبض علينا بطريقة فهمه للحياة فارضا وضعا يضيق الخناق حتى لانكاد نستطيع الفكاك من يده .. فترانا ندور في فضاء الحكاية .. نتذوق اساليب البحث في المسائل الهامة والحقائق الأساسية ..

انه الفرد .. ومحاولة إخراجه من تيه الفوضى والإضطراب ... ومحاولة كسر طوق العزلة المفروضة ... الغربة ... والبحث عن الآخر والحوار الذاتي .. وقبول الآخر ..

الحوار الذي من خلاله نعيد اكتشاف التجربة الشعورية للشاعر وتمازج الحس والمعرفة .. مقدما أسئلة قد لاتلتئم على إجابات .. متجاوزا السطح الى العمق بحثا عن الجوهر المستنبط من الظاهر الذي قد لاتراه العين المجردة واضعا اياها تحت عدسة المجهر ... ليقدم لنا موسوعة شعرية .. كانت لنا عبارة عن فعل معرفة وتخيل وإنفعال .. فعل استشراق وامتزاج بين حيوات وأفكار ومشاعر حياتية .. يسبح في فلك الفرد وحياته مُغرقا نفسه ومُجهدا عقله في استكشافه ... انه فعل بحث عن الهوية ... حيث وجوده في منطقة الغياب .. هاربا من الحضور عبر ثنائية الـ ( كان الآن ) .. غياب الحضور من أجل حضور الغياب .

غياب الـ ( أنا ) الخاصة بحسين عجيب الإنسان ومعرفته وثقافته وحياته... . حضور الـ ( الذات ) الخاصة به كشاعر موجود في الزمن .. انها الـ ( أنا ) الموجود هنا الآن يعاني النقص والعزلة والغياب والخوف والحزن .

أخرج حسين عجيب أناه الغامضة تحرقا وشوقا للوصول الى ذاته باحثا عن الخروج منها ( الأنا الشخصية ) وصولا الى حالة ( الذات ) فالتوحد بين الأنا الفردية والذات الشاعرية .. نتيجة لتراكم الثقافة والمعاناة والعذاب .. انه ادراك متميز للذات عبر الآخر ودعوة الآخر لأدراك الذات عبر الوعي الحاضر ...الأنا المنقسمة على الذات ( داخلة خارجة ) تسبب صرعا ينتهي بخلق أنا جديدة كمحاولة لتأكيد الذات أكانت سلبية أم إيجابية .. انه الآخر ( حسين عجيب ) انه الشاعر الذي عاش حالات المعاناة والغربة في الوطن تحت وطأة الخسارات المتكررة وضريبة التمرد القاسية وعراك الأنا الظاهر والآخر والباطن ..

انها تجربة تنفذ عبر مستويات عدة لمعنى الآخر ومحاولة الإحاطة بها وتجسيدها في مركب ابداعي فريد .. الآخر الخارج عن حسين عجيب .. والواقع الخارجي البعيد والقريب وتجسيده لعلاقته به وعلاقته بالأنا وبالآخر ..و يدلف الى ساحات الجوهر المظلمة من نفسه حيث الرغبات والشرور والأهواء .. الى طبقات عميقة من النفس البشرية التي تدفع الى سلوكيات مبهمة دوافعها ...

الديوان يخلق عالماغنيا لكنه مغلقا على نفسه يحتاج قارئا ضمنيا لفك شفرات النص ..والنفاذ الى باطن الدلالات والمعاني الكامنة بين السطور ..

استطيع ان ارى الديوان كمنجز كامل عبارة عن حلم عاشه حسين عجيب .. وجسده في هذه النصوص لتصبح عالما محسوسا محملا بالأفعال والمعاني الباطنية التي تقودنا الى كمِّ هائل من التفاصيل التي ترسم ملامح الواقع ( واقعيا- خياليا ) .. فها هو حسين عجيب الشاعر والإنسان والناقد والمفكر .. اراه يركض في أزقة هذه النصوص من بيته القديم في قريته التي تختبئ خلف تلال الساحل السوري يهرب الى اللاذقية حيث المدينة الوادعة .. لأرى أزهار الورود تأتي الى المستشفى بعد اقتلاع كليته .. لأرى عتابه لأبيه وأمه وأصدقائه .. لأرى حزنه واغترابه واعترافاته التي يسهربها الى جوار الندم على طاولة العمر ... الى حبيبته المختبئة خلف كلماته .. الى زوجته التي تصالح على العيش المشترك .. الى وقفه وجها لوجه أمامه .. وأمام خوفه وتناقضاته .. لأرى نهاية وقوفه في اللامكان ..يجتازه العابرون فوق الرمال المتحركة التي غرقوا فيها وشخصياتهم المهزوزة .. انها رمال الوهم ..
فضاء مكاني وزماني , حضور مكاني وتخيل زماني لشخصية الشاعر كانت إشارات ايقاعية موجودة في الزمن وأوجدتنا معه .. كانت أدوات للتواصل الزمني بيننا وبين ماضينا من خلال إحيتء ماضي حسين بموضوعة شعورية تؤكد استمرار وجودنا في مواجهة شبح الموت .. فكان الإيقاع يتناقض بتناقض الشكل أحيانا وتناقض المضمون أحيانا أخرى .

كانت العناوين تحمل من الغزارة والخصوبة في الدلالات والمضامين عاملا سلبيا تاساء الى النصوص أكثر .. لأنه اوقعنا في الأسر .. فيبقى العنوان مسيطرا أثناء قراءة النص .. فضوع علينا متعة تذوق النصوص الحقيقية ..

وارى حسين عجيب قد أصيب بشيئ من اللاجدوى بتركه النهاية مفتوحة .. أو هل هو دلالة على تتابع الأحداث في دورة الزمن ووجودنا فيه.. أم هناك تتابع لرسالته الشعرية الفلسفية ..


تتابع

خرج
رجل تحت المطر
وخرج في أثره رجل آخر
أدرك الأول أنه صار هدفاً للثاني
صار يتسلى بالمشاهدة
ويكثرفي اختيار المنعطفات
زادت خبرة الثاني بالوصف
وزادت رغبة الأول بالمتابعة
في البداية كان يمكن إيقاف اللعبة الخطرة
أن يتوقف الآخر عن الإدعاء بالمعرفة
وأن يكفّ الأول عن دعواه المعاكسة
لك يحدث شيئ من ذلك
المرأة التي استبعدت منذ البداية
بقيت في الفراغ الصامت
بعدما يعود الفائز من المعركة
تكون المرأة في الحكاية
والطريق الطويل المضجر
عليه أن يقطعه وحيداً هذه المرة

( نهاية الديوان )


انها بالنهاية تجربة إبداعية تستحق التوقف والتقدير .

حسين عجيب في موسوعته الشعرية (
1)

حسين عجيب في موسوعته الشعرية (2)

 

للتعليق على هذا الموضوع