18 فبراير 2006

 

 

 

 

محفوظ سلمكم الأمانة كاملة

أنتم من أضاعها

ليلي فريد

 

 

قيل (والعهدة على الراوي) أن نجيب محفوظ قد اشترط على ناشره الحصول على موافقة الأزهر قبل إعادة نشر رواية أولاد حارتنا في مصر.. وأيضا أنه طلب قيام أحد الكتاب الإسلاميين بكتابة مقدمة الكتاب.

أقول (والعهدة على الراوي) لأنه لا أحد يحق له أن يلومك لو تعاملت بحذر مع كل ما يقال عن لسان شيخ على أعتاب المائة لا يري ولا يسمع ما يدور في العالم حوله إلا من خلال أعين وآذان الآخرين. وحتى لو افترضنا الإخلاص الكامل والتنزه عن الغرض في كل هؤلاء فإن ما يخرج من فم الشيخ الجليل لا يمكن أن يزيد عن كونه رد فعل لما يسمح له بأن يعرفه.

وبصراحة فإن من يحب محفوظ بصدق عليه أن يتركه في هذه المرحلة في سلام ولا يصر على استنزافه لآخر قطرة كما هو الحال الآن.

الكثير للأسف يستغلون نقطة الضعف المعروفة عنه وهي الأدب الجم والمجاملة التي تمنعه من أن يصد من يقترب منه. في الأيام الخوالي عندما كان يتصدر المائدة الممتدة في كازينو أوبرا صباحية كل يوم جمعة ويتحلق حوله الأحباء والمعجبون والأدباء الشبان، كان الرجل ينصت بصبر عجيب لما يصر البعض على إسماعه من أحاديث مملة ومحاولات أدبية ساذجة. ومهما بلغ من تفاهة ما يسمعه فلا يفعل أكثر من أن يتحايل على إنهاء الموقف المزعج بفكاهته الحلوة وضحكته المجلجة.

المهم استنفر هذا الخبر بعض الأدباء والكتاب في مصر فاستنكروا هذا الموقف واعتبروه سابقة خطيرة للاعتراف بحق السلطة الدينية في فرض الرقابة على الإبداع.

هذا كلام جميل.. ولكن مهلا.. هل هي فعلا سابقة خطيرة ستحملون محفوظ وزرها أم هي مجرد اعتراف بواقع أليم أنتم المسئولون عن ترسيخه؟

تعالوا نتحاسب.. ماذا قدم محفوظ.. وماذا قدمتم:

محفوظ قدم عملا فكريا عظيما استحق إشادة خاصة به في سياق منحه جائزة نوبل للآداب. أما مجتمعكم فاستقبل هذا العمل بوصفه بالإلحاد ونعت صاحبه بالكفر وأحل فقهاؤكم دمه وغرس أحد أبنائكم نصلا باردا في عنقه النحيل.

محفوظ قدم خلال عمره المديد زادا لا ينضب من الفكر المستنير والمبادئ الإنسانية الراقية والفن البديع. أرقه التردي الذي أصاب المجتمع فبذل المستحيل في سبيل دق نواقيس الخطر وإيقاظ النائمين.

هو من الأشخاص القلائل الذين تحققت لديهم المصالحة الكاملة بين المبادئ والأفعال، فكانت حياته مثالا يصعب أن يجود الزمان بمثله للاستنارة والبعد عن التعصب والانفتاح على العالم والإيمان بالعلم والاعتماد على العقل.

أعطي كل ما عنده بسخاء من خلال أعماله الأدبية ومقالاته الثرية وشخصه النادر المثال.. فإذا كان ما بذله قد وقع على تربة طاردة، جاحدة فاسألوا أنفسكم من المسئول.

الرجل الآن في الخامسة والتسعين مما يعني واقعيا أنه قد دخل إلى مرحلة التقاعد منذ عقود ثلاثة. لذا فمحفوظ وعظماء جيله قد تركوا لكم الساحة الثقافية لمدة ثلاثين عاما تسرحون فيها وتمرحون.

فماذا فعلتم لحماية من لا يملك سوي العقل والقلم ممن يواجهه بالرصاص والسكين أو على أحسن الفروض بالتخوين والتكفير والاغتيال المعنوي والتضييق على الرزق؟!

ماذا فعلتم عندما رأيتم كيف تستنفر حشود الشباب. تنطلق هادرة مدمرة تتوعد بالويل والثبور كاتب أو شاعر من أجل قصة أو قصيدة لم تقع عليها عين أحد هؤلاء الهائجين المائجين؟!

ماذا فعلتم لحماية الاستقلال الفكري وإيقاف هيمنة المؤسسات الدينية على كل مظاهر الإبداع؟!

كم منكم دافع عن حرية الرأي والعقيدة دفاعا صريحا بلا لبس ولا استثناءات؟! كم منكم قد أدان الإرهاب إدانة واضحة بلا لف ولا دوران؟! كم منكم ثبت على موقف شجاع اتخذه يوما ولم يتراجع عنه نتيجة ترهيب أو ترغيب؟!

عشتم لتروا مصركم بعد أن كانت تصدر للعالم القطن الناصع البياض صارت من أكبر مصدري الإرهاب الأسود. فماذا فعلتم؟!

أصبح مهرجانكم الإعلامي الكبير: معرض الكتاب يضم بين جنباته إصدارات تصول وتجول في عوالم الجن والعفاريت وتحقير العقائد المخالفة. تدخله فتفاجئ بوجود طوابير شبيهة بطوابير الجمعية تكتشف أنها من أجل الحصول على قنينة من بول البعير الذي يشفي من جميع الأمراض.

لماذا نذهب بعيدا.. لابد وأنكم تذكرون جريدة مصر الأولي وكيف كانت يوما متعة ننتظرها بشوق ولهفة. حتى من كان لا يملك ثمن كتاب، كان يكفي بقروشه القليلة أن يدخل من خلال صفحاتها إلى العوالم المسحورة لمحفوظ والحكيم ولويس عوض ويوسف إدريس وحسين فوزي.. وعندما تركها هؤلاء الرواد ماذا أصبحت على أيدي أجيالكم؟ هل نسترسل أم أنتم تعلمون؟ صفحات من المتاجرة بالدين وتسطيح العلم. من تغييب العقول والحض على الكراهية.. حتى البقية الباقية من الرجال المحترمين آثر معظمهم السلامة وتحصنوا ببروجهم العاجية لا يتناولون في كتاباتهم إلا مواضيع هامشية وأفكار مجردة معزولة تماما عن المعركة المصيرية التي يواجهها مجتمعهم بين قوى التقدم وجحافل الرجعية.

محفوظ قد دفع ثمنا غاليا لمسيرته التنويرية.. الأصابع العبقرية التي خطت أولاد حارتنا وغيرها من الدرر قد عجزت عن الكتابة منذ الهجمة الجبانة الآثمة.

ولكن الرجل العظيم قد ترك ملحمته الخالدة بين أيديكم. فإن شئتم انشروها على الملأ بفخر واعتزاز وإن شئتم اخفوها وتبادلوها سرا كالبضاعة الممنوعة.

فقط دعوا الشيخ الجليل في سلام ولا تطالبوه بأن يحارب لكم معركتكم.. إنها حياتكم وحياة أبنائكم..

لقد سلمكم محفوظ الشعلة المقدسة فلو شئتم حافظوا على الذبالة الباقية عسى أن تتوهج من جديد ولو شئتم اتركوها تخمد واقبعوا في كهوف الظلام.

 

lailafarid@btopenworld.com

 

* كاتبة مصرية

للتعليق على هذا الموضوع

 

 

Sat, 18 Feb 2006 22:19:24 -0500

From: "Francois Basili" <fbasili@gmail.com>

A very good article from someone who obviously loves Mahfouz as much as I, and perhaps million others, do. I salute you for your fierce defence of this amazing man who has so much talent it is enough for thousand others of the next generations. You make good points even though I thought that at this stage of his life Mahfouz could afford to take a much more forceful position in defence of freedom of thought, without having to worry about what other writers worry about of meeting the daily pressures and needs of life. Mahfouz wrote most of his best works during Nasser's - and Heikal's - era, when he was protected and the whole culture was more or less secular. He would not have been able to write much had he lived his prime years under the Islamist-dominated Egyptian culture of the last thirty years.

Thank God he came and wrote to us at the right time of Egypt's history.

Thank you for writing such a beautiful article.

Francois Basili