19 مايو 2006 

 

 

 

 

 

 

جناية الفكر الأمني القمعي واستفراد تيارات الصحوة على دور الجامعات التنويري!

محمود عبد الغني صباغ

 

تأسست كلية البترول بالظهران عام 1962م على يد الرمز الوطني المرحوم الدكتور صالح أمبا. والجامعة التي يضرب بها المثل اليوم كنموذج أكاديمي وعلمي رصين، كان الأمبا قد أراد لها أن تكون نموذجا أكاديميا و"اجتماعيا" معاً. وقد كانت النشاطات العلمية والفنية والثقافية والرياضية تتم باستقلال تام عن السلطات الادارية الجامعية، ما أفضى الى تشكيل أول "رابطة للطلاب" في تاريخ المملكة قامت على مبادئ الانتخابات واسهام الطلاب في التمويل عبر الاشتراكات الشهرية -لاحظ أننا وبعد 40 عاما لانزال نطالب بقرار يسمح بالرابطات والمجالس الطلابية في جلسات الحوار الوطني-.

 

لقد كانت جامعة البترول منذ تأسيسها مطلع الستينات الى مطلع السبعينات، بيئة اجتماعية منفتحة، منظمّة، ومتحضرة. "تشكلّت فيها الجماعات المختلفة في كافة الحقول المعرفية والاجتماعية والفنية، ومنها جمعية (نساء الكلية)، التي ضمت مدرسات اللغة الانجليزية وزوجات الاساتذة الجامعيين والموظفين". وكانت الجمعية النسائية تدعو أول كل عام الأساتذة والطلاب الى حفل تعارفي درجت اقامته مطلع كل عام دراسي. كان الحفل يتم في اختلاط نبيل، وبتسامح رفيع، كل ذلك تحت مراقبة تربوية وأخلاقية. وقد عبر الشاعر الاصلاحي علي الدميني - الذي كان طالبا وقتها - عن موقفه كقروي بسيط قادم من أحد قرى الباحة جنوب الحجاز عن تجربته في تلك الأجواء، " حين دخلت الصالة الكبيرة، التي اكتظت بها الوجوه المختلفة، والأزياء المتنوعة، أحسست بغربة وتناقض، وهزّني الخوف من اختراق السائد والمألوف، الى أن تلعثمت في الكلام، وحنيت رأسي في الأرض ... قبل أن يسعفني أصدقائي القدامى في الجامعة بتعريفي على النساء، اللاواتي كن كثيرات، ومن هؤلاء االنساء أستاذة اللغة الانجليزية (مسز هيل)، والسيدة عائشة الفاسي، ومليحة البريكي، وغيرهن".

 

لقد كانت السيدة عائشة الفاسي، حرم عميد الكلية الأمبا، ناشطة اجتماعية من طراز رفيع .. ( ولاحقا ناشطة سياسية، خلفية اعتقالها مع زوجها الأمبا بتهمة الانضمام الى الأحزاب السياسية العمالية والحقوقية في المنطقة الشرقية خلال تلك الأيام الملتهبة ) . لقد عمل الأمبا والفاسي على بلورة النشاطات الاجتماعية ودعم عمل المرأة بالجامعة والى اقامة الحفلات الموسيقية والسينما المختلطة واثراء الجانب الترفيهي لمنسوبي الحرم الجامعي من أساتذة وطلاب وأهالي.

 

وبحسب الدميني دوماً في شهادته الثرية، " فقد فقدت الكلية باعتقال الدكتور الأمبا، وحرمه الفاسي، أنموذجها الحضاري، وما لبثت ثقافة الصحراء ومكوناتها القيمية المنغلقة أن أحكمت حصارها للأنشطة الاجتماعية ولعمل المرأة" .. ويضيف "لقد كان اعتقال الأمبا مثار دهشة، حيث أنه في أول محاضرة ألقاها على الطلاب المستجدين عام 68م، قد ركز على ضرورة التحصيل الأكاديمي وعدم الخوض في مسائل السياسة الشائكة".

 

ولقد تزامنت حملات قمع الحرية آواخر الستينات مع بداية صعود أفكار الاخوان وجماعات التبليغ وتيارات "الصحوة" الدينية في أوائل السبعينات. الا أن الأفكار الصحوية اصطدمت أول الأمر بالأغلبية الليبرالية-الاجتماعية المنتشرة بين الطلاب ما حد من انتشارها أول الأمر. الا أنه ومنذ مطلع الثمانينات ومع سياسة المهادنة التي انتهجتها الدولة لمطالب ذلك الفكر، على خلفية احتلال جهيمان العتيبي للحرم المكي في 79م، وتزامن الحقبة مع دعايات الجهاد الأفغاني "المسيّساضافة الى ما "آلت اليه الطفرة من ركود وفشل لخطط التنمية الاقتصادية والبشرية، وتأزيم الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين". كل ذلك قد أسهم في تراجع الحريات والمناشط الأكاديمية والاجتماعية والترفيهية للجامعات، وانحسار دورها التنويري بالتالي.

 

جامعة الملك سعود (الرياض)، والتي تعد أول جامعة سعودية رسمية، حظيت بذات التجربة بدورها. ولقد مدّ الدكتور عبدالمحسن هلال، أحد طلاب الدفعات الباكرة، وأستاذ السياسة في جامعة أم القرى حاليا، بشهادته التاريخية في ذلك. فـ"مِحسن" الفتي المكّي المغترب، يصف تجربته في الجامعة، الى كونها أول مشروع وطني تقدمي يلغي الفروقات، ويؤسس للانصهار، حيث "كانت الوجوه مختلفة متباينة، كان منا القبلي والحضري، وكان فينا الفقير والغني، وكان فينا المثقف المطلع وكان فينا أيضا خريج الثانوية فقط. لعبت جامعة الرياض، إذا استثنينا ارامكو، أول دور وطني في إذابة الفوارق الاجتماعية بيننا، كانت بمثابة البوتقة التي صهرتنا فصرنا أخوة متحابين يجمعهم التنافس الشريف. عشنا سنين عزابا في الرياض، ولم ألحظ الحدة التي أراها اليوم في كل مدينة في التعامل مع العزاب".

 

وليس غياب التوتر الاجتماعي الذي يعزيّه الدكتور هلال وحيداً فحسب، بل انه يندب تراجع الدور التنويري للجامعة أيضاً. يقول هلال، "في الجامعة كنا خلية نحل متحركة، فبجانب المحاضرات والدروس كانت هناك ندوات دينية وثقافية وفكرية، بجانب المختبرات والمعامل وجدت فرقا رياضية وتنافسا كبيرا بين الكليات، كانت هناك رحلات ترفيهية وتعليمية على مدار العام، كان هناك، من يصدق، صالات عرض سينما ومسرح للتمثيل، أذكر أنني شاهدت الفيلم الرائع صوت الموسيقى داخل الحرم الجامعي بين طلاب وأساتذة الجامعة، وضحكنا كثيرا على من صاح بيننا عظمة ياست تعليقا على من كانت تغني في الفيلم على طريقة أم كلثوم. مثلت على مسرح الجامعة ولعبت في فرقها الرياضية، وتغذيت كثيرا من حركة التنوير التي كانت دؤوبة في ردهاتها، كنا نقضي معظم يومنا في الجامعة بين أنشطتها العلمية والترفيهية، وبينهما انحصر نشاطنا، فنعمنا ببيئة علمية فاعلة".

 

تحدث هلال عن تفاعل أساتذة الجامعة وأثرهم التنويري؛ الفكري والتربوي، الذي اضطلعوا به، خصوصاً في ضوء الحريات الأكاديمية الممنوحة لهم في تلك الفترة الذهبية. تحدث عن د. حسين السيّد عميد الجامعة وصرامته الأكاديمية وتسامحه الاجتماعي، و د. محسون جلال، الاداري والمعرفي العظيم وأستاذ الأجيال. وعن د. يوسف نعمة الله، "الذي أرانا كيف يمكن للريال الواحد أن يصير، على يد مصرفي ماهر، مئة ريال، فعرفنا مفردة الائتمان لأول مرة". وعن رجل القانون المهيب د. محمد الملحم، ومعرفته الموسوعية. وعن عملاق آخر، د. غازي القصيبي، "الذي كنا نقاطع دروسه في العلاقات الدولية لسماع شعره الحداثي".

 

جامعة الملك عبد العزيز، في جدة، والتي أنشأت أهلية في البداية، بتمويل الأهالي وتبرعات رجال الأعمال، كانت بدورها بيئة مثيلة من الانفتاح والتنظيم وتمثيل النموذج الحضاري، من التنوع والتوازن بين الجوانب الاكاديمية والاجتماعية. تماما كما كانت المدارس الأهلية الرائدة، التي حظيت جدة بريادة نشؤها وارهاصة دورها التنويري، كالثغر للبنين ودار الحنان للبنات، والتي كانت تمثل روافد لتخريج طلاب وطالبات بوعي عالي ومختلف. ونظرة سريعة الى حال المؤسسات التعليمية الأهلية والحكومية الحالية المفزع حاضرا ان على المستويين الأكاديمي والاجتماعي، أو في الالتزام بالمسؤوليات التنويرية والنهضوية، يعطي لمحة واضحة للتراجع الواقع.

 

Mahmoud_sabbagh@msn.com

 

* كاتب سعودي- جدّة

 

للتعليق على هذا الموضوع