9 يونيو 2006

 

 

 

 

 

عندما يعتذر البابا

ليلي فريد

 

    كلمات تتردد باللغة الألمانية.. هذه المرة ليست أوامر بالإبادة الجماعية، بل صلاة من أجل المغفرة.

     بابا روما في "أوش فيتس" المدينة البولندية التي شهدت محرقة الملايين من اليهود والغجر على يد النازي.

     البابا بينيدكت السادس عشر يعترف بصعوبة الموقف: "سليل الألمان يجد نفسه في الموقع الذي شهد جرائم غير مسبوقة ارتكبت ضد الله وضد الإنسان".

    كلمات البابا لم تمر مر الكرام.. أثارت عاصفة كونية.. ردود أفعال متضاربة تتراوح ما بين الاستحسان والإدانة. اعتبرها البعض خطوة ضرورية لالتئام الجراح وبداية المصالحة، بينما لم ير البعض الآخر فيها إلا بعثا لمرارات قديمة كان من الأفضل أن تترك ليبتلعها النسيان.

    تلقاها الكثير من اليهود بخيبة أمل لأنها لم تحمل اعتذارا صريحا عن جرائم النازي، بل اعتبروها تلاعبا بالحقيقة.. جريمة الهولكوست كانت محاولة لإبادة اليهود من وجهة نظرهم، ولكن في تصور البابا كانت في واقع الأمر محاولة للقضاء على المسيحية بل وعلى الله.

    العديد من أتباع الكنيسة الكاثوليكية لم يجدوا أي مبرر لأن يعتذر البابا عن جريمة لم يقترفها هو ولا الكنيسة التي يمثلها. (فحتى تجنيده الإلزامي في الصفوف الهتلرية خلال مرحلة شبابه الباكر لا يحمله وزرها).

    الاعتذار وطلب المغفرة ليس بالعمل السهل حتى على المستوي الفردي.. أسباب إحجام الناس عنه متباينة.. تتراوح ما بين الغطرسة والكبر والعجز عن رؤية أي مثالب في الذات، إلى الخجل وعدم امتلاك الشجاعة اللازمة للاعتراف بالخطأ، إلى الإيمان بالحكمة القائلة: " إن أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمرد". ونظرا لأن وجود هذا الكريم - الذي لن يعتبر اعتذارك دليلا على الضعف والخنوع - شيء صعب المنال، فإن الاعتذار يعد مغامرة لا تحمد عقباها ومن الأفضل تناسيها.

    فإذا كان هذا هو حال الاعتذار لدي الشخص العادي فكم هو بالحري عملية بالغة الصعوبة بالنسبة لزعماء الدول. ولكن الكثيرين اضطروا لأن يقفوا هذl الموقف. وهاك بعض الأمثلة (طبعا سنستثني الاعتذارات عن السقطات الشخصية فتلك حكاية أخرى).

    بيل كلينتون اعتذر عن تاريخ أمريكا المخجل فيما يتعلق بالعبيد والهنود الحمر.

    توني بلير اعتذر عن دور بريطانيا في تجارة العبيد.

     قدم دي كليرك اعتذاره عن سياسة التمييز العنصري في جنوب أفريقيا.

     في عام 1970 جثا ويلي برانت – مستشار ألمانيا الغربية في ذلك الوقت – أمام النصب التذكاري لضحايا الهولكوست في وارسو تكفيرا عن جرائم ألمانيا في حق اليهود.

    أما عندما تقترب الإدانة والاعتذارات من الكنيسة ورجال الدين فإن الموضوع يصير حافلا بالأشواك.. ورغم ذلك فقد حدث:

     اعتذرت الكنيسة بدون تحفظات عن محاكم التفتيش وعن كل الممارسات الخاطئة التي جرت باسمها خلال العصور المظلمة.

     في الستينيات أعلنت الكنيسة الكاثوليكية أثناء المجمع الفاتيكاني الثاني تخليها عن مفهوم الإدانة الجماعية لليهود بسبب صلب المسيح. وقد أثار هذا الإعلان اعتراضات كثيرة مازال صداها يتردد حتى اليوم مبعثها أن الحقائق التاريخية والإنجيلية تشير إلى مسئولية اليهود.

     اعتذرت الكنيسة الأنجليكانية لليابان عن الفظائع التي ارتكبت أثناء الحرب العالمية الثانية. وكذا اعتذرت عن تأييدها للحكم العنصري في جنوب إفريقيا.

    في عام 1998 اعتذر أساقفة الكنيسة الكاثوليكية في استراليا للسكان الأصليين عن المعاملة اللا إنسانية التي طالما عانوا منها.

     في مايو 2001 قام البابا يوحنا بولس الثاني برحلته الشهيرة التي اقتفي فيها خطى بولس الرسول. وأثناء زيارته لليونان طلب الصفح عن الكاثوليك بسبب الأخطاء التي ارتكبوها في حق الأرثوذكس خلال الألف  عام التي مضت على الانشقاق التاريخي بين الكنيستين. واعتذر بصفة خاصة عما جرى عند استيلاء الجيوش الصليبية عام 1204 ميلادية على القسطنطينية من نهب للمدينة وقتل للألوف من سكانها.

     وجاء هذا الاعتذار بعد أن استمع البابا بصبر إلى خطاب رأس الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية الذي قرعه فيه على إساءات الكاثوليك ولم يتورع عن مصارحته بعدم ترحيب الكنيسة اليونانية بزيارته باعتباره بابا الفاتيكان!

    ولكن يبدو أن كلمة البابا يوحنا المحبة المتسامحة قد أخجلت رئيس الأساقفة الغاضب كريستودولوس لأنه عقب عليها قائلا:"لقد كان البابا كريما جدا معنا".

    ولربما تنبع صعوبة اعتذار قادة الدول والزعماء الدينين من حساسية المظالم التي عادة ما ترجع إلى عشرات بل مئات السنين ولا يكونوا هم شخصيا أو حتى جيلهم كله متورطين فيها.

    ولذا فكثيرا ما احتاج الاعتذار إلى عقود طويلة انقضت في محاولة صياغة الكلمة المناسبة الموزونة بميزان الذهب.. لا حرف أقل ولا حرف أكثر.

    وعندما يمس الاعتذار الكنيسة أو رؤسائها تصير الحساسية أكثر شدة واتفاق الرأي غاية بعيدة التحقيق. فالمؤمنون يريدون أن تظل الكنيسة ورجالها دوما منزهين عن الخطأ، مترفعين عن تقديم المعاذير.  وهم بهذا يخلطون ما بين العقيدة والممارسات التي تتم متخفية تحت أستارها.. ما بين كلمة الله وأفاعيل البشر. فما أبعد المسيحية التي عصارتها هي المحبة والغفران عن أي عمل يشتم منه رائحة الحقد والانتقام.

     الواقع أن الاعتذار والمصالحة بما يتضمناه من الاتضاع والتطلع إلى الصفح والاشتياق إلى السلام هو في جوهر المسيحية. كما أن اعتذار الكنيسة هو تأكيد على أنها ليست كيانا سرمديا معزولا عن الناس والأحداث. وأن قادتها ليسوا كائنات سماوية يحلقون في ملكوتهم بل رعاة يعيشون وسط الرعية مستمعين لأناتها ساعين لتخفيف معاناتها.

     صعوبة اعتذار قادة الدول ورؤساء الطوائف الدينية ينبع من كونهم ممثلين لشعوبهم ولأتباعهم.. كل كلمة تصدر عنهم هي صدي للقيم الإنسانية التي ارتقت لها البشرية خلال رحلة تطورها. اعتذارهم عن ممارسات ليسوا بالضرورة مسئولين عنها مسئولية مباشرة هو تأكيد على أن الجرائم ضد البشرية لا تسقط بالتقادم.. هو ترسيخ لمعني أن الساكت على الظلم شريك للظالم وأن المتفرج على الخطأ حليف للمخطئ.

     اعتذار هؤلاء الزعماء ليس فض مجالس أو كلمات مجاملة فارغة .. هو في الواقع عهد وكلمة شرف بالنيابة عن الملايين: أخطاء الماضي لن تتكرر.

     ولكن هل فعلا لا تتكرر أخطاء الماضي؟!

     الواقع أن التراجيديا مستمرة ومتعاظمة.. كل ما يتبدل هو الممثلون وخلفية المسرح.. الشر لا يعجز عن أن يتوالد ويتعملق ويزداد ضراوة ويزحف كالأخطبوط.

     عادت أفظع جرائم الحروب والمجازر وذبح الأبرياء وتفجير الآمنين وسحق المستضعفين تطاردنا بتفاصيلها الجهنمية في النوم واليقظة.. مشاهد الأجساد المتفحمة والأشلاء المتناثرة صارت جزءا من الهواء الذي نتنفسه.. سكنت تحت جلودنا فلا مهرب منها.

    فهل يا تري ستستمع الأجيال المقبلة إلى كلمة اعتذار من المتسببين في بشاعات عصرنا هذا التي فاقت كل خيال، أم حتى هذا لن يحدث؟!

    من رحمة الله بنا أننا لن نكون هنا عندما تعرف الإجابة!

lailafarid@btopenworld.com

 

 

للتعليق على الموضوع

 

Melfeke1@aol.com    

Date: Sun, 18 Jun 2006 22:05:23 EDT

   

Dr. Leila Farid,

 Excellent and sensitive analysis as usual. Thank you

 

Tue, 13 Jun 2006 01:14:56 +0200 (CEST)

From:  "george gabra" <georgeamingabra@yahoo.fr> 

   

آنسة أو مدام ليلى فريد

كان الخبر و التعليق مناسبان بدقة وفقك الله

جورج جبره