12 أبريل 2006 

 



 

هيكل والثورة والحقيقة

محمود يوسف بكير

 

يؤرخ الأستاذ / محمد حسنين هيكل هذه الأيام على قناة الجزيرة الفضائية لحقبة ثورة يوليو عام 1952 في مصر وهو يعتمد فى تأريخه وتحليله لكل الظروف والوقائع التى انطوت عليها هذه الفترة على ثلاث مستويات :

    ذاكرته الشخصية ومعايشته لكل الأحداث تقريباً .

    الصحافة المحلية فى مصر كسجل دقيق يعكس التطورات اليومية فى كافة المجالات .

    أرشيف وسجلات الدول الغربية الكبرى التى ترصد عن قرب كل ما يحدث فى المنطقة العربية بغرض توجيه هذه الأحداث والتأثير فيها بما يخدم مصالحها بالطبع .

وحديث الأستاذ هيكل مفيد وممتع وملىء بالعبر وبالذات للأجيال التى ولدت بعد قيام الثورة وأنا واحد منهم وإن كان الأستاذ أحياناً ما يجنح لتفاصيل ليست مفيدة وأحياناً أخرى يتغاضى عن تفصيلات هامة كما سوف أوضح حالاً .

ومنذ أيام خرجت مجلة روز اليوسف التى كانت من المجلات العريقة في مصر وعلى غلافها صورة بذيئة لثعبان سماه رئيس تحرير المجلة " بالألعوبان هيكل " وعلى مدار عدة صفحات فى المجلة كال رئيس التحرير هذا كل أنواع الشتائم للأستاذ هيكل واتهمه بالكذب والخداع عندما أعلن توقفه عن الكتابة بعد بلوغه الثمانين من عمره منذ عدة أعوام بينما هو يطالعنا هذه الأيام بهذا البرنامج على الجزيرة بجانب بعض الأحاديث الصحفية من حين لآخر عن الاصلاح فى مصر؛ وواضح أن رئيس تحرير روز اليوسف دُفع لكتابة هذا المقال بواسطة السيد جمال مبارك الطامح لوراثة ابيه فى حكم مصر والدليل على هذا أن الأستاذ هيكل يتحدث منذ اشهر طويلة على الجزيرة ولم يفكر هذا الكاتب الصغير سناً ومقاماً فى التندر به إلا هذه الأيام بالذات حيث أدلى الأستاذ بحديث لإحدى صحف المعارضة المصرية أسمها الدستور توقع فيه أن تتم عملية توريث السلطة فى مصر من الرئيس لأبنه فى غضون عام ، وأنا لا أكتب هذا المقال كى أدافع عن الأستاذ ولكننى انعطفت قليلاً الى هذه الجزئية كى أهمس فى أذن هذا الصحفى الصغير بأن قامته لن تزداد طولاً عندما يتطاول على الكبار بشكل غير موضوعى حيث أنه هاجم الأستاذ هيكل لمجرد عودته للظهور على التليفزيون والحقيقة التى يعرفها الجميع أنه يهاجمه لمجرد أنه لا يقر عملية توريث السلطة التى يؤيدها هذا الصحفى الصغير وهو من المقربين لابن الرئيس الذى عينه رئيساً لتحرير المجلة فى هفوة من هفوات هذا الزمن العجيب .

وحدث أيضاً منذ أيام قليلة وفى الجريدة التابعة لذات المجلة أن قام صحفى آخر من المقربين لابن الرئيس واسمه عمرو عبدالسميع بما نسميه فى مصر بـ "وصلة ردح" ضد د. أسامه الغزالى حرب بعد استقالته مما يسمى بأمانة السياسات التى تحكم مصر حالياً ويرأسها أبن الرئيس . ولاخواننا العرب الذين قد لا يفهمون كلمة " ردح " فانها تعنى الشتائم والتهجم على الآخرين بدون أدنى حياء وبأسلوب أولاد الشوارع ، وهذا بالضبط ما قام به عبدالسميع هذا ، مع أن د. الغزالى لم يتفوه بأى شىء غير موضوعى فى كل أحاديثه عن أسباب الاستقالة ، والأكثر من هذا أن عبدالسميع أتهم د. الغزالى بالعمالة لأنه ظهر على قناة الحرة مع أن معظم أقطاب الحزب الوطنى يظهرون على هذه القناة ، وهى قناة جيدة بالمناسبة .

أين الموضوعية فى كل هذا ؟ وهل هذه هى الصحافة والصحفيون الاصلاحيون الذين يبشرنا بهم السيد جمال مبارك ؟ هل سيتم تدمير الصحافة كما يتم تدمير كل شىء فى مصر حالياً ؟ .

وعودة الى أحاديث الأستاذ هيكل التى نجح من خلالها حتى الآن فى إثبات ان كل الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التى سادت مصر قبل الثورة ــ والتى يرى الكثيرون أنها لم تكن سوى انقلاباً عسكرياً ــ كانت تحتم قيام هذه الثورة أو هذا الانقلاب ، ولم يكن لأحد أن يجادل فى هذه النتيجة لو أن الثورة نجحت بالفعل فى تحقيق الرسالة التى أدعت أنها قامت من أجلها الا وهى تحقيق الحرية والرفاهية والعدالة والتقدم لمصر ولكل الشعوب العربية فى المنطقة فهل نجحت الثورة فى هذا ؟

أتمنى على الأستاذ هيكل أن يجيب على هذا السؤال فى الحلقات القادمة وأتمنى أن يتجرد الأستاذ من تبعات انتمائه وحبه واخلاصه لجمال عبدالناصر وأن يعلق بموضوعية وشفافية على الأسئلة والقضايا التالية :

 

1 هل كانت الثورة محقة فى مصادرة الديمقراطية الوليدة فى مصر من خلال حل الأحزاب السياسية وبدء مرحلة طويلة لازالت مستمرة من الاستبداد بالسلطة وتأليه الحاكم ؟

2 هل كانت الثورة صائبة فى الغاء الحياة البرلمانية فى مصر وتعيين برلمان صورى لا يملك سوى صلاحية الموافقة الجماعية على كل قرارات الزعيم الملهم والمعصوم من الخطأ ؟

3 هل كانت الثورة محقة فى خنق الحياة الثقافية فى مصر واقصاء المثقفين والسيطرة على الجامعات وارهاب بل وضرب اساتذتها من خلال الحرس والأمن الجامعى ، أليس هذا الأسلوب السائد حتى الآن من مخلفات هذه الثورة؟ بل أن الأمر أمتد إلى تسييس الفن وجعل الفنانين أبواق دعاية للسلطة وإجبار بعضهم الآخر كما حدث مع بعض الفنانات على أن العمل لامتاع رجال الجيش والمخابرات ؟

4 هل كانت الثورة محقة فيما سُمى بمذبحة القضاة وهل كانت محقة فى عمليات إعدام بعض عمال مصانع النسيج لمجرد قيامهم بالأضراب ؟

5 هل كانت الثورة صائبة فى السيطرة على كل وسائل الاعلام وتسخيرها للدعاية للثورة ليل نهار والتغطية على أخطائها القاتلة ؟

6 هل كان عبدالناصر محقاً فى إطلاق يد صلاح نصر قائد المخابرات لاذلال كل المعارضين الشرفاء وتعذيبهم فى السجون العسكرية مما أدى الى سيادة ثقافة الخوف من السلطة والعزوف عن كل قضايا الشأن العام واللامبالاة بقضايا الوطن والأمة وهى أشياء لازلنا نعانى منها حتى الآن ؟

7 ألم تؤدى سياسة التنافس بين كل من عبدالناصر والمشير عامر على ولاء قيادات الجيش وتدليلها الى خراب الجيش نفسه وهزيمة 67 كنتيجة حتمية لهذا الفساد ؟ وأتذكر هنا وأنا بعد تلميذ فى المرحلة الابتدائية أن رؤساء الأندية الرياضية فى مصر كانوا من قواد الجيش الكبار وأن رئيس إتحاد الكرة كان هو المشير عامر نفسه وأتذكر أنه قام بترقية جندى الى ضابط لأنه أحرز هدفاً فى أحد المباريات الدولية ، وكانت علاقة كبار الضباط بالممثلات من الأشياء العادية جداً .

8 هل توافق يا أستاذى العزيز على أن قيام الثورة بالغاء كل المبادرات الخاصة واذابة الفرد فى المجتمع والتركيز على دور القطاع العام فقط أدى الى قتل روح الابتكار والابداع على المستوى الفردى وسيطرة البيروقراطية على كل مناحى اقتصادنا وبالتالى ما نعانيه اليوم من تخلف اقتصادى هائل ؟

9 أليس النظام الحالى القائم على الاستبداد والفساد هو الامتداد الطبيعى لكل السياسات والممارسات التى ارستها الثورة بحسن نية ؟ وأقول بحسن نية لأن الرئيس عبدالناصر كان بالفعل حسن النية وكان رجلاً نزيهاً واراد فعلاً أن يرفع من شأن العرب وأن يحسن الأحوال المعيشية للمصريين ولكنه تصور خاطئاً أن بمقدره وحده وفى غيبة مشاركة حقيقية من كافة أطياف الشعب أن يحقق كل هذا فكانت النتيجة الطبيعية هى انقلاب الحلم الى كابوس مروع لازلنا ولا زالت كل الشعوب العربية تعيش تبعاته حتى الآن .

وأخيراً أنا لا أنكر أن للثورة منجزات كثيرة ولكن اخفاقاتها كانت أكثر على ما يبدو ولعل أخطر هذه الاخفاقات والتى أدت الى ضياع كل الانجازات هو وأد الديمقراطية وغياب دولة القانون وغياب مبدأ محاسبة المسئولين ، والثورة بهذا نثرت بذور الفساد دون أن تدرى .

أتمنى أن يتعرض الأستاذ هيكل لكل هذه القضايا وأن يحللها باستفاضة حتى نتعلم " What Went Wrong " ونحن نعلم علم اليقين ان الأستاذ هيكل بذاكرته الحديدية ومركز معلوماته الهائل وسجلاته المحلية والدولية قادر على الاجابة على كل هذه الأسئلة وأكثر ولكن هل سيكون قادراً على التخلص من اشكالية اخلاصه وحبه لعبدالناصر خاصة وأنه كان من صناع القرار لنظام الثورة حتى آخر ايام الزعيم حين كان الأستاذ وزيراً للاعلام والارشاد القومى .

أتمنى أن تتسم أحاديث الأستاذ القادمة " بالصراحة " التى اعتدنا عليها منه ، ونحن فى شوق لسماع شهادته .

 

 

محمود يوسف بكير

مستشار اقتصادي مصري

mahmoudyoussef@hotmail.com

 

 

للتعليق على هذا الموضوع