11 ديسمبر 2005

 

هل يدري طفل مصر اليتيم بما يجري من أجله في واشنطن؟!

ليلي فريد

 

 

في أكتوبر الماضي وأثناء جلوسي في القاعة الفخيمة في واشنطن تلفت حولي وتساءلت: هل يدرك الطفل المحروم في قرية مصرية أو الطفلة اليتيمة في أقصى الصعيد أن كل ما يجري هنا هو من أجله ومن أجلها؟! أن كل هؤلاء القوم قد نحوا مشاغلهم العديدة والتزاماتهم الهامة جانبا ليكونوا هنا يتذكرونهما ويعملون من أجلهما؟! أتمني ذلك..

كانت المناسبة هي الحفل السنوي الثالث لجمعية الأيتام الأقباط Coptic Orphans.

لا شيء يمكن أن يجمع بين هذا الحشد من مختلف الأجناس والعقائد والتوجهات والأعمار، رجال ونساء، إلا هدف إنساني نبيل لا يختلف عليه اثنان.

سفارة كولومبيا في واشنطن فتحت أبوابها لاستقبال المدعوين.. سفراء مصر والأردن في العاصمة الأمريكية كانا في مقدمة الحاضرين.. من أيضا تراه حولك؟

دينا باول التي جاءت إلى أمريكا في صحبة والديها وهي طفلة وأصبحت الآن من النجوم اللامعة في إدارة أكبر دول العالم.. تذهلك ببساطتها وتواضعها.. تحس معها أنك تحادث أختك أو إبنة خالتك.. عربيتها سليمة وكأنها ما تركت مصر يوما. ولكن لا يخدعنك هذا المظهر العادي فهو يخفي وراءه شخصية غير عادية: ذكاء متوقد وقدرات استثنائية هما جواز المرور الذي مكن هذه الشابة الصغيرة من شق طريقها في دهاليز البيت الأبيض وبين الصقور والحمائم والجمهوريين والديموقراطيين.

ليز تشيني شابة أخرى أصبحت محط الأنظار ليس لكونها إبنة ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي فحسب ولكن لإنجازاتها الشخصية البارزة في العمل العام وخاصة في مجالات رعاية المرأة والطفل.

أندرو كارد كبير موظفي البيت الأبيض. يالها من مسئولية يحملها هذا الرجل الدمث المجامل! وبجواره زوجته(Reverend) كاترين التي كرمتها الجمعية بمنحها الجائزة السنوية التي خصصتها للشخصية التي تضرب مثلا يحتذي في العمل الاجتماعي أو الخيري.

آباء كهنة من الكنيسة القبطية في واشنطن، رجال دين من مختلف الطوائف. العديد من المصريين بعضهم سافر لمسافات بعيدة ليشارك في هذه المناسبة.

باقة من شباب وشابات الجيل الثاني من المهاجرين المصريين.. يفرحوك.. يسعدك الحديث معهم بلهجتهم العربية "المكسرة" وبأفكارهم الغربية المستنيرة.. معظمهم ولدوا وعاشوا في أمريكا ولكن روابطهم بمصر أقوي ما تكون.. إيمانهم المسيحي يترجمونه في صورة محبة وخدمة للمحتاجين من أبناء وطنهم... لا يجيدون الإنشاء والخطب ولكنهم يجيدون التنظيم والعمل الجاد المثمر.

نرمين رياض ومعها زوجها وأصدقائها وزملائها في جمعية الأيتام الأقباط أصدق مثل على ذلك . شابة قبطية أخرى مثلها كمثل دينا باول تركت مصر إلى أمريكا وهي طفلة ولكنها لم تنسى لحظة الأطفال المحرومين هناك.

بدأت هذا المشروع الرائع لمساعدة عشرات الألوف منهم في عام 1989. ولشفافيته ومصداقيته حاز الثقة وتدفقت عليه المعونات من الأفراد والهيئات وسار من نجاح إلى نجاح وتوسع ليشمل البرامج التالية:

    Sponsor a Child كفالة طفل: يمكن لمن يرغب، أن يتبنى طفلا يتيما في مصر عن بعد وذلك بتقديم المعونة المالية والسند العاطفي له.

    Child Assistance: تساعد الجمعية هؤلاء الأطفال ماديا ومعنويا ليتعلموا ويكونوا قادرين على مواجهة الحياة.

    Serve to Learn: يتطوع شباب مصري يعيش في الغرب لتعليم الإنجليزية لأطفال الأسر البسيطة، مسلمين ومسيحيين، ولإشعارهم باهتمام أخوة لهم منحتهم الظروف حظا أفضل.

    Valuable Girl Project برنامج موجه لمساعدة الطفلة والشابة المصرية على وجه الخصوص وتدعيم ثقتها في قيمتها كإنسانة وحقها في العيش بكرامة.

    Rosetta and Tales Programs : برامج تهدف لمساعدة الأطفال على فك شفرة الكلمات وعلى حب القراءة.

وألقي السفير نبيل فهمي كلمة جميلة بلغته الراقية أوضح فيها أوجه التعاون الوثيقة بين جمعيات خيرية كأيتام الأقباط، وبين المشروعات التنموية التي تقوم بها الحكومة والهيئات في مصر لمساعدة النساء والفتيات في القرى والنجوع.

وتتابعت الكلمات: ليز تشيني، كاترين كارد، سفير كولمبيا السابق، كلها تشيد بعمل الجمعية وبالنظرة الإنسانية الرحبة للعمل الخيري التطوعي.

ووقف شاب مصري ليروي بصوته المتهدج تجربته الشخصية. هو شاب حرم من رعاية الأب وعانت أسرته الأمرين وكاد هو شخصيا أن يغيب في مجاهل اليأس والضياع لولا أن انتشلته يد جمعية أيتام الأقباط وساعدته حتى استكمل تعليمه ووقف على قدميه. وهو الآن يزاول عملا كريما في أمريكا ويقوم برد الجميل عن طريق مساعدة أطفال آخرين في مصر يعيشون مثل ظروفه السابقة.

ولخصت هذه القصة التي رواها بطلها بواقعية وصدق الفلسفة والهدف من عمل الجمعية.

وفي النهاية جري سحب (سيخصص ريعه لمساعدة أطفال الجمعية) على هدايا بالغة القيمة قدمها متبرعون رفض غالبيتهم ذكر أسمائهم.

كانت أمسية رائعة تنتشلك لوهلة من أجواء الشر والكراهية والقسوة التي صارت تغلف العالم وتجعلك تستعيد إيمانك بأن قيم الخير والمحبة والتعاطف الإنساني لم ولن تموت.

*بريطانيا

 

للتعليق على هذا الموضوع