24 يوليو 2005

 

من جبل آثوس في اليونان إلى الواحات الخارجة في مصر

مرثية انحسار المسيحية في موطنها الأصلي

الجزء الثالث والأخير

ليلي فريد*

 

في هذا الجزء الأخير نلتقي مع الكاتب الاسكتلندي ويليام دالريمبل - في رحلته التي بدأها من اليونان وسينهيها في مصر ليرصد تراجع المسيحية في موطنها الأصلي - جالسا يحتسي الشاي في فندق متروبول بالإسكندرية.

وجد نفسه رغما عنه يقارن ما بين الإسكندرية المدينة الجميلة لؤلؤة البحر المتوسط وباريس الشرق كما صورها لورانس دوريل في "رباعيات الإسكندرية" وبين المدينة التي أصابها ما أصاب كل المدن المصرية من تراجع وقبح وإهمال.

استرجع تاريخ الإسكندرية الثري وهو يتنقل ما بين المتحف اليوناني الروماني وكوم الشقافة . رأى المدينة المتعددة الأجناس المنفتحة على الغرب المتألقة بالثقافة والفن بعد أن هجرها اليونانيون وغيرهم من الأوروبيين والأرمن واليهود. زار المعبد اليهودي المحاط بحراسة مشددة وجلس في النادي اليوناني مع العجائز الباقيين في المدينة... لم يعد فيها إلا 500 يوناني في طريقهم إلى الإنقراض.. من كان يتصور الإسكندرية بلا يونانيين؟!! هكذا تمتموا.

ثم استقل القطار إلى القاهرة حيث قدم طلبا لزيارة أسيوط واتضح له أن ذلك الإذن سيستغرق وقتا لأن زيارتها لم يكن مسموحا بها للأجانب - ماعدا الصحفيين - في تلك الفترة بعد أن تصاعدت هجمات الجماعات الإرهابية واستهدفت السياح، فقرر استثمار الوقت في زيارة دير القديس أنطونيوس في البحر الأحمر.

حملته عربة أجرة وصفها بأنها تنتمي إلى أسلاف مرحلة ما قبل التاريخ لعربات البيجو المتعارف عليها اليوم يقودها أعرابي من سيناء يتعامل معها كما يتعامل مع جمله فعندما "تحرن" يرفسها بقدمه حينا ويهمس لها بكلمات مستعطفة حينا آخر! واكتشف أن السائق يعتبر إشارات المرور مضايقات لا داعي لها يفضل تجاهلها تماما!

وبرغم كل ذلك حدثت المعجزة ووصلا إلى الدير سالمين.

في رحاب هذا الدير أدرك المؤلف أن أديرة مصر لا خوف عليها. هذا الدير مازال مزدهرا عامرا منذ القرن الرابع حتى اليوم. لا تنقطع عنه أفواج الزوار والحجاج. لا يضم فقط شيوخ الرهبان بل عددا كبيرا من الشباب من خريجي الجامعات.

بدأت مظاهر التكنولوجيا الحديثة تغزو الدير فاستبدلت الشموع بالمولدات الكهربائية وشوهد المحمول في أيدي الرهبان واستخدمت أحدث الوسائل في إنبات الخضرة في الأرض الصحراوية وفي تربية الدواجن.

ولكن الجو الذي يلف الأديرة القديمة مازال يحس في جنبات الدير. سمع أثناء إقامته قصصا عديدة عن ظهورات آباء الصحراء وخاصة مؤسس الرهبنة الأنبا أنطونيوس في ردهات الدير وعن معجزات الشفاء وخروج الأرواح الشريرة ببركة رفات القديسين.

اكتشف أن أديرة مصر مختلفة عن الأديرة الأخرة المضمحلة التي شاهدها في رحلته. أدرك أن من أهم سمات عهد قداسة البابا شنودة الثالث إحياء الرهبنة وإصلاح وترميم الأديرة بما تضمه من كنوز.

عاد إلى القاهرة ولكنها بضوضائها وزحامها لم تغره بإطالة الإقامة فيها فأخذ يستعجل إذن الذهاب إلى أسيوط وعندما وجد تسويفا أخرج من جعبته آخر الحيل التي كان يملكها. تذكر أنه قد أجرى في السابق مقابلة تم نشرها مع الرئيس حسني مبارك وكان آخر سؤال وجهه له (و كان ذلك في أعقاب حوادث مقلقة خاصة بأنشطة الجماعات الإرهابية في الصعيد): "هل تعد زيارة مدينة أسيوط مأمونة؟" وكان رد الرئيس: "بالطبع. تستطيع أن تذهب غدا لو أردت". واستطاع ويليام أن يقنع المسئولين بأن الرئيس بنفسه قد أعطاه إذنا خاصا وهكذا انتزع تصريحا بالزيارة لأكثر محطة في رحلته خطورة.

وفي سياق هذا الموضوع استعرض الكاتب ما وصل إليه من معلومات دقيقة عن أوضاع الأقباط وعن الجماعات الإسلامية. رجع إلى الوراء إلى بدايات حركة الإخوان المسلمين عام 1928. استهداف الأقباط . مظاهر تهميشهم والتمييز بينهم . طريق الآلام الذي يجب أن يقطعوه ليحصلوا على إذن ببناء كنيسة جديدة أو حتى ترميم سور أو إصلاح دورة مياه في كنيسة قائمة.

تحدث بإسهاب عن بروز وتنامي تيار المد الاصولي... عن تغيير طبيعة المصريين بحيث أصبحت مجرد إشاعة تحويل مبنى إلى بيت للعبادة المسيحية كافية لاستنفار حشود من جيرانهم تقتل وتحرق وتدمر. وجدنا أنه يعرف الكثير عن تفاصيل قتل فرج فودة ومحاولة التفريق بين نصر حامد أبو زيد وزوجته. عن استبعاد الأقباط من كل الوظائف المؤثرة والحساسة وتقليص تمثيلهم في البرلمان والمجالس. عن الخطاب المستتر حينا والزاعق أحيانا يوصمهم بالكفر ويدعو إلى كراهيتهم ويستهين بمقدساتهم.

حلل عوامل هجرة الأقباط منذ عهد عبد الناصر حيث كان السبب الرئيسي هو اقتصادي بسبب قرارات التأميم التي مستهم إلى حد كبير. ثم جاء السادات الذي تركهم فريسة سهلة في يد الجماعات الإسلامية فصارت الهجرة بسبب المعاناة المعيشية والمخاوف المتعاظمة على حد سواء. وبعد ذلك توالت موجات الهجرة بعد أن تعددت أسبابها: المظالم من ناحية والبطالة من ناحية أخرى مع الشعور بالاغتراب فلم يعد الوطن هو الوطن ولا الناس هم الناس.

وبالإضافة إلى هجرة الطبقة المتوسطة والغنية إلى استراليا وأمريكا وكندا وأوروبا توجد أيضا هجرة من نوع آخر: أقباط الصعيد الذين أصبحوا يعيشون في جو معبأ بالكراهية حتى من "بلدياتهم" باعوا أرضهم وفروا إلى المدينة ليختفوا في زحامها من مضطهديهم.

وعدد دالريمبل الأحداث الطائفية في العصر الحديث من الخانكة والزواية الحمراء إلى أبو قرقاص وصنبو والكشح. وخلص لأن الحكومات المصرية كانت قد غضت الطرف عن نشاطات الجماعات الإرهابية المتنامي طالما اقتصر ضحاياهم على الأقباط فقط ولكن عندما اشتد ساعدهم وبدأوا في استهداف رجال الحكومة والسياح أظهرت لهم وجها آخر قاسيا رادعا.

ووصل الكاتب إلى أن الخطر الحقيقي الذي يهدد أقباط مصر هو أسلمة المجتمع وتيار الأصولية الذي تغلغل في كل نواحي الحياة ولذا لم يكن من الغريب أن يلمس عند كل من قابله منهم الإشفاق مما قد يحمله لهم الغد.

وجد على باب الفندق في انتظاره لرحلة الصعيد سيارة حكومية مع سائق ومترجم. كانت رحلة محفوفة بالمخاطر... نقاط تفتيش وحواجز وبوليس مسلح في محطات على طول الطريق... جو يسوده القلق والترقب... الخوف من هجمة غادرة للجماعات الإرهابية يحلق في الأفق.

وقرب قرية صنوبة التي كانت مسرحا لإحدى مذابح الأقباط أصر المسئولون على أن ترافق سيارته عربة تضم ستة حراس مسلحين. ولم يبتعد عن الحقيقة عندما كان تعليق ويليام الساخر أنه لم تكن هناك طريقة أفضل للفت أنظار الجماعات الإسلامية لوجود سائح أجنبي في الجوار من هذا الموكب الفخيم: عربة مرسيدس سوداء وفيلق من الحراس أصابعهم على الزناد!

وفي الطريق إلى دير المحرق حيث كان الثأر بين البوليس والجماعات الإسلامية مازال يغلي في العروق قرر المسئولون تعزيز الحراسة بالمزيد من الجنود المسلحين.

ولكن عندما وصلوا إلى الدير الرابض بين أشجار النخيل وفي رحابه العامرة شعر مرة أخرى أنه لا خوف على الرهبنة في مصر.

سمع من الرهبان عن القتل الغادر لإثنين من آباء الدير والتهديد المستمر الذي بموجبه طلب الدير حماية من البوليس قبل الحادث ولكن طلبه قوبل بالإهمال. ولكن عندما سأل الرهبان هل يفكرون في الانتقال لمكان آخر- على الأقل حتى تهدأ الأمور- كان الرد الذي لا يتبدل :"نحن هنا في مكان مقدس استضاف العائلة المقدسة في رحلتها إلى مصر فكيف نتركه؟! الكنيسة القبطية اعتادت على الآلام من عهد دقلديانوس، وما الضيقات التي نمر بها اليوم إلا القليل من كثير وهي لا تزيدنا إلا إيمانا وتصميما على البقاء".

عندما خرج الموكب من أسيوط إلى مشارف الصحراء الغربية ودع الكاتب ومرافقوه حراسهم وتوغلوا بسيارتهم في عمق الصحراء إلى الواحة الخارجة التي كانت تشكل الحد الجنوبي للإمبراطورية البيزنطية.

في الواحة الخارجة زار بقايا معبد آمون ومقبرة البجوات المسيحية. رأى الفندق الكبير الخالي من النزلاء كشاهد على محاولة عبد الناصر الفاشلة في خمسينيات القرن الماضي لتعمير الوادي الجديد.

ومن المفارقات أن منطقة الواحات كانت في عهد البيزنطيين منفى لأعتي المجرمين وهل كان هناك مجرمون أشد خطورة في ذلك العهد من الهرطوقيين؟! ولذا كانت منفى لنسطورس بعد أن أدان مجمع أفسس بدعته في القرن الخامس الميلادي. وفي العصر الحديث أصبحت تضم معتقلا لأشد المساجين خطورة: المساجين السياسيين.

جلس ويليام دالريمبل يمد الطرف عبر الصحراء المترامية بكثبانها المتموجة ورمالها الناعمة في المكان الذي جلس فيه جون موشوس منذ 1400 عام في نهاية رحلته التي سجل فيها المراحل الأولي لاقتلاع المسيحية من جذورها في الشرق. وكان دالريمبل شاهدا على بداية النهاية...

والخلاصة

هل وضع الختم النهائي على مصير المسيحية الشرقية؟! هل في غضون سنوات معدودة سنشهد تداعيها الكامل واختفاء معالمها؟!

أم أن هناك فسحة من الأمل؟!

بعض المثقفون وعلى رأسهم مسلمون يراهنون على أن الآمال معقودة بإدراك مسلمي الشرق أن بقاء المسيحيين بينهم هو نعمة وليس نقمة ولذا فعليهم أن يعملوا كل ما في طاقتهم لإزالة المعوقات التي دفعتهم دفعا إلى الهجرة بل وعكس الأوضاع القائمة بحيث تصير مشجعة لهم على العودة.

هل هذا بممكن؟َ!

المتفائلون يؤكدون أن التيار الأصولي رغم أنه القوي والعالي الصوت حاليا إلا أن مصيره الهزيمة. يزعمون أن قوي الاعتدال لم تمت بعد بل إنها في طريقها للصحوة والتزايد. وبعد انحسار الموجة الظلامية ستسود التوجهات التنويرية وتتسع المجتمعات لوجود الأقليات الدينية.

يتوقعون أنه في ظل أنظمة ديموقراطية علمانية تفصل ما بين الدين والسياسة وتكون فيها المواطنة وليس العقيدة هي جوهر القضية سيعود مسيحو الشرق ليستعيدوا دورهم التاريخي.

كتاب "من الجبل المقدس*" لا يخلو من نبرة تشاؤمية لم ينجح الكاتب في السيطرة عليها ولكنه أيضا استطاع أن يبرز مسببات للأمل:

يروي دالريمبل أنه التقي بالأكاديمي كمال صليبي أستاذ التاريخ في الجامعة الأمريكية ببيروت وفي نهاية محادثتهم الطويلة عن الوضع الكارثي لمسيحي لبنان والشرق عامة في مواجهة الزحف الأصولي ابتسم البروفسور وقال:" ورغم ذلك.. فإن المعركة لم تنته بعد!!"

اكتشفنا من خلال رحلته أن عددا لا يستهان به من الأديرة التي وصفها الرحالة جون موشوس في القرن السادس مازالت قائمة حتى اليوم بل وتتردد في جنباتها الصلوات والتسابيح وتستقبل أفواجا من الزوار: أناس بسطاء يلتمسون استجابة لطلباتهم المتواضعة.. علماء متميزون يغترفون من هذا التراث الإنساني العظيم.. هيئات عالمية لا تبغي سوي السماح لها بالمساهمة في ترميم وحفظ هذه المباني الأثرية وما تحويه من كنوز المخطوطات والأيقونات والرسوم الجدارية.

هل هناك دليل أفضل على هذا البقاء العجيب من كنائس وأديرة مصر القديمة العديدة؟! بل على هذا الوجود الإعجازي من دير القديس غبريال في قلب تركيا؟! الدير الذي صمد منذ القرن الرابع ومازال يعج بالرهبان والراهبات والأولاد الصغار الذين يتسابقون إلى الانخراط في سلك الرهبنة.

إذن ولابد أن حسابات المراقبين لأوضاع المسيحية في الشرق الباعثة على اليأس من جهة العقل والمنطق تختلف عن حسابات ساكني الأديرة الذين ينعمون بالسكينة في وسط العالم المائج بالاضطراب والغضب من حولهم ... لا يداخلهم الشك ولا يتطرق إلى نفوسهم الخوف. فهم يبنون حساباتهم طبقا للوعد الإلهي:

"غير المستطاع عند الناس مستطاع عند الله".

* From The Holy Mountain, William Dalrymple

Harper Collins Publishers 1997

 

*بريطانيا

من جبل آثوس في اليونان إلى الواحات الخارجة في مصر1

من جبل آثوس في اليونان إلى الواحات الخارجة في مصر 2

 

للتعليق على هذا الموضوع

kerimaga@hotmail.com>

Date: Sat, 27 Aug 2005 16:33:30 +0300

ان فقدان الدول التي ذكرت للأقليات المسيحية تدفع ثمنها الأن وسوف تدفعها لاحقا ان فقدن هذه المجتمعات لهذا التنوع الموزايكي الجميل والتنوع الفكري والثقافي يجعل هذه الشعوب تعيش في ضلالها وتخلفها ان المسحيين في العالم السلامي كانو سبب النهضة والتقدم ولقد ادركت الدولة العثمانية ذلك منذ قرون فقد حافظت على هذا البتنوع الحجميل بل وصل منهم من وصل إلى اعلى مناصب السلطة واماكن القرار ومن المؤسف أن النظمة العربية التي تدعي العروبة قد نقص فيه الخوة السيحيين واصبحت نسبهم تاد ان لآتذكر ان التطرف السائد في الشرق السلامي ليس

هو سبب كل هذه المشاكل والعداوات ان كل دولة يجب ان تكون العلمانية هي طريقها للتقدم والتطور