4 أبريل 2006 

 

 

 

 

مسيرة الاصلاح بالسعودية: من العريضة الي الصمت المطبق

د. مضاوي الرشيد

 

 

عندما تكون السياسة قائمة علي علاقات مشخصنة بين الحاكم والمحكوم في دولة تنعدم فيها المؤسسات التي تمكن الشرائح الشعبية المختلفة من ممارسة المشاركة في صنع القرار تصبح العريضة المطالبة بالاصلاح والتغيير الوسيلة الوحيدة لاستجداء بعض المطالب من القيادة. في بلد كالسعودية اخذت العرائض المرسلة الي ولي الامر أبعادا مهمة خاصة بعد احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) عندما قامت مجموعات شعبية نخبوية في مجملها بتقديم خطابات ممكن تصنيفها علي انها تقع في ثلاث خانات او مجموعات. المجموعة الاولي من العرائض وان لم تكن موجهة الي ولي الامر الا انها كرست تضامن الموقعين علي هذه العرائض مع قضايا العرب وخاصة في فلسطين والعراق.

المجموعة الثانية من العرائض صدرت من الاقليات كالشيعة والاسماعيلية ومن النساء وكلهم طالبوا بالمشاركة في صنع القرار او بنصيبهم من الكعكة خاصة بعد عقود طويلة من التهميش وحتي العدوانية من قبل اطياف مختلفة من السلطة والمجتمع.

ما يهمنا هنا هو المجموعة الثالثة من العرائض والتي طالبت بالاصلاح السياسي الشامل المتمثل بالانتخاب الحر وفصل السلطات واستقلالية القضاء والمشاركة السياسية والعدالة الاجتماعية وتقوية مؤسسات المجتمع المدني المستقلة. عشرات من النخب المختلفة الاتجاه والتفكير اجتمعت لتطرح موضوع الملكية الدستورية كبديل للملكية المطلقة الحالية ورغم ان الاصلاحيين الدستوريين كما عرفوا فيما بعد لم يكن تصورهم للاصلاح المرجو مستمدا من التجربة الاوروبية بل من تجارب دول الجوار والتي بدأت تسير في هذا الاتجاه الا ان مشروعهم لقي ردا باردا ثم وصل الي مرحلة السجن عندما زج بمجموعة من محركي فكرة الملكية الدستورية ومنظريها في السجن لعدة اشهر صدرت بعدها الاحكام التعسفية بحقهم. ولم يخرج هؤلاء من السجن الا الصيف الماضي وبعد تتويج عبد الله ملكا علي البلاد. ولكن رغم ان هؤلاء الاصلاحيين هم اليوم خارج السجن الا انهم وطيفا كبيرا من زملائهم لا يزالون ممنوعين من السفر بعد مصادرة جوازاتهم. وهم ايضا مغيبون عن الاعلام العالمي والمحلي. فلا حوارات علي الفضائيات ولا مقالات تنشر حتي هذه اللحظة.

يبدو ان الاصلاحيين قد وصلوا بعد العريضة الي الصمت المطبق. من الصعوبة في بلد يقدس السرية ان تتضح الصورة بالنسبة لما حصل عندما اطلق سراح الاصلاحيين. وليس من المستبعد ان تكون قد حصلت بعض المفاوضات او الصفقات بينهم وبين السلطة ولكن لا بد لنا ان نستنتج ان حالة الصمت هذه لا تنذر بخير.

اخطأ النظام السعودي عندما سجن هؤلاء الاصلاحيين لانهم كانوا بالفعل من المنظرين لقيام الدولة السعودية الرابعة. الكل يعلم ان المرويات التاريخية السعودية تقسم التاريخ الحديث الي ثلاث دول. الدولة السعودية الاولي والتي انتهت عام 1818 بعد حملة ابراهيم باشا علي نجد بايعاز من السلطان العثماني. والدولة السعودية الثانية الهشة والتي تلتها ولكنها هي ايضا انتهت عام 1891 نتيجة الصراع الداخلي بين الاخوان السعوديين وتحت ضغط قوي محلية استطاعت ان تنافس السلطة السعودية. بعد هذا جاء دور الدولة السعودية الثالثة والتي دشنت عام 1932. هذه التجارب السابقة انعدمت فيها المشاركة الشعبية ما عدا الحلف المزعوم بين الامراء والعلماء والذي بدأ يظهر وكأنه حاليا يمر في مرحلة تصدع واضحة.

المطلع علي عرائض الاصلاح منذ عام 2003 يستنتج ان المصلحين حاولوا جاهدين التنظير لكيان جديد رابع يحل تدريجيا محل التركيبة السابقة والتي تبدو اليوم اكثر من اي وقت مضي وكأنها حالة شاذة ليس في العالم بل في محيطها الاقليمي الخليجي. مشروع الاصلاح الذي طرح من خلال العرائض يوعد بنقلة تنهي حالة التذبذب القائمة الآن. النظام السعودي الحالي يتصف بصفات خاصة به فلا هو دولة اسلامية ولا هو دولة علمانية بل هو خلطة اشبه ما تكون بمنزلة بين المنزلتين. هو يتسم بالانتقائية عند تطبيق بعض الاحكام الشرعية فرغم انه يحتفظ بمظاهر تطبيق الشريعة والتي حصرت بقطع الايادي والرؤوس والرجم والجلد الا انه يلجأ الي الاحكام الوضعية في كثير من المجالات كالصحافة والتجارة وغيره. وكثير من الاحيان نجد ان السلطة السياسية تتجاوز الاحكام الصادرة من القضاء فتعفي عن من حكم عليه بالسجن مثلا او انها تزج بأحدهم في السجن دون حكم قضائي. الانتقائية والتعسفية انتقصتا من قوة القضاء وهيبته وجعلتاه يفقد الاستقلالية والتي طالب بها الاصلاحيون كذلك هذا النظام ليس بالتقليدي وليس بالحديث. وليس هو بالنظام الديمقراطي او النظام التوليتاري. بل انه حالة خاصة من تطور بطيء وغير منسق او متكامل. لا تزال السعودية قائمة علي منطق شخصنة السياسة في مرحلة غياب المؤسسات المستقلة.

وبينما تبقي السياسة وممارستها عملا شخصيا تحتكره مجموعة ضيقة لا تمثل الا ذاتها نجد المجتمع السعودي قد وصل الي مرحلة استقطاب وتشظي فكري واجتماعي وايديولوجي. هذا التشظي ليس من باب التعددية بل هو نتيجة مباشرة للدور الذي تلعبه السلطة في التأثير علي المجتمع من باب الوصول الي الولاء المطلوب. التشظي يظهر بوضوح علي عدة محاور.

من هذه المحاور محور تفتق الهويات الضيقة من قبلية ومناطقية وطائفية علي حساب هوية وطنية واضحة المعالم اهم ميزاتها الشعور بالعدالة من قبل أصحاب هذه الهويات. هناك مجموعات منشغلة ببلورة هوياتها المحلية علها بذلك تستطيع ان تنال بعض الحقوق من منطلق كونها اما اقلية او منطقة او قبيلة او طائفة. مثلا يوجد تيار واضح في الحجاز يلوح بهوية حجازية ذات ثقافة وتراث محلي يصور وكأنه طمس من قبل السلطة المركزية المهيمنة. حتي هذه اللحظة يظل هذا التيار يدور في فلك الثقافة ولكن ربما يتطور في المستقبل ليدخل حيز السياسة ويطالب بتمثيل ومشاركة علي اساس ثقافة مناطقية. كذلك المجموعات الشيعية والاسماعيلية فهي ايضا تصيغ مطالبتها بالعدالة والمشاركة علي اساس كونها مجموعة لها خصوصيتها الطائفية والتي يعتقد انها طمستها او تجاوزتها الدولة الحديثة. اما القبائل فهي ايضا تحاول ان تعيد صياغة ذاتها من خلال الاحتفال بتاريخها وولائها للنظام كمجموعة متميزة عن غيرها علي الخارطة الجيوسياسة السعودية.

اما فكريا فهناك ايضا حالة تشظي واضحة بين الحداثيين والاسلاميين والسلفيين وغيرهم من اصحاب التيارات الواضحة ولكنها غير رسمية. استطاع الاصلاحيون الدستوريون ان يتجاوزوا بعض هذا التشظي ولو لفترة قصيرة عندما اجمعوا علي ضرورة الاصلاح.

يبدو ان النظام فسر المطالبة بالاصلاح الدستوري علي طريقته الخاصة. هو اليوم يحاول ان يختزل الاصلاح الشامل بمفهومين اولهما الاصلاح الديني وثانيهما الاصلاح الاجتماعي الفوقي.

ويبدو ان النظام يستجيب بايجابية للمطالب الجماعية للمجموعات الطائفية او القبلية اذا اظهرت هذه المجموعات الولاء المطلق ولكنه يظل يتغني بمقولات الوطنية الشاملة في نفس الوقت اذ انه لا يستسيغ الظهور بمظهر المستجيب لمطالب المجموعات لانه سيفتح علي نفسه ابوابا لا يستطيع اغلاقها بسهولة بعد ذلك.

ادي هذا الي بعض التناقضات وهي كثيرة. مثلا في عام 1993 جرت صفقة بين النظام والمعارضة الشيعية من اجل احتواء النشاط السياسي الخارجي لهذه المجموعة فسمح للشيعة ببعض الحريات الدينية ولكن في نفس الوقت لم تتوقف الحملات المضادة ضد هذه المجموعة. وفي تعامله مع القبائل نجد النظام يشجع التغني بثقافة القبيلة وتراثها ولكنه في نفس الوقت يطمس اي ظهور سياسي لاعضائها وفي نفس الوقت يروج هوية اكثر شمولية كالانتماء العربي والاسلامي. ومن ثم يعاقب من تضامن مع المشروع الاسلامي الأممي. وبينما يكافئ النظام الاسلامي الموالين نراه في نفس الوقت يغازل الليبراليين ويفسح لهم المجال في انتقاد من يعارض مشروعهم. يدعي النظام اليوم مساندة مشاريع تجديد الخطاب الديني ولكنه يعاقب بشدة من يتجرأ علي التنظير لموضوع الشوري من منطلق اسلامي بحت كما حصل لأحد الاصلاحيين الاسلاميين. ومن جهة يمارس النظام الرقابة علي المطبوعات ويمنع الكتب المصنفة انها مخلة بالآداب ولكنه في نفس الوقت يحتضن ويحمي من يكتب هذه الكتب. هذه التناقضات في الممارسة السياسية جعلت الدولة السعودية تصل الي مرحلة حرجة جاء الاصلاحيون لينظروا من اجل ان يخرجوها من مأزقها الحالي. كان تنظيرهم محاولة لانتشال هذه التركيبة من حالة الازدواجية والتناقض اذ انهم تصوروا دولة مؤسسات وقانون ومشاركة وفصل للسلطات. اظهرت السلطة انها مستعدة لتبني سياسة اجتماعية تطلق بعض الحريات والتي تمثلت بظهور المرأة الي الحيز العام بعد غياب طويل وغيره من الاصلاحات السطحية كالحوارات المتلفزة والتي تخرج بتوصيات غير ملزمة لاحد وانتخابات فرعية لمجالس بلدية محدودة الصلاحيات بينما تبقي السلطة بعيدة عن اي خطوة تؤدي الي المشاركة الفعلية عن طريق مجلس امة منتخب او فصل حقيقي للسلطات.

الاصلاحات الشكلية والتي تحظي بتغطية اعلامية مكثفة من باب الدعاية والترويج لها علي اساس كونها نقلة حقيقية الي عصر الانفتاح تبقي قاصرة علي محاولات مشتتة تأتي من باب ردة الفعل وليس علي اساس مخطط شامل. تحصل هذه الاصلاحات في فترة تتميز بطفرة نفطية واضحة. يظل النظام معلقا آماله علي ان يكون الدولار خير بديل للاصلاح السياسي والذي طالب به الاصلاحيون الدستوريون. وقد اثبت النظام السعودي في تعامله مع قضية الاصلاح السياسي ان الولاء للنظام مقتصر علي هذا الدولار وتوسيع رقعة انتشاره بين أيدي أطياف مختلفة ومتنوعة في المجتمع. ويبدو لي في الوقت الحاضر ان هذا الدولار هو خير أفيون للشعوب.

 

للتعليق على هذا الموضوع