12 ديسمبر 2005

 

 

قولوا لا.. للإخوان المسلمين!

خليل علي حيدر

 

 

أصبحت مصر بعد الانتخابات الاخيرة، فيما يراقب العالم كله مصيرها السياسي، وجها لوجه امام ما كانت تخشى منه النخبة الحاكمة والمثقفة وقطاع عريض من الجمهور المعارض للاسلام السياسي ومعظم الاقباط، الا وهو احتمال هيمنة جماعة الاخوان المسلمين جزئيا او بشكل مؤثر على البرلمان والدولة.. والمجتمع!

في رسالته عن نظام الحكم التي نشرها مؤسس حركة الاخوان قبيل اغتياله بسنوات قليلة، وجه انتقادات مريرة الى الاوضاع السياسية ونظام الانتخابات وطالب بحصر عضوية البرلمان بأهل الحل والعقد وهم الفقهاء المجتهدون الذين يعتمد على اقوالهم، واهل الخبرة في الشؤون العامة، ومن لهم نوع قيادة او رئاسة في الناس كزعماء البيوت والاسر وشيوخ القبائل ورؤساء المجموعات. وطالب المرشد آنذاك بوضع حدود للدعاية الانتخابية، واصلاح الجداول الانتخابية، ووضع عقوبة قاسية للتزوير واعتماد الانتخاب بالقائمة والاهم من هذا وضع صفات خاصة للمرشحين انفسهم، فاذا كانوا ممثلين لهيئات فلابد ان يكون لهذه الهيئات برامج واضحة واغراض مفصلة.

على امتداد اكثر من نصف قرن منذ ان كتب إلينا رسالته هذه تطورت الحكومة المصرية وجماعة الاخوان بما لا مجال للخوض في التفاصيل. ويصرّ الاخوان اليوم، رغم كل المخاوف على انهم لن يتمردوا على قواعد الديموقراطية واحترام رأي الاغلبية ولا يعلم احد بالطبع مدى صدقهم او عمق التزامهم بالتعددية والتداولية، غير ان كُتابهم، كالدكتور توفيق يوسف الواعي يعدًّد 15 نقطة تؤكد مختلف جوانب البناء الديموقراطي التي سيلتزم بها الاخوان، تأسيسا على فكر الاستاذ البنا.

هذه المبادئ، كما يوردها في كتابه الفكر السياسي المعاصر عند الاخوان المسلمين، (الكويت، مكتبة المنار، 2001) هي: الاقرار التام بان الشعب هو مصدر جميع السلطات، الالتزام بمبدأ تداول السلطة، حرية الاعتقاد الخاص والشريعة الاسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، حرية اقامة الشعائر الدينية لجميع الاديان السماوية، تأكيد حرية الرأي والجهر به والدعوة السليمة اليه بما لا يتعارض مع الشريعة الاسلامية، تأكيد حرية تشكيل الاحزاب السياسية وان تكون السلطة القضائية هي المرجع، تأكيد حرية الاجتماعات الجماهيرية العامة والدعوة اليها، حق التظاهر السلمي، ضرورة تمثيل الشعب عبر مجلس نيابي منتخب انتخابا حرا ولمدة محدودة، ضمان حق كل مواطن ومواطنة في المشاركة في الانتخابات النيابية، حفظ حق كل مواطن ومواطنة في تولي عضوية المجالس النيابية، كفالة استقلال القضاء والغاء جميع انواع المحاكم الاستثنائية، الفصل بين سلطتي الاتهام والتحقيق، ابعاد الجيش عن السياسة وعدم الاستعانة به مباشرة او غير مباشرة من قبل سلطة الحكم، ان تكون الشرطة وجميع اجهزة الدولة الداخلية وظائف مدنية (ص 56- 58).

وواضح كل الوضوح صعوبة الجمع بين هذه المبادئ الديموقراطية وتطبيقها بسلاسة!! وبخاصة في دولة يقودها حزب اسلامي عقائدي ايديولوجي، وتحكمها الشريعة الاسلامية، ولا احد يعلم حتى الآن مصير التعليم العام والجامعات والحريات الاكاديمية والحريات الاعلامية فيها.

فالدولة العقائدية المؤدلجة، كالنظام الاسلامي الذي يتبناه الاخوان المسلمون، قد يفرز قوى وظروفا ومنطلقات ومؤسسات جديدة، ان لم تخنق الديموقراطية فورا، كما حدث في تجارب اسلامية سابقة، فانها بلاشك تخلق بيئة غير صديقة لها، سرعان ما تبدل جوهر الطبيعة الديموقراطية في النظام السياسي والاجتماعي والفكري.

لقد طرح الاخوان المسلمون كالماركسيين مثلا بديلا عن الديموقراطية الليبرالية القائمة على التعددية السياسية والحرية الاقتصادية والتنوع الفكري والثقافي والاجتماعي. وقد اعتبر الماركسيون الديموقراطية الليبرالية ديموقراطية برجوازية يستفيد منها الاثرياء وحدهم وتتولى حماية مصالحهم وهيمنتهم على سائر طبقات المجتمع.. ولهذا تبنوا ما اسموها بالديموقراطية الشعبية التي يقيمها النظام الاشتراكي بعد تأميم مصالح الاثرياء، واقتصروا في حرية الفكر والتعبير على اصدقاء وحلفاء الثورة والنظام من الشغيلة والمثقفين التقدميين وابتدعوا اساليب جديدة في التعامل مع الآداب والثقافة والفنون، مثل مدرسة الواقعية الاشتراكية. وينطلق الاخوان والاسلاميون في نظرتهم للديموقراطية من مسار عقائدي مماثل للماركسيين.

فموقفهم من المفاهيم والمؤسسات الديموقراطية متذبذب وغير واضح، وهم يرفضون مبدئياً الدولة الحرة غير العقائدية وبخاصة الدولة العلمانية التي ترفض خلط الدين بالسياسة والوطن بالعقيدة الدينية والمذهب الطائفي. وهم يعارضون حتماً حرية العقيدة والعبادة الا في حدود معينة اجبرتهم عليها تطورات العولمة والحسابات الدولية. ويبدو واضحاً من حديث حسن البنا عن اهل الحل والعقد، كم هي غامضة وغير عصرية مفاهيم القوى الاجتماعية من جانب، وكم هو سهل الانقلاب الشرعي من جانب آخر، على المفاهيم الجديدة التي يتظاهرون بالالتزام بها، كما نرى في ادبيات الاخوان الديموقراطية ولا ينبغي ان ننسى مثلاً ان الاخوان قد ايدوا تجربة متخبطة كالتجربة السودانية حتى في زمن النميري.

وقد يعرض الاخوان في مصر تنازلات مغرية لسحب البساط من تحت ارجل خصومهم، مثل بقية الاحزاب العقائدية ولكنهم لن يلزموا انفسهم الا بما يشتهون من هذه الوعود، والبقية تطبق بالطبع لما يكتب ربنا.

وموقف الاخوان من الاقتصاد الحر، احد اركان النظام الديموقراطية امر معروف. فالكتابات الاقتصادية الاسلامية شديدة التهجم على هذا الاقتصاد الرأسمالي وعلى مؤسساته المالية الربوية وعلى استغلاله للعمال والفقراء والمرأة وشعوب العالم الاسلامي، وكذلك على الفردية والانانية والمادية الملازمة للاقتصاد الرأسمالي. ويطرح الاخوان المسلمون وبقية الاسلاميين بديلاً شعبوياً غامضاً لهذا الاقتصاد، الحديث نراه في كتبهم ومقالاتهم لا يختلف في الواقع والمصير عن الاقتصاد الشعبي والاشتراكي، الذي يراعي الظروف الجماهيرية على حساب الانتاجية، والذي يتسبب في التضخم والبطالة وانخفاض قيمة العملة وغير ذلك من علل مدمرة.

ويثير نمط تطبيق الشريعة الاسلامية في دولة الاخوان المسلمين اسئلة كثيرة، فهل سيعمدون فوراً الى تطبيق الحدود الشرعية ام سيكون ذلك بالتدريج؟ وهل ستتدخل عوامل الصراع السياسي والحزبي في تطبيق هذه الحدود ام ان الامور ستسير في خدمة التدريجيين؟ وهل ستتبنى دولتهم فكرة تهيئة الظروف وتحسين الحياة الاقتصادية وتوفير فرص العمل لملايين المصريين، وهذا قد يستغرق عشرات السنين، ام سيبادر المحافظون والمتشددون الى الجلد وقطع الايدي والرجم؟ وهل ستتراجع السياحة والاقتصاد والانتاج والعلاقات التجارية وغيرها فيؤثر ذلك كله على التطبيق، أم ستحدث هنا سلسلة من المعجزات للاخوان كذلك كالماركسيين، موقف معروف من الادب والفكر. فهم ضد الكثير من المدارس الادبية المهيمنة على الادب العالمي، ويروجون منذ سنوات لنسخة تماثل انواع الادب العقائدي الاخرى، يسمونها الادب الاسلامي و هذا الادب العقائدي محاولة ضمن محاولات الاخوان في اسلمة الادب والفكر وهي محاولات تمتد الى الغناء والسينما والمسرح وعلم النفس وعلم الاجتماع والتاريخ.

ورغم محاولات الاخوان والاسلاميين المتكررة، والانتشار الواسع للتيار الاسلامي في عشرات الدول وكل ما بيد التيار من مال ومن نفوذ، فإن الحركة لم تلد شيئاً ذا بال في مجال الادب والفن والشعر والرواية، ولا تزال الحركة الاسلامية عموماً افقر حركة فكرية ثقافية ابداعية، مقارنة مثلاً بالحركة القومية والشيوعية والوطنية... مرت بالعالمين العربي والاسلامي، وللمصريين الآن الامر، إن كانوا يريدون لامثال هؤلاء ان يحكموهم.

 

للتعليق على هذا الموضوع